روايات وقصص

ابن اخويا حكايات صافي هاني

 

خلال الأسابيع اللي بعدها، ظهرت تفاصيل أكتر عن نزاع الملكية، واتضح إن جزءًا من الأوراق محتاج مراجعة قانونية وفنية، وإن فيه معاملات اتعملت من غير ما يكون واضح مين المسؤول عنها.

 

التحقيقات استمرت، وكل طرف اتسمع كلامه، ومفيش حد اتدان لمجرد الشك.

 

أما ريهام، فبدأت تواجه الأسئلة المتعلقة بمعاملة الطفلين، وبالإصابات اللي ظهرت في الكشف الطبي، وبالأقوال اللي قالوها للجهات المختصة.

 

وكان لازم كل ده يتاخد بجدية، لأن طفلين صغيرين ماينفعش يفضلوا عايشين في خوف، ولا ينفع حد يطلب منهم يسكتوا عشان سمعة العيلة.

 

وفي الوقت نفسه، كنت بجهز البيت عشان يبقى مناسب ليهم على المدى الطويل.

 

نقلت شغلي لوقت أبكر، وخليت مواعيدي مرنة، وبدأت أتعلم حاجات عمري ما تخيلت إني هحتاج أتعلمها.

 

إزاي أتعامل مع طفل بيصحى من النوم مفزوع.

 

إزاي أطمن بنت صغيرة لما تسمع صوت باب بيتقفل.

 

إزاي أشرح لطفل إن مش كل وعد من الكبار لازم يكون كدب.

 

وأهم حاجة، إزاي أسمع من غير ما أستجوب.

 

لؤي كان بيتحسن ببطء.

 

رجله بدأت تستجيب للعلاج، والدكتور سمحله يتحرك لمسافات قصيرة بمساعدة.

 

وفي أول يوم قدر يقف فيه من غير ما يعيط من الوجع، مي صفقتله كأنها بتشوف بطل خارق.

 

“برافو يا لؤي!”

 

ضحك وقال:

 

“استني بس لما أجري.”

 

قلتله:

 

“واحدة واحدة يا كابتن، إحنا مش في سباق.”

 

في اليوم نفسه، مي جتلي بورقة تانية.

 

كانت رسمة جديدة.

 

البيت، والشجرة اللي اتفقنا نزرعها، وثلاثة أشخاص قاعدين في الحديقة.

 

لكن المرة دي، مفيش حد واقف بعيد عن الشباك.

 

سألتها:

 

“إيه رأيك في الرسمة دي؟”

 

قالت:

 

“كلنا جوه البيت يا عمو.”

 

ابتسمت.

 

“أحلى رسمة.”

 

بعد شهر تقريبًا، صدر قرار باستمرار الرعاية المؤقتة للطفلين معايا، مع متابعة الجهات المختصة لحالتهم وترتيبات الرعاية المناسبة، لحد ما الإجراءات القانونية تكتمل.

 

ماكانش قرارًا بيحل كل حاجة، لكنه كان خطوة مهمة.

 

لؤي لما عرف، بصلي وقال:

 

“يعني هنفضل هنا؟”

 

قلتله:

 

“في الوقت الحالي، أيوه، والجهات المسؤولة هتتابع كل حاجة عشان مصلحتكم.”

 

مي جريت حضنتني.

 

“طب نزرع الشجرة النهارده؟”

 

ضحكت.

 

“النهارده.”

 

نزلنا الحديقة، وجبنا شتلة صغيرة، ولؤي قعد على كرسي جنبنا، وبدأ يوجهني وأنا بحفر.

 

“أعمق شوية يا عمو.”

 

مي قالت:

 

“لأ، كده هتغرق!”

 

فضلوا يتناقشوا، وأنا بضحك لأول مرة من قلبي من يوم وفاة إيهاب.

 

زرعنا الشجرة، وسقيناها، وحطينا جنبها حجر صغير كتبنا عليه اسم أبوهم.

 

مش عشان نفضل أسرى الحزن.

 

لكن عشان نفتكر إن الحب ممكن يفضل موجود حتى بعد ما صاحبه يمشي.

 

في المساء، وأنا بحطهم في السرير، لؤي ناداني.

 

“عمو طارق.”

 

“نعم يا حبيبي؟”

 

“هو بابا كان عارف إنك هتيجي؟”

 

قعدت جنبه.

 

“مش عارف إذا كان متأكد، لكنه كان واثق إنك لو احتجتني، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أوصلك.”

 

فكر شوية.

 

“طب لو أنا كبرت وبقيت أب، هعرف أحمي عيالي؟”

 

مسكت إيده.

 

“هتعرف، بس مش لازم تبقى كبير عشان تستحق الحماية. إنت طفل، ومن حقك تعيش طفولتك، ومش مطلوب منك تشيل مسؤولية أكبر من سنك.”

 

بصلي، وبعدها ابتسم.

 

“طب تصبح على خير يا عمو.”

 

“وإنت من أهله يا حبيبي.”

 

خرجت من الأوضة، وسيبت الباب موارب زي ما اتفقنا.

 

كنت فاكر إن القصة قربت من نهايتها.

 

لكن بعد أسبوع، الضابط اتصل بيا، وطلب مني أحضر لاستلام إفادة جديدة بعد مراجعة التسجيل الصوتي.

 

لما وصلت، قال إن الفحص الفني قدر يوضح بعض التفاصيل الإضافية في التسجيل، لكن هوية الشخص التاني لسه محتاجة تأكيد.

 

وبعدين سلمني صورة من رسالة قديمة كان إيهاب بعتها لنفسه على البريد الإلكتروني، قبل وفاته بيوم.

 

كان عنوان الرسالة:

 

“لو مقدرتش أتكلم.”

 

أما نصها، فكان:

 

“أنا مش خايف على نفسي قد ما أنا خايف على لؤي ومي.

 

اللي بيحصل مش مجرد خلاف على ورق.

 

فيه حد عارف إن وجود الأطفال في البيت بيديله فرصة يضغط عليا.

 

أنا لازم أنهي الموضوع ده، لكن لو حصل أي حاجة، فيه نسخة من كل المستندات عند شخص مش متوقع إنه يتدخل.”

 

قرأت السطر الأخير أكتر من مرة.

 

شخص مش متوقع إنه يتدخل.

 

مين الشخص ده؟

 

هل كان واحد من أصحاب إيهاب؟

 

ولا حد من العيلة؟

 

ولا شخص بعيد عن كل اللي شكينا فيهم؟

 

الضابط قال:

 

“إحنا بنراجع الرسائل والمستندات المتاحة، ومش هنستبعد أي احتمال قبل ما نفحصه.”

 

رجعت البيت، وأنا بفكر في الجملة.

 

في المساء، دخلت أوضة الأطفال، لقيت مي بتقلب في كتاب صور قديم كان بتاع أبوها.

 

وقفت عند صورة لوالدتها وهي شايلة لؤي وهو رضيع، وإيهاب واقف جنبهم.

 

مي سألتني:

 

“عمو، هو ينفع الواحد يحب حد ويخاف منه في نفس الوقت؟”

 

قعدت جنبها.

 

“ممكن الطفل يحس بمشاعر متلخبطة تجاه شخص قريب منه، خصوصًا لو الشخص ده كان بيعامله بطريقة تخوفه. لكن الحب مش معناه إننا نقبل الأذى، ومش معناه إننا نسكت عن حاجة غلط.”

 

هزت راسها.

 

وبعدين قالت:

 

“أنا ساعات بفتكر ماما وهي بتضحك معانا قبل ما بابا يموت. وساعات بخاف منها.”

 

ماحاولتش أغير إحساسها.

 

قلت لها:

 

“مش لازم تختاري إحساس واحد دلوقتي. إنتِ من حقك تفتكري الحلو، ومن حقك كمان تكوني زعلانة وخايفة من اللي حصل. ومع الوقت، ومع مساعدة الناس المختصة، هتفهمي مشاعرك أكتر.”

 

سندت راسها على كتفي.

 

“أنا عايزة أفتكر بابا وهو بيغنيلنا.”

 

ابتسمت.

 

“طب بكرة نحاول نفتكر الأغاني اللي كان بيغنيهالكم.”

 

وفي اليوم التالي، قعدنا أنا وهي ولؤي في الحديقة، وبدأت أحكيلهم عن إيهاب وهو صغير.

 

عن أول مرة وقع فيها من العجلة، وعن اليوم اللي أصر فيه يطبخ لنا وجبة كاملة وطلع الأكل مالح بطريقة مستحيلة، وعن إصراره إنه كان أحسن لاعب كورة في المدرسة رغم إنه كان دايمًا بيضيع ضربات الجزاء.

 

لؤي ضحك وقال:

 

“بابا كان بيضيع ضربات الجزاء؟”

 

قلتله:

 

“كان بيضيعها وبعدين يقول إن الأرض كانت ميلة.”

 

مي ضحكت لدرجة إنها وقعت على ضهرها في العشب.

 

للحظة، كان إيهاب موجودًا بيننا.

 

مش في صورة على حيطة البدروم.

 

ولا في ورقة داخل ملف.

 

كان موجودًا في ضحكة ولاده، وفي الحكايات اللي لسه فاكرينها، وفي الشجرة الصغيرة اللي بدأت تثبت جذورها في الأرض.

 

أما التحقيق، فاستمر لحد ما بدأت الصورة تتضح أكتر.

 

اتراجعت المستندات، واتسمعت أقوال الشهود، واتعملت الفحوص المطلوبة، وكل دليل اتقيم لوحده من غير استعجال.

 

وماكانش كل سؤال ليه إجابة فورية.

 

لكن كان فيه فرق كبير بين أول يوم شفت فيه لؤي على باب بيتي، وبين اليوم اللي بقى فيه يقدر يطلب الأكل من غير خوف، ومي تنام من غير ما تسأل إذا كان الباب هيتقفل عليها.

 

في إحدى الليالي، كنت براجع ورق الشغل، وسمعت خبط خفيف على باب المكتب.

 

كانت مي.

 

دخلت وهي ماسكة صورة أبوها.

 

“عمو، أنا عايزة أحط الصورة دي في أوضتي.”

 

“حطيها يا حبيبتي.”

 

“بس مش عايزاها تبقى قدام السرير.”

 

استغربت.

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“عشان لما أصحى، عايزة أبص للشباك الأول، وأشوف الشمس.”

 

قمت معاها، وعلقنا الصورة على الحيطة اللي جنب المكتبة، بعيد عن السرير، وقريب من الشباك.

 

لما خلصنا، وقفت تتأملها.

 

“كده حلو.”

 

“حلو أوي.”

 

قبل ما تخرج، لفت ناحيتي وقالت:

 

“عمو طارق، إنت هتفضل معانا حتى لما نكبر؟”

 

ابتسمت، ونزلت لمستواها.

 

“أنا هفضل عمكم طول العمر، لكن لما تكبروا، هتكونوا أقوى، وهتعرفوا تختاروا طريقكم، وهتلاقوا دايمًا مكان ترجعوا له لو احتجتوا.”

 

حضنتني، وبعدها جريت لأوضتها.

 

فضلت واقف قدام الشباك، ببص للشجرة اللي زرعناها.

 

افتكرت إيهاب، وافتكرت الخطاب اللي سابهولي.

 

“احمي لؤي ومي.”

 

في الأول، كنت فاكر إن الحماية معناها أبعد عنهم كل شخص ممكن يؤذيهم.

 

لكن مع الوقت فهمت إنها كمان معناها أديهم فرصة يتكلموا، وأسمعهم، وأخليهم يعرفوا إنهم مش مسؤولين عن أخطاء الكبار، وإنهم يستحقوا يعيشوا من غير خوف.

 

ومهما كانت الحقيقة اللي هتكشفها التحقيقات، ومهما كانت الأسماء اللي هتظهر في الأوراق، مفيش حاجة هتغير الحقيقة الأهم.

 

إيهاب كان أبوهم.

 

وأنا عمهم.

 

والطفلين دول مش أوراق في نزاع على أرض، ولا شهود في قضية، ولا وسيلة ضغط في خلاف بين الكبار.

 

دول طفلين فقدوا أبوهم، واتحرموا من إحساس الأمان، وكان لازم يرجع لهم حقهم في الحياة.

 

بعد شهور، في يوم هادي، لؤي وقف لوحده في الحديقة لأول مرة من غير مساعدة، وخد كام خطوة ببطء لحد ما وصل للشجرة.

 

مي كانت واقفة جنبه، بتشجعه.

 

“تعالى يا لؤي، إنت تقدر!”

 

وصل عندها، ورفع إيده يحتفل.

 

خرجت لهم، ولقيتهم بيضحكوا.

 

لؤي قال:

 

“عمو، أنا مشيت لوحدي!”

 

حضنته وأنا بضحك.

 

“أيوه يا بطل. خطوة ورا خطوة.”

 

مي مسكت إيده، وبصت للشجرة.

 

“بابا كان هيبقى مبسوط.”

 

رفعت عيني للسما.

 

“أكيد يا حبيبتي.”

 

وفي اللحظة دي، فهمت إن مش كل النهايات بتيجي لما كل الأسرار تتكشف، أو لما كل شخص يتحاسب.

 

فيه نهايات بتبدأ لما طفل يبطل يخاف من النوم.

 

ولما بنت صغيرة تعرف إن من حقها تقول الحقيقة.

 

ولما بيت كان مليان صمت، يرجع يتملأ بالضحك.

 

أما ملف إيهاب، ففضل محفوظًا مع الجهات المختصة لحد ما الإجراءات القانونية تاخد مجراها، من غير ما أسمح للغضب يسبق الحقيقة، ولا للشك يتحول لاتهام.

 

وكل ليلة، قبل ما أنام، كنت أعدي على أوضتهم.

 

ألاقي لؤي نايم، ومي حاضنة دبدوبها، والباب موارب.

 

كنت أقف لحظة، وأفتكر الليلة اللي وصلوا فيها لحد باب بيتي.

 

طفل رجله مكسورة، وبنت صغيرة حافية، واثنين بيطلبوا من عمهم مايرجعهمش للمكان اللي كانوا خايفين منه.

 

وأفتكر إني يومها قلت للؤي: “أنا مصدقك.”

 

يمكن كانت أبسط جملة قلتها في حياتي.

 

لكن بالنسبة لطفل اتعود إن محدش يسمعه، كانت بداية كل حاجة.

 

ومن يومها، بقيت أعرف إن القوة مش إن الناس تخاف منك، ولا إن اسمك يفتحلك أبواب مقفولة.

 

القوة الحقيقية إن طفل ضعيف يقدر يقف قدامك ويحكي، وهو متأكد إنك مش هتعاقبه على الحقيقة.

 

وإنك لما توعده بالأمان، تفضل موجود علشان تثبت إن وعدك مش مجرد كلام.

 

وده كان العهد اللي قطعته على نفسي قدام صورة أخويا:

 

لؤي ومي مش هيبقوا لوحدهم أبدًا.

 

ومهما طال الطريق لحد ما الحقيقة الكاملة تظهر، مش هسمح لحد يسلب منهم طفولتهم مرة تانية.

 

لأن إيهاب، أخويا وحبيبي، سابلي أمانة أغلى من كل الأراضي والفلوس اللي الناس اتخانقت عليها.

 

سابلي طفلين محتاجين عمهم.

 

وأنا المرة دي، مش هتأخر عنهم.

 

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى