روايات وقصص

ابن اخويا حكايات صافي هاني

 

“إيه يا بطل؟”

 

بص على رجله الملفوفة بالشاش، وقال:

 

“هو أنا هقدر أجري تاني يا عمو؟”

 

حسيت بحاجة بتخنقني.

 

“هتجري، وهتلعب، وهتتخانق معايا كمان عشان مش هسيبك تكسبني في الكورة.”

 

ابتسم للحظة، وبعدها رجع وشه للجدية.

 

“بس مش هتخليني أرجع عندها؟”

 

مسكت إيده.

 

“لأ.”

 

فضل باصصلي كأنه بيختبر صدق الكلمة.

 

وبعدين قال بصوت واطي:

 

“حتى لو هي قالت إنها هتتغير؟”

 

قبل ما أرد، مي اللي كانت نايمة على السرير اللي جنبه فتحت عينيها، ورفعت راسها الصغيرة.

 

“هي قالت كده قبل كده يا عمو.”

 

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

 

“قالت لو قلنا لحد إننا جعانين، مش هنشوف بابا تاني.”

 

في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد إهمال ولا عصبية ولا ست مش عارفة تتعامل مع طفلين بعد موت أبوهم.

 

كان فيه خوف اتزرع جواهم، خوف خلاهم يربطوا بين الكلام عن اللي بيحصل لهم وبين فقدان آخر شخص بيحبوه.

 

قربت من مي ومسحت على شعرها.

 

“بصيلي يا حبيبتي. بابا مات، وربنا يرحمه، وده مش ذنبكم. ومفيش حد يقدر يمنعكم تحكوا الحقيقة. فاهمة؟”

 

هزت راسها ببطء.

 

وبعدين سألتني سؤال خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:

 

“طب يا عمو، هو بابا مات بجد في الحادثة؟”

 

بصيت للؤي.

 

لؤي غمض عينيه بسرعة، وشد الغطا لحد دقنه.

 

سألتها بهدوء:

 

“إنتِ ليه بتسألي السؤال ده يا مي؟”

 

قالت:

 

“عشان ماما ريهام قالت إن بابا لو كان سمع كلامها، مكنش مات.”

 

بصيت للؤي تاني.

 

المرة دي فتح عينيه، ودموعه نزلت من غير صوت.

 

“عمو طارق…”

 

“عيوني يا حبيبي.”

 

“أنا شوفت حاجة يوم ما بابا مات.”

 

وقبل ما يكمل، الباب خبط، ودخلت الممرضة تقول إن فيه ضابط شرطة عايز يتكلم معايا.

 

قمت من مكاني، لكن لؤي مسك إيدي بقوة.

 

“متسبنيش.”

 

رجعت قعدت جنبه.

 

“مش هسيبك.”

 

دخل الضابط ومعاه واحدة من حماية الطفل، وطلبوا مني أسمع كلامهم بعيد عن الطفلين، لكن لؤي رفض يسيب إيدي، ففضلت جنبه لحد ما اتفقنا إن الكلام يتقال بهدوء، ومن غير ضغط عليهم.

 

الضابط عرّفني بنفسه، وفتح دفتره.

 

“يا أستاذ طارق، إحنا بدأنا الإجراءات في بيت السيدة ريهام، وفيه حاجات محتاجة تفسير.”

 

قلتله:

 

“أنا عايز أعرف إيه اللي كان بيحصل جوه البيت ده.”

 

رد بحذر:

 

“هنجمع الأدلة ونتأكد من أقوال الأطفال، ومش هينفع نستبق التحقيق. لكن فيه نقطة مهمة. إحنا لقينا الصور اللي اتقالتلك، ولقينا جنبها ورق متخزن في صندوق حديد صغير.”

 

“ورق إيه؟”

 

“مستندات تخص أخوك، وبعض الأوراق المتعلقة بوفاته.”

 

حسيت إن قلبي وقف لحظة.

 

“يعني إيه مستندات تخص وفاته؟”

 

الضابط بص للؤي ومي، وبعدها قال:

 

“الأفضل نتكلم بره.”

 

خرجنا للممر.

 

وقفت قدامه وقلت:

 

“اتكلم.”

 

طلع صورة من ملفه، كانت صورة لورقة عليها توقيع أخويا.

