
«بابا قال لي دي مفاجأة لماما، بس ما أقولش لحد.»
فضلت باصة للصورة.
دي كانت الصورة اللي تقصدها.
رفعت الموبايل وصورتها وبعتها للمحامي، وبعدها كبرت الصورة على الشاشة.
الرجل اللي واقف جنب أحمد كان لابس بدلة رسمية، وماسك ورقة ملفوفة في إيده.
وعلى باب الشقة، كان فيه رقم واضح.
نفس رقم الشقة المكتوب على البطاقة اللي أخدتها من حماتي.
لكن اللي شد انتباهي مش رقم الشقة.
كان اسم الشركة المكتوب على الملف الأزرق.
اسم شركة أنا شفته قبل كده.
قعدت أحاول أفتكر، لحد ما افتكرت إن أحمد كان بيستخدم الاسم ده في رسائل إلكترونية وصلته من شهور، وكان كل ما أسأله عنها يقول إنها مجرد شركة استشارات بتساعده في شغله.
فتحت الرسائل القديمة اللي كانت محفوظة على التابلت العائلي، وبدأت أدور على اسم الشركة.
لقيت رسائل كتير بين أحمد وعنوان إلكتروني تابع للشركة، لكن أغلبها كان محذوف المحتوى، أو مجرد إشعارات باجتماعات ومواعيد.
إلا رسالة واحدة.
كانت من حوالي شهرين، وعنوانها:
«مراجعة مستندات الملكية والتفويض.»
فتحتها، وبدأت أقرأ.
كان فيها تأكيد على موعد لمراجعة أوراق تخص عقارًا، وإشارة إلى وجود تفويض موقع من أحد الأطراف.
لكن الرسالة ما كانتش كفاية توضح طبيعة التفويض أو إذا كان قانونيًا أو تم استخدامه فعلًا.
أخدت لقطة شاشة، وبعتها للمحامي.
بعد دقائق، اتصل بيا وقال:
— سارة، محتاج منك حاجة مهمة. هل عندك أي مستندات تخص الحساب البنكي اللي ظهر في الصورة؟
قلت له:
— لأ، بس عندي كشوف قديمة كنت محتفظة بيها.
قال:
— ابعتيها لي، وما تعمليش أي تعديل في الرسائل أو الملفات. إحنا محتاجين نراجع كل حاجة بشكل مرتب.
بعد ما قفل، رجعت بصيت للصورة مرة تانية.
أحمد كان واقف قدام الشقة، مبتسم، ورافع إيده على كتف ليلى.
كانت صورة عائلية عادية، ممكن أي أب وأم يحتفظوا بيها لذكرى جميلة.
لكن ليه طلب من بنت عندها سبع سنين إنها تخبيها عني؟
وليه قال لها إنها مفاجأة ليا؟
وإيه علاقة الشركة اللي في الملف بكل اللي بيحصل؟
في اللحظة دي، رن الموبايل.
المرة دي كان رقم أحمد نفسه.
قلبي دق بقوة، لكني ما رديتش فورًا.
فضلت باصة للاسم، وافتكرت كل المكالمات اللي رفضها، وكل الرسائل اللي بعتها له وأنا قاعدة قدام باب العناية المركزة.
وبعدين رديت.
جالي صوته متوتر:
— سارة، إنتِ فين؟
ما صدقتش السؤال.
قلت ببرود:
— في المستشفى، جنب بنتك اللي إنت لسه ما سألتش عنها بجد.
اتنهد بضيق وقال:
— أنا عارف إنك زعلانة، بس إنتِ كمان لازم تفهمي إن اللي حصل مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.
ضحكت من غير فرحة.
— طب فهمني يا أحمد. بنتك دخلت العناية المركزة، وأنا اتصلت بيك واحد وخمسين مرة، وإنت رفضت ترد. إيه الطريقة اللي المفروض أتخيلها؟
سكت شوية، وبعدها قال:
— أنا كنت في مكان ما قدرتش أرد فيه.
قلت له:
— إنت بعتلي رسالة بتقول فيها إنك هتقفل موبايلك عشان أنا بخنقك بمشاكلي. كنت فين وقتها؟
ما ردش.
كملت:
— وإنت ليه قلت لبنتك تخبي عني علبة الفيتامينات؟ وليه فيه شقة بتقول لأمك إنها باسم ليلى وأنا ما أعرفش عنها حاجة؟ وليه فيه ورق عليه اسمي وشركة أنا ما تعاملتش معاها؟
الصمت اللي جه بعد كلامي كان طويل لدرجة إني افتكرت إنه قفل الخط.
لكن فجأة صوته اتغير.
— إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
السؤال وحده كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة هو مش عايزني أوصل لها.
قلت:
— جاوبني يا أحمد.
رد بعصبية:
— إنتِ فتشتي ورايا؟ إنتِ بتدوري في حاجات تخص شغلي من غير إذني؟
قلت له:
— أنا بدور على الحقيقة اللي تخص بنتي وبيتي واسمي. ولو إنت شايف إن ده غلط، يبقى عندك مشكلة أكبر من إني زعلانة منك.
قال:
— اسمعيني كويس يا سارة. إنتِ مش فاهمة حاجة، ومش كل حاجة تعرفيها هتكون في مصلحتك.
حسيت ببرودة في أطرافي.
— ده تهديد يا أحمد؟
رد بسرعة:
— أنا ما هددتكيش. أنا بحاول أحميكي من مشاكل إنتِ مش قدها.
قلت له:
— أنا مش محتاجة تحميني من الحقيقة. أنا محتاجة أعرف بنتي حصل لها إيه، وإنت كنت بتعمل إيه من ورايا.
سمعته بيتحرك في مكانه، وبعدها قال:
— أنا راجع مصر.
لأول مرة من ساعة ما سافر، ما حسيتش بالراحة وأنا بسمع إنه راجع.
سألته:
— إمتى؟
— خلال يوم أو يومين.
قلت:
— لما توصل، هتروح المستشفى وتشوف بنتك، وبعدها هنتكلم بحضور محامي.
صوته ارتفع:
— محامي؟ إنتِ بتتكلمي بجد؟ إنتِ عايزة تدخلي ناس غريبة بينا؟
قلت له:
— إنت اللي دخلت ناس غريبة بينا من زمان يا أحمد. أنا بس لسه بعرف.
قفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا ببص للشاشة.
ما حسيتش بالانتصار.
ولا حسيت إني أخيرًا قدرت أواجهه.
حسيت إني واقفة قدام باب كبير، وورا الباب ده حقيقة ممكن تغيّر حياتي كلها.
لكن المرة دي، ما كنتش ههرب منها.
بعد حوالي نص ساعة، اتصل المحامي وقال إنه راجع بعض البيانات الأولية، وإنه محتاج يشوف المستندات الأصلية قبل ما يقدر يؤكد أي شيء.
وقبل ما أقفل، سألني:
— أحمد عرف إنك بتراجعي الأوراق؟
قلت له:
— أيوه، وكلمته من شوية.
قال بجدية:
— طيب، خلي بالك من أي ضغط أو طلب توقيع على مستندات جديدة. وخلي كل التواصل المهم مكتوبًا أو موثقًا قدر الإمكان، من غير ما تدخلي في مواجهة لوحدك.
وافقت.
وبعدها دخلت أطمن على ليلى.
كانت صاحيه، وبتمسك دبدوبها الصغير اللي ريهام جابته من البيت.
أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
قعدت جنبها، وقلت لها:
— عاملة إيه يا حبيبتي؟
قالت:
— أحسن شوية يا ماما.
مسحت على شعرها، وبعدها سألتها بهدوء:
— يا لولو، فاكرة لما بابا قال لك تخبي الصورة عني؟
بصت لي بخوف.
— إنتِ زعلانة مني؟
حضنتها بحرص وقلت:
— لأ يا حبيبتي، عمري ما أزعل منك عشان حاجة بابا قالها لك. إنتِ مش مسؤولة عن أسرار الكبار، ومش مطلوب منك تخبي عني حاجة تخوفك أو تضايقك.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
— بابا قال لي إن البيت الجديد هيبقى لينا كلنا، وإننا هنروح هناك لما يرجع من السفر.
سألتها:
— هو قال لك ليه لازم تخبي الموضوع؟
ردت:
— قال لي عشان المفاجأة ما تبوظش.
وبعدين نزلت عينيها، وقالت:
— بس أنا سمعت بابا بيتكلم في التليفون، وكان بيقول إن ماما ما ينفعش تعرف قبل ما كل حاجة تخلص.
حسيت بقلبي بيتقبض.
سألتها:
— سمعتِ حاجة تانية يا حبيبتي؟
هزت راسها.
— مش فاكرة قوي. بس كان زعلان، وقال لحد إنه لو ماما عرفت، ممكن كل حاجة تضيع.
ما ضغطتش عليها أكتر.
كان واضح إنها تعبانة، ومش عايزة تحكي أكتر من كده.
بست راسها، وقلت لها:
— خلاص يا حبيبتي. مش لازم نفتكر أي حاجة دلوقتي. أهم حاجة إنك ترتاحي وتبقي كويسة.
لكن وأنا قاعدة جنبها، كنت عارفة إن أحمد كان بيخطط لحاجة من ورايا، وإنه كان خايف إني أعرف قبل ما يكملها.
ومع ذلك، ما كنتش عارفة إذا كانت الحكاية كلها مجرد خلافات مالية، أو محاولة لإخفاء ملكية عقار، أو فيه حاجة أكبر لسه ما ظهرتش.
كل اللي كنت أعرفه إن الحقيقة قربت.
وإن المرة دي، مش هسمح للخوف أو الحب القديم يعميني عنها.
في اليوم التالت، وصلتني رسالة من جوليانا فيها صورة أوضح للمستند اللي كانت شافته مع أحمد.
بعتها للمحامي فورًا.
بعد شوية، اتصل بيا وقال:
— سارة، فيه نقطة في الورقة دي محتاجة مراجعة عاجلة. ظاهر إن المستند متعلق بتفويض مالي، لكن الصورة وحدها ما تكفيش نحدد نطاقه أو إذا كان اتنفذ بالفعل.
سألته:
— يعني إيه؟
قال:
— يعني لازم نطلع نسخة رسمية ونتأكد من البنك والجهة المعنية. ما نقدرش نفترض إن فيه جريمة من مجرد صورة، لكن عندنا سبب كافي نراجع كل التوقيعات والمعاملات المرتبطة بيها.
قفلنا، وأنا رجعت بصيت للصورة.
كان اسمي ظاهرًا تحت خانة تخص أحد الأطراف.
لكن التوقيع اللي في آخر الصفحة، رغم إنه قريب من توقيعي، كان فيه اختلاف صغير في شكل حرف السين.
أنا متعودة أمضي اسمي بطريقة معينة، لأن توقيعي موجود على أوراق شغلي وحساباتي من سنين.
كبرت الصورة، وبصيت لها أكتر.
ممكن أكون أنا اللي مضيت فعلًا.
وممكن يكون التوقيع مش بتاعي.
ما كانش عندي دليل قاطع.
لكن الإحساس اللي جوايا كان بيقول إن لازم أراجع كل حاجة.
طلبت من ريهام تجيب لي ملف الأوراق القديمة من البيت، وبدأنا نقارن التوقيعات.
كان فيه توقيعي على عقد الإيجار، وعلى أوراق المدرسة، وعلى مستند بنكي قديم.
كلهم شبه بعض.
أما التوقيع الموجود في الصورة، فكان مختلفًا بدرجة بسيطة.
ريهام قالت:
— ما نستعجلش يا سارة. خلي المحامي هو اللي يراجع.
قلت لها:
— أنا مش هتهمه بحاجة قبل ما أتأكد. بس لو حد استخدم اسمي في حاجة من غير إذني، لازم أعرف.
في نفس المساء، جالي اتصال من رقم أرضي.
رديت، فسمعت صوت موظف بيقول إنه بيتواصل معايا بخصوص مراجعة بيانات مرتبطة بعقار.
طلبت منه يوضح لي الموضوع، لكنه قال إنه ما يقدرش يفصح عن تفاصيل على التليفون، وإن الأفضل أراجع الجهة المختصة بنفسي ومعايا إثبات الشخصية.
بعد المكالمة، بعت رقم الهاتف للمحامي.
ولأول مرة، حسيت إن الموضوع خرج من نطاق الشكوك الشخصية، وبقى محتاج مراجعة قانونية حقيقية.
في اليوم الرابع، أحمد وصل مصر.
عرفت من رسالة قصيرة بعتها لي:
«أنا وصلت. عايز أشوف ليلى وأتكلم معاكي.»
ما رديتش فورًا.
اتصلت بالمستشفى، واتأكدت إن حالتها تسمح بزيارة قصيرة، وبعدها قلت له ييجي في ميعاد الزيارة المحدد، وإننا هنتكلم بعد ما يطمن عليها.
وصل بعد العصر.
كان لابس قميص أبيض وبنطلون غامق، وشكله مرهق، لكن أول ما شافني حاول يتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
قال:
— سارة، إنتِ عاملة إيه؟
ما رديتش على السؤال.
قلت له:
— ليلى مستنياك.
دخل عندها، وأنا فضلت بره.
سمعته بيكلمها بصوت حنين:
— يا لولو، وحشتيني أوي يا حبيبتي.
وسمعت ليلى تسأله:
— إنت ليه ما رديتش على ماما؟
الصمت اللي جه بعدها كان تقيل.
أحمد قال:
— أنا كنت بعيد يا حبيبتي، وما كنتش عارف إنك تعبانة بالشكل ده.
ليلى ردت بصوت ضعيف:
— ماما قالت لك.
ما سمعتش بقية الكلام، لأني بعدت عن الباب.
ما كنتش عايزة أراقب كل كلمة بيقولها لبنته.
كنت عايزة أديها فرصة تشوف أبوها، حتى لو أنا ما بقيتش قادرة أشوفه بنفس الطريقة.
بعد دقائق، خرج أحمد.
كان وشه متغير، وعينيه حمرا.
قال لي:
— أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا.
قلت:
— المحامي هيكون موجود.
اتعصب فورًا.
— هو إنتِ بجد وصلتي للمرحلة دي؟ أنا جوزك يا سارة!
بصيت له بهدوء.
— كنت جوزي لما اتصلت بيك واحد وخمسين مرة وبنتك في العناية المركزة. وكنت أبوها لما بعتلك صورتها وهي بين الحياة والموت. إنت اللي اخترت تتصرف كأننا مش موجودين.
نزل عينيه لحظة، وبعدها قال:
— أنا غلطت إني ما رديتش. وأنا معترف بده. بس إنتِ كمان لازم تفهمي إن علاقتنا كانت فيها مشاكل كتير، وأنا كنت محتاج أرتاح.
قلت له:
— مشاكلنا ما تديكش الحق تتجاهل بنتك.
رد:
— أنا ما كنتش أعرف إنها وصلت للحالة دي.
قلت له:
— أنا بعتلك صورها ورسائلي كلها بتقول إنها في العناية المركزة. إنت كنت تعرف، لكنك اخترت ما تردش.
سكت.
وبعدين قال:
— طيب، أنا آسف.
بصيت له، وكنت مستنية أحس بأي حاجة.
غضب، راحة، حتى شماتة.
لكن ما حسيتش غير بالتعب.
قلت له:
— اعتذارك مش هيغير اللي حصل. وأنا مش هقرر مستقبلنا وإنت لسه مخبي عني حاجات.
وشه اتغير.
— تقصدي إيه؟
قلت:
— الشقة اللي باسم ليلى. التفويض المالي. الشركة اللي كنت بتتعامل معاها. والأوراق اللي عليها اسمي.
بص لي فترة طويلة، وبعدها قال:
— إنتِ مش فاهمة الموضوع.
قلت:
— يبقى اشرحه.
قرب خطوة وقال بصوت منخفض:
— فيه أمور مالية تخص شغلي، ولو دخلتي نفسك فيها، ممكن تتسببي في مشاكل لينا كلنا.
قلت:
— أنا مش هتسبب في مشاكل لحد. أنا بطلب أعرف إذا كان فيه حاجة باسمي اتعملت من غير موافقتي.
رد بعصبية:
— إنتِ بتشكّي فيا؟
قلت:
— أيوه، لأنك طلبت من بنتنا تخبي عني حاجات، ولأنك ما كنتش صريح معايا، ولأن كل ما أسألك عن حاجة بترد عليا إني مش فاهمة.
حاول يهدى، وقال:
— اسمعيني، أنا كنت بحاول أأمن مستقبل ليلى. الشقة دي فعلًا عشانها، وأنا كنت مجهز لها مفاجأة.
قلت:
— طيب، ليه ما قلتليش؟
رد:
— كنت عايز أخلص الإجراءات الأول.
سألته:
— وإيه علاقة التفويض المالي بالشقة؟
ما ردش.
كررت السؤال.
— أحمد، إيه علاقة التفويض المالي بالشقة؟
رفع عينيه ليا وقال:
— مش كل حاجة ينفع تتقال دلوقتي.
في اللحظة دي، عرفت إن الكلام معاه مش هيجيب نتيجة.
قلت:
— لما تبقى مستعد تتكلم بوضوح، المحامي هيكون موجود. لحد الوقت ده، مفيش أي توقيع جديد، ومفيش أي تصرف في أي ورق يخصني أو يخص ليلى من غير ما أعرف.
بص لي بغضب.
— إنتِ بتتعاملي معايا كأني حرامي!
قلت له:
— أنا بتعامل معاك كشخص لازم يوضح الحقيقة بعد ما الثقة بينا اتكسرت.
لف ومشي، لكن قبل ما يخرج من باب المستشفى، رجع بص لي وقال:
— إنتِ مش عارفة إنتِ بتفتحي على نفسك إيه يا سارة.
المرة دي، ما خفتش من كلامه.
قلت له:
— أنا مش بفتح على نفسي حاجة. أنا بحاول أقفل باب الأسرار اللي إنت فتحته.
وخرج.
بعد ما أحمد مشي، رجعت عند ليلى.
كانت نايمة، وملامحها أهدى من الأيام اللي فاتت.
قعدت جنبها، وفضلت أبص لها وأنا بفكر في كل اللي حصل.
أنا ما كنتش عايزة بنتي تكبر في بيت فيه مشاكل وخلافات.
وما كنتش عايزة أحول أبوها لعدو في عينها.
لكن في نفس الوقت، ما كنتش هقدر أرجع أعيش مع شخص مش عارفة إذا كان بيقول لي الحقيقة ولا لأ.
كان لازم أفصل بين حقي في معرفة الحقيقة، وبين حق بنتي إنها تحب أبوها من غير ما أحملها مسؤولية خلافات الكبار.
بعد يومين، الدكتور قال إن حالة ليلى اتحسنت بدرجة تسمح ببدء الاستعداد للخروج، لكن لازم نلتزم بتعليمات المتابعة والعلاج، ونرجع فورًا لو ظهرت أي أعراض مقلقة.
الحمد لله.
أخيرًا قدرت أتنفس من غير ما أحس إن كل نفس ممكن يكون الأخير.
خرجت ليلى من المستشفى، ورجعت البيت معايا ومع ريهام.
أول ما دخلت أوضتها، بصت على ألعابها، وبعدها سألتني:
— ماما، بابا هييجي يعيش معانا تاني؟
السؤال وجعني، لكني قعدت جنبها وقلت:
— يا حبيبتي، أنا وبابا عندنا حاجات لازم نتكلم فيها ونحلها. لكن إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة، ومهما حصل هتفضلي بنتنا اللي بنحبها.
سألتني:
— يعني هيفضل بابا؟
حضنتها وقلت:
— طبعًا هيفضل بابا. ومش مطلوب منك تختاري بيني وبينه.
فضلت في حضني شوية، وبعدها قامت تجيب دبدوبها وتلعب.
أما أنا، فقعدت في الصالة وفتحت ملف الأوراق اللي جهزه المحامي.
كان فيه موعد لمراجعة المستندات الرسمية، وطلب استخراج صور معتمدة من الأوراق المرتبطة بالشقة والتفويض المالي.
كنت مستعدة أعرف الحقيقة، مهما كانت.
لكن قبل ما أقدر أروح للموعد، وصلني اتصال من حماتي نوال.
كانت بتعيط.
قالت:
— سارة، أحمد جه عندي من شوية، وكان بيدور على المفتاح اللي عندي.
سألتها:
— وإنتِ عملتي إيه؟
قالت:
— قلت له إن المفتاح معاكي، وإنك بتراجعي موضوع الشقة مع المحامي. اتعصب جدًا، وقال لي إني دخلت نفسي في حاجة ما تخصنيش.
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
— وبعدين قال لي كلام خلاني أخاف. قال إن لو الأوراق اتكشفت، مش هو بس اللي هيتضرر.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— قصدُه إيه؟
ردت:
— ما قالش. لكنه طلب مني أحلف إني ما احتفظتش بأي ورق تاني يخص الشقة.
سألتها:
— وإنتِ عندك ورق تاني؟
سكتت.
وبعدها قالت بصوت واطي:
— أيوه يا سارة. فيه ظرف أحمد سابه عندي من شهور، وقال لي ما افتحهوش إلا لو حصل له حاجة.
حسيت ببرودة في جسمي.
— ظرف فيه إيه؟
قالت:
— مش عارفة. أنا ما فتحتهوش، بس بعد اللي حصل، بقيت خايفة يكون له علاقة بالموضوع.
طلبت منها ما تفتحش الظرف وما تسلمهوش لأي حد، وقلت لها إني هاجي لها مع المحامي في أقرب وقت.
قفلت المكالمة، وبصيت ناحية أوضة ليلى.
كانت بتضحك وهي بتكلم دبدوبها، وكأن الدنيا كلها رجعت طبيعية.
لكن أنا كنت عارفة إن لسه فيه حقيقة مستخبية.
حقيقة ممكن تكون متعلقة بالشقة، أو بالفلوس، أو بالتفويض اللي عليه اسمي.
والظرف اللي حماتي احتفظت بيه شهور، يمكن يكون أول دليل واضح على اللي أحمد كان بيخطط له.
في اليوم التالي، رحت أنا والمحامي لبيت نوال.
جابت الظرف البني من درج مقفول، وحطته على الترابيزة قدامنا.
كان مكتوب عليه بخط أحمد:
«يتفتح عند الضرورة فقط.»
المحامي طلب منها تشرح لنا إمتى استلمته، وهل سبق لها فتحه أو تغيير محتوياته.
أكدت إنها ما فتحتهوش، وإنه كان عندها من شهور.
بعدها، وبحضورنا، فتحت الظرف.
كان جواه مجموعة مستندات، وصورة عقد، وخطاب مكتوب بخط أحمد.
بدأ المحامي يراجع الأوراق، وطلب مني أستنى لحد ما يخلص.
كل دقيقة كانت بتمر عليا كأنها ساعة.
وأخيرًا، رفع عينيه وقال:
— مدام سارة، فيه حاجة هنا محتاجة مراجعة قانونية دقيقة. لكن الخطاب ده تحديدًا ممكن يوضح لنا ليه أحمد كان مصر إنك ما تعرفيش أي حاجة عن الشقة.
مد إيده بالخطاب وناولهولي.
مسكته، وبدأت أقرأ.
«أمي العزيزة،
لو وصلتي للخطاب ده، يبقى غالبًا حصلت مشكلة، أو إن سارة بدأت تسأل عن الأوراق اللي كنت بحاول أخلصها.
أنا عارف إن اللي عملته ممكن يبان غلط، وعارف إني كان لازم أتكلم معاها من البداية، لكن كان عندي أسباب خلتني أأجل الكلام.
الشقة اللي قلت لك إنها لليلى، مش هي كل الحكاية.
فيه مبلغ مالي كبير مرتبط بالعقار، والمبلغ ده مش كله من فلوسي.
فيه جزء منه مرتبط بشراكة قديمة، وفيه التزامات كنت بحاول أرتبها قبل ما الموضوع يوصل لسارة.
أنا كنت ناوي أخلص كل حاجة، وبعدها أقول لها إن الشقة هتبقى باسم ليلى، وإن مستقبلها مضمون.
لكن لو الأوراق دي ظهرت قبل ما أخلص، ممكن سارة تفتكر إني كنت بخدعها، وممكن الحقيقة تبقى أصعب من كده.»
وقفت عن القراءة.
بصيت للمحامي، وبعدين رجعت للخطاب.
كان فيه صفحات تانية.
كملت.
«أنا طلبت من سارة تمضي على أوراق معينة، وقلت لها إنها إجراءات روتينية، لكن فيه تفاصيل ما شرحتهاش لها.
أنا مش عارف إذا كان اللي عملته هيتفهم بعدين ولا لأ، لكني كنت بحاول أحمي عيلتي من خسارة أكبر.
لو حصل أي خلاف، أتمنى محدش يتسرع في اتهامي قبل ما يعرف باقي التفاصيل.»
خلصت قراءة الخطاب، وإيدي كانت بتترعش.