 

عرفت خطه من أول نظرة.

 

إيهاب كان بيكتب اسمه بطريقة مميزة، وكان دايمًا يمد آخر حرف كأنه بيرسمه.

 

لكن اللي شدني مش التوقيع.

 

كان تاريخ الورقة.

 

قبل وفاة إيهاب بيومين.

 

وتحت التاريخ مكتوب بخط إيده:

 

“لو حصلي أي حاجة، لازم طارق يعرف الحقيقة كاملة.”

 

رفعت عيني للضابط.

 

“الحقيقة إيه؟”

 

قال:

 

“لسه بنراجع باقي الأوراق. لكن فيه حاجة تانية. السيدة ريهام مش موجودة في البيت حاليًا.”

 

“يعني إيه مش موجودة؟”

 

“لما وصلنا، لقينا البيت مفتوح، وبعض حاجاتها متشالة، وتليفونها مقفول.”

 

ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.

 

“هربت؟”

 

“إحنا لسه بنتأكد من تحركاتها.”

 

رجعت بصيت للورقة.

 

أخويا كان عارف إن فيه حاجة غلط.

 

وكان عايزني أعرف.

 

لكن ليه مخبرنيش وهو عايش؟

 

وليه الصور دي كانت في البدروم؟

 

وليه ريهام كانت محتفظة بيها في مكان مقفول؟

 

رجعت لأوضة الأطفال، ولقيت لؤي صاحي وبيبص ناحية الباب.

 

أول ما شافني، سأل:

 

“هي جت؟”

 

“لأ يا حبيبي.”

 

“طب هتيجي؟”

 

قعدت جنبه.

 

“أي حد هييجي، هيبقى فيه ناس مسؤولة عن حمايتكم. ومحدش هياخدكم من هنا من غير ما يكون فيه قرار يحافظ على سلامتكم.”

 

بصلي فترة طويلة، وبعدها قال:

 

“أنا مش عايز أرجع البيت ده.”

 

“مش هتضطر ترجع لمكان مش آمن.”

 

هنا مي قامت من على سريرها، وجت ناحيتي وهي بتجر رجلها الصغيرة من التعب.

 

“عمو طارق، هو ينفع نروح بيتك؟”

 

فتحت دراعي، فدخلت في حضني.

 

“ده بيتكم من النهارده.”

 

لكن وأنا بضمها، مكنتش أعرف إن البيت اللي هيروحوا معايا يعيشوا فيه هيبقى بداية حكاية أكبر بكتير من اللي كنت متخيلها.

 

لأن بعد أقل من ساعة، الضابط رجع تاني.

 

المرة دي كان ماسك ظرف بني قديم.

 

وقف قدامي وقال:

 

“لقينا الظرف ده مستخبي ورا رف خشب في البدروم. واضح إن حد كان حريص إن محدش يوصله.”

 

فتحت الظرف بحذر.

 

جواه كان فيه مفتاح صغير، وصورة قديمة ليا أنا وإيهاب وإحنا أطفال، وخطاب متني أربع مرات.

 

عرفت خط أخويا قبل ما أقرأ أول كلمة.

 

“طارق…”

 

كانت أول كلمة في الخطاب.

 

“لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مبقتش موجود، وحصل اللي كنت خايف منه.”

 

حسيت بإيدي بتترعش.

 

كملت القراءة.

 

“أنا عارف إنك هتزعل مني عشان بعدتك عن البيت وعن عيالي، وعارف إنك هتفتكر إني كنت بعاندك. بس الحقيقة إن الموضوع مكنش خلافنا القديم، ولا شغلك، ولا الناس اللي حواليك.

 

الموضوع بدأ يوم ما اكتشفت إن فيه أوراق باسمي بتتستخدم من غير علمي.

 

في الأول افتكرت إنه خطأ عادي، لكن لما راجعت حساباتي، لقيت تحويلات مش فاهمها، وإمضا مش بتاعتي على مستندات تخص أرض بابا.

 

واجهت ريهام، وقالتلي إني بتوهم، وإن الضغط مأثر على أعصابي.

 

لكن أنا متأكد من اللي شوفته.

 

وفيه شخص واحد بس كان عنده فرصة يدخل مكتبي ويعرف مكان أوراقي.

 

أنا مش هكتب اسمه هنا، لأن الخطاب ده ممكن يقع في إيد أي حد.

 

المفتاح اللي في الظرف ده بيفتح درج المكتب القديم في الشقة اللي كنا بنروحها وإحنا صغيرين.

 

لو لقيت الدرج فاضي، يبقى أنا اتأخرت.

 

ولو لقيت الملف الأزرق، متواجهش حد قبل ما تعرف كل حاجة.

 

وأهم حاجة يا طارق…

 

احمي لؤي ومي.

 

مش من الناس اللي بره البيت.

 

من الشخص اللي المفروض يكون أحرص الناس عليهم.”

 

وقفت عن القراءة.

 

الضابط كان باصصلي، مستني ردي.

 

لكن أنا مكنتش قادر أتكلم.

 

لأن أخويا ماكانش بيكتب عن خوف عابر.

 

كان بيحذرني من شخص قريب منه لدرجة إنه كان عنده مفتاح مكتبه، وعارف تفاصيل حياته، وقادر يوصل لأوراقه الخاصة.

 

والأخطر من كده، إن التحذير كان متعلق بعياله.

 

حطيت الخطاب في الظرف تاني.

 

وسألت الضابط:

 

“الشقة اللي مكتوبة هنا، تقدروا تروحوا معايا؟”

 

قال:

 

“هننسق ده مع فريق التحقيق. وأي حاجة نلاقيها هتتسجل رسميًا.”

 

وافقت.

 

وقبل ما أخرج من المستشفى، رجعت للؤي ومي، وقلت لهم إن فيه حد من الناس اللي بثق فيهم هيفضل معاهم.

 

لؤي ناداني قبل ما أمشي.

 

“عمو طارق.”

 

رجعتله.

 

“نعم يا حبيبي؟”

 

“لو لقيت حاجة تخص بابا، هتقولي؟”

 

قعدت على طرف السرير.

 

“هقولك كل حاجة تقدر تفهمها، في الوقت المناسب. ومش هكدب عليك.”

 

بص لأخته، وبعدها قال:

 

“بابا كان بيقول إنك لما توعد، بتوفي.”

 

ابتسمتله رغم الوجع.

 

“بابا كان عارفني كويس.”

 

خرجت من المستشفى وأنا حاسس إن كل خطوة بتقربني من أخويا، وفي نفس الوقت بتبعدني عن الحياة اللي كنت فاكر إني فاهمها.

 

وصلنا للشقة القديمة بعد الضهر.

 

كانت في عمارة هادية في مصر الجديدة، شقة صغيرة كان بابا بيحتفظ بيها عشان نقعد فيها لما كنا طلبة. بعد ما كبرنا، إيهاب كان بيروحها من وقت للتاني، خصوصًا لما يحتاج يقعد لوحده.

 

الباب كان مقفول، والمفتاح اللي في الظرف فتحه من غير مقاومة.

 

دخلت.

 

ريحة التراب والخشب القديم كانت مالية المكان.

 

كل حاجة تقريبًا زي ما هي. مكتبة صغيرة، مكتب خشب، كرسي جلد قديم، وصورة لينا إحنا التلاتة، أنا وإيهاب وبابا، متعلقة فوق المكتبة.

 

قربت من المكتب.

 

الدرج الأول كان فاضي.

 

التاني فيه أوراق قديمة.

 

التالت كان مقفول.

 

دخلت المفتاح الصغير، ولفيته.

 

فتح الدرج بصوت خفيف.

 

جواه كان فيه ملف أزرق، بالضبط زي ما أخويا كتب.

 

مديت إيدي وطلعته.

 

كان مليان صور لمستندات، وكشوف حسابات، ونسخ من عقود أراضي ورثناها عن بابا.

 

وفي آخر الملف، لقيت ورقة مكتوب عليها أسماء أشخاص، وقدام كل اسم تاريخ ومبلغ مالي.

 

اسم ريهام كان موجود.

 

لكن اسمها مكنش الوحيد.

 

كان فيه اسم تاني خلاني أرجع خطوة لورا.

 

اسم شخص كنت معتبره من أقرب الناس ليا.

 

شخص كان بيحضر معايا كل اجتماعاتي المهمة.

 

شخص كان واقف جنبي يوم وفاة إيهاب، وفضل يواسيني قدام الناس.

 

حطيت الورقة على المكتب، وطلعت موبايلي.

 

كنت هتصل بيه، لكن قبل ما أضغط على اسمه، لقيت في آخر الملف صورة صغيرة لطفلين قاعدين في حديقة.

 

لؤي ومي.

 

وعلى ظهر الصورة، بخط إيهاب، كانت فيه جملة واحدة:

 

“لو حصل أي شيء، اسألوا مي عن المفتاح التاني.”

 

فضلت باصص للصورة.

 

المفتاح التاني؟

 

رجعت فتشت الملف كله، قلبت كل ورقة، وفتحت الدرج مرة تانية، لكن ملقتش أي مفتاح غير اللي كان في الظرف.

 

فجأة افتكرت كلام مي في المستشفى.

 

“هو بابا مات بجد في الحادثة؟”

 

الطفلة دي كانت شافت حاجة.

 

ويمكن كانت عارفة أكتر مما قدرت تحكي.

 

قفلت الملف، وخدته معايا، ورجعت للمستشفى.

 

كنت محتاج أتكلم مع مي، لكن من غير ما أخوفها أو أحسسها إنها لازم تقول حاجة.

 

لما دخلت الأوضة، كانت قاعدة بتلون ورقة، ولؤي نايم.

 

قعدت جنبها وقلت:

 

“إيه الرسمة الحلوة دي؟”

 

رفعت الورقة.

 

كانت رسمة بيت، وشمس، وثلاثة أشخاص ماسكين إيد بعض.

 

“ده بيتنا الجديد.”

 

ابتسمت.

 

“جميل أوي. طب مين دول؟”

 

شارت على الشخص الكبير.

 

“ده عمو طارق.”

 

وبعدين شارت على الطفلين.

 

“أنا ولؤي.”

 

سكتت لحظة، وبعدها أضافت:

 

“وبابا هنا.”

 

كان فيه شخص رابع مرسوم بعيد عنهم، واقف عند شباك البيت.

 

سألتها:

 

“ومين ده يا مي؟”

 

الابتسامة اختفت من وشها.

 

قربت مني وهمست:

 

“ده الراجل اللي جه عندنا قبل ما بابا يموت.”

 

جسمي اتجمد.

 

“راجل مين يا حبيبتي؟”

 

هزت راسها.

 

“مش عارفة اسمه. بس ماما ريهام كانت بتخاف منه، وكانت بتدخلني أنا ولؤي الأوضة لما ييجي.”

 

“وإنتِ شفتيه يوم الحادثة؟”

 

هزت راسها.

 

“أيوه.”

 

“شفتي إيه؟”

 

بصت ناحية لؤي النائم، وبعدين رجعت بصتلي.

 

“بابا كان بيتكلم معاه بصوت عالي. والراجل قاله إنه لازم يمضي على ورق، وبابا قاله إنه مش هيمضي على حاجة مش بتاعته.”

 

حاولت أتماسك.

 

“وبعدين؟”

 

“ماما ريهام خدتني أنا ولؤي فوق، وقفلت الباب. وبعد شوية سمعت صوت خبط جامد.”

 

سكتت.

 

“وبعدين سمعت بابا بينادي.”

 

حسيت إني مش قادر أتنفس.

 

“كان بينادي على مين؟”

 

“كان بيقول اسمك يا عمو طارق.”

 

عيني دمعت غصب عني.

 

أخويا كان بينادي عليا.

 

وأنا مكنتش هناك.

 

مي كملت:

 

“وبعدين ماما قالتلي لو حكيت لحد، هتخليني أروح مكان بعيد ومش هشوف لؤي تاني.”

 

ضمّيتها لحضني من غير ما أضغط عليها.

 

“خلاص يا مي. إنتِ مش مطالبة تحكي أي حاجة زيادة دلوقتي. إنتِ عملتي اللي تقدري عليه.”

 

لكن هي مسكت في قميصي وقالت:

 

“أنا مخبية حاجة يا عمو.”

 

بعدتها عني بالراحة عشان أبص في عينيها.

 

“إيه هي؟”

 

مدت إيدها الصغيرة لجيب الفستان، وطلعت قطعة معدنية صغيرة، شكلها شبه مفتاح قديم.

 

حطتها في كفي.

 

“ده كان مع بابا. أنا خدته قبل ما ماما تشوفه.”

 

بصيت للمفتاح.

 

كان مختلف عن المفتاح الأول.

 

أصغر، وعليه رقم محفور.

 

رقم سبعة.

 

في اللحظة دي، تليفوني رن.

 

كان الضابط.

 

رديت.

 

“أيوه.”

 

قال بصوت جاد:

 

“يا أستاذ طارق، إحنا وصلنا لمعلومة مهمة بخصوص ملف أخوك.”

 

“قول.”

 

“فيه مستندات اتقدمت بعد وفاته لإتمام نقل ملكية جزء من الأرض، لكن التوقيعات عليها محل شك. وإحنا محتاجين نراجع أصل المستندات.”

 

بصيت للمفتاح اللي في إيدي.

 

“أنا معايا أوراق ممكن تساعدكم.”

 

“ممتاز. هنحتاج نستلمها ونوثقها رسميًا.”

 

كنت على وشك أقفل، لكنه أضاف:

 

“وفيه حاجة تانية. السيدة ريهام اتواصلت مع محاميها، وبتقول إنها عايزة تقابل الطفلين.”

 

بصيت لمي.

 

كانت بتترعش وهي ماسكة طرف قميصي.

 

قلت للضابط:

 

“مفيش مقابلة تحصل من غير الإجراءات اللي تضمن سلامتهم.”

 

رد:

 

“ده اللي هيحصل.”

 

قفلت التليفون.

 

وبصيت للمفتاح مرة تانية.

 

رقم سبعة.

 

افتكرت إن مكتب إيهاب القديم كان فيه سبع أدراج صغيرة تحت المكتبة، لكن واحد منهم كان مجرد واجهة خشب، عمرنا ما عرفنا إذا كان وراه حاجة ولا لأ.

 

استأذنت من مي، وخليت الممرضة المسؤولة عنها معاها، واتصلت بالضابط وطلبت منه ييجي معايا للشقة القديمة.

 

لما وصلنا، رجعت للمكتب.

 

بدأت أفحص الأدراج واحد واحد.

 

الأول.

 

التاني.

 

التالت.

 

لحد ما وصلت للسابع.

 

كان شكله زي باقي الأدراج، لكن لما قربت منه، لاحظت إن الخشب حوالين المقبض مختلف شوية.

 

دخلت المفتاح.

 

لفّ بسهولة.

 

وسمعت صوت طقة خفيفة.

 

الواجهة اتحركت لقدام، وظهر وراها صندوق صغير مبطن بالقماش.

 

فتحته.

 

جواه كان فيه هاتف قديم، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ومظروف أبيض.

 

على المظروف مكتوب:

 

“لطارق وحده.”

 

فتحت الخطاب.

 

“يا طارق،

 

أنا عارف إنك لو وصلت للدرج ده، يبقى لقيت الملف الأزرق، وعرفت إن شكوكي مكنتش مجرد أوهام.

 

لكن لسه فيه حاجة أهم.

 

أنا اكتشفت إن بعض الأوراق اتصورت واتنقلت من مكتبي من غير علمي، وإن فيه محاولة للاستيلاء على جزء من أملاك العيلة عن طريق توكيل قديم كنت لغيت صلاحيته من فترة.

 

الموضوع مش فلوس وبس.

 

أنا كنت بحاول أعرف مين اللي بيحرك كل ده، ومين اللي بيستغل ثقتي.

 

اللي معاك دلوقتي ممكن يساعدك تفهم، لكن متاخدش أي قرار قبل ما تتأكد بنفسك.

 

أنا آسف إني مخبي عنك كل ده.

 

كنت فاكر إني لو حليت المشكلة لوحدي، هحميك وأحمي ولادي.

 

لكن يمكن أكبر غلطة عملتها إني فضلت ساكت.

 

لو رجعت لولادي، قولهم إني بحبهم.

 

ولو مرجعتش، متخليش حد يقنعهم إنهم لوحدهم.

 

إيهاب.”

 

فضلت واقف مكانى فترة طويلة.

 

الضابط استلم المستندات بعد ما سجلنا كل حاجة، وطلب فحص الهاتف والذاكرة الإلكترونية بمعرفة المختصين.

 

وأنا رجعت للمستشفى وأنا شايل إحساس تقيل.

 

مكنتش عايز أظلم حد، لكن مكنتش هسمح كمان إن الحقيقة تتدفن مع أخويا.

 

في اليوم التالي، بدأت مي تتحسن، ولؤي بقى أهدى شوية، رغم إن الألم كان لسه موجود.

 

جبتلهم هدوم جديدة، وألعاب بسيطة، وكتاب رسم لمي، وكورة صغيرة للؤي.

 

لما شاف الكورة، ابتسم لأول مرة ابتسامة كاملة.

 

“هتلعب معايا يا عمو؟”

 

“أول ما الدكتور يسمحلك، هتلعب معايا.”

 

“وهنروح النادي؟”

 

“هنروح النادي، ونروح المدرسة، ونعمل كل حاجة بتحبها.”

 

بصلي بتردد.

 

“حتى لو أنا مش شاطر في الكورة؟”

 

ضحكت.

 

“يا ابني أنا نفسي مش شاطر، هنكمل بعض.”

 

ضحك هو كمان.

 

كانت ضحكة صغيرة، لكنها بالنسبة لي كانت أول علامة إن الأطفال دول لسه جواهم مساحة للفرح، مهما كان اللي شافوه.

 

بعد يومين، الإجراءات الطبية استقرت، واترتبت إقامة الطفلين معايا بشكل مؤقت من خلال الجهات المختصة، لحد ما يتم الفصل في وضع الحضانة والرعاية.

 

استقبلتهم في بيتي.

 

جهزت لهم أوضتين، لكن مي أصرت تنام جنب لؤي أول ليلة.

 

لؤي كان محتاج يرفع رجله على مخدة، ومي كانت قاعدة على السرير بتراقب كل حركة منه.

 

دخلت عليهم قبل النوم.

 

“عايزين حاجة؟”

 

مي هزت راسها.

 

“ممكن الباب يفضل مفتوح؟”

 

“طبعًا.”

 

لؤي قال:

 

“ولو صحينا بالليل؟”

 

“هتلاقوني في الأوضة اللي جنبكم.”

 

سكت شوية، وبعدها سأل:

 

“هو البيت ده مفيهوش بدروم؟”

 

السؤال وجعني أكتر من أي حاجة سمعتها.

 

قعدت على طرف السرير.

 

“فيه مخزن صغير، بس مفيش حد هيحبسكم فيه، ولا حد هيمنع عنكم الأكل، ولا حد هيخوفكم عشان تسكتوا.”

 

مي قربت منه وحضنته.

 

“سمعت يا لؤي؟”

 

هز راسه.

 

لكن وأنا خارج، سمعت لؤي بيقولها:

 

“ماتنسيش المفتاح التاني.”

 

وقفت مكاني.

 

رجعت فتحت الباب.

 

“إيه المفتاح التاني يا لؤي؟”

 

بصلي، وبعدين بص لمي.

 

مي كانت بتبصله برجاء واضح، كأنها بتطلب منه ما يقولش.

 

أنا ماضغطتش عليهم.

 

قلت بهدوء:

 

“لما تكونوا مستعدين تحكوا، أنا موجود.”

 

وسبت الباب مفتوح زي ما طلبوا.

 

عدت أيام، وخلالها التحقيقات كانت ماشية.

 

الورق اللي اتلاقى في شقة إيهاب ساعد في كشف معاملات مالية غير واضحة، والتوكيل القديم اتراجع، واتضح إن استخدامه بعد إلغاء صلاحيته كان محل نزاع قانوني جاد.

 

أما ريهام، فكانت بتبعت رسائل عن طريق محاميها، مرة تقول إنها بتحب أولادها، ومرة تقول إن طارق أخدهم منها، ومرة تتهمني إني بحاول أستغل وفاة أخويا عشان أسيطر على الميراث.

 

أنا ماكنتش برد على أي رسالة.

 

كل اللي كنت عايزه إن التحقيق ياخد مجراه، وإن الطفلين يلاقوا فرصة يعيشوا من غير خوف.

 

لكن في مساء يوم الخميس، وأنا راجع من مكتبي، لقيت ظرف متساب قدام باب البيت.

 

مفيش اسم مرسل.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى