روايات وقصص

الساعه اتنين بالليل حكايات صافي هاني

الخطاب ما كانش اعترافًا واضحًا بجريمة، ولا كان دليلًا كافيًا على إن أحمد ارتكب مخالفة.

لكنه أكد حاجة واحدة.

أحمد أخفى عني تفاصيل مهمة، وطلب مني أمضي على أوراق من غير ما يشرح لي طبيعتها بالكامل.

المحامي جمع المستندات، وقال:

— لازم نراجع العقد والتفويض ومصدر المبلغ، ونتأكد من الملكية الفعلية للشقة. الخطاب ده مهم، لكنه مش كفاية لوحده للحكم على كل اللي حصل.

سألته:

— يعني لسه ما نعرفش إذا كان أحمد خدعني؟

رد:

— نعرف إنه ما كانش واضح معاكي في تفاصيل جوهرية، وده واضح من كلامه. أما المسؤولية القانونية، فلازم تتحدد بناءً على المستندات والوقائع.

خرجنا من بيت نوال، وأنا حاسة إن الحقيقة قربت، لكن لسه ناقصها الجزء الأهم.

مين صاحب المبلغ المالي؟

وليه أحمد كان بيحاول يخلص كل الإجراءات قبل ما أعرف؟

بعد أيام من المراجعات، قدر المحامي يحصل على بيانات رسمية تخص العقار، وبدأ يتأكد من تسلسل الملكية والتفويضات المرتبطة بيه.

وفي الوقت نفسه، الفريق الطبي في المستشفى كان بيتابع حالة ليلى، وبدأت تستعيد نشاطها تدريجيًا، مع استمرار الفحوصات لمعرفة السبب الدقيق للأزمة اللي تعرضت لها.

أما موضوع العلبة اللي أحمد جابهالها، فكان لسه تحت المراجعة الطبية، وما كانش فيه دليل نهائي يربطها بالأزمة.

كنت كل يوم أصحى بدري، أجهز فطار ليلى، وأديها العلاج الموصوف من الدكتور، وأتابع مواعيدها، وبعدها أخصص وقت للأوراق والمكالمات القانونية.

حياتي اتقسمت نصين.

نص بحاول فيه أرجع بنتي لحياتها الطبيعية.

ونص تاني بحاول أفهم فيه إزاي حياتي اتغيرت في أيام قليلة بالشكل ده.

وفي يوم، اتصل بيا المحامي وقال إنه محتاج يقابلني فورًا.

رحت مكتبه، ولقيته حاطط قدامه ملف كبير.

قال:

— يا سارة، راجعنا جزء مهم من المستندات، وظهر إن فيه اختلاف بين اللي أحمد قاله عن الشقة وبين الوضع المسجل في الأوراق.

سألته:

— يعني الشقة مش باسم ليلى؟

رد:

— لحد اللحظة دي، ما عندناش ما يثبت إنها اتسجلت باسم ليلى بالشكل اللي أحمد وصفه. فيه مستندات بتشير إلى اتفاق على نقل الملكية، لكن إجراءات النقل مش واضحة إنها اكتملت. لازم نراجع الجهة المختصة ونطلع صورة رسمية حديثة.

حسيت بوجع، لكني ما اتكلمتش.

كمل:

— وفيه نقطة تانية. التفويض اللي ظهر في الصور مرتبط بمعاملة مالية تخص العقار، ولازم نعرف إذا كان التوقيع الموجود عليه صادر منك فعلًا أو لأ.

سألته:

— نقدر نعرف إزاي؟

قال:

— عن طريق مراجعة أصل المستند، ومقارنة التوقيع بمستندات موثقة، ولو لزم الأمر، يتعمل فحص فني متخصص.

هزيت راسي.

كنت مستعدة أعمل كل ده.

مش عشان أنتقم من أحمد.

لكن عشان أعرف إذا كان اسمي اتستخدم في حاجة ما وافقتش عليها.

وقبل ما أخرج من المكتب، المحامي سألني:

— هل أحمد حاول يتواصل معاكي تاني؟

قلت:

— بعت لي رسالتين، بيقول إنه عايزنا نرجع نتكلم من غير محامين، وإنه مستعد يشرح كل حاجة.

رد:

— من حقك تسمعي كلامه لو حبيتي، لكن الأفضل إن أي نقاش متعلق بالأوراق يبقى موثقًا، وما تمضيش على أي مستند قبل ما يتراجع.

خرجت من المكتب، وقررت إني هقابله.

مش في البيت.

ولا في مكان ممكن يضغط عليا فيه.

هقابله في مكتب المحامي، وأسمع منه كل حاجة.

وصل أحمد في الموعد المحدد.

كان شكله مرهق، ولأول مرة ما حاولش يبدأ الكلام باتهامي إني بشك فيه.

قعد قدامي، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال:

— أنا عارف إنك فقدتي ثقتك فيا.

ما رديتش.

كمل:

— وأنا عارف إن اللي حصل مع ليلى ما يتغفرش بسهولة. أنا غلطت لما ما رديتش على مكالماتك، ومهما حاولت أبرر، مفيش مبرر يخلي الأب يتجاهل بنته وهي في المستشفى.

بصيت له، وقلت:

— كويس إنك عارف.

نزل عينيه.

— بس فيه حاجات تانية لازم تفهميها.

قلت:

— أنا جاية أسمعك. اتكلم.

أخد نفس طويل وقال:

— من فترة، دخلت في شراكة مالية مع واحد أعرفه من الشغل. كنت فاكر إن الموضوع مضمون، وإن الأرباح هتساعدني أخلص أقساط الشقة وأأمن مستقبل ليلى.

سألته:

— وده له علاقة بالتفويض اللي عليه اسمي؟

هز راسه.

— أيوه. لما الأمور بدأت تتعقد، حاولت أعيد ترتيب الحسابات والالتزامات. وكنت محتاج أخلص إجراءات معينة بسرعة.

قلت:

— فقررت تستخدم اسمي من غير ما تشرح لي؟

قال:

— أنا ما كنتش ناوي أضرك.

رديت عليه:

— أنا ما سألتكش كنت ناوي تضرني ولا لأ. أنا بسألك إذا كنت شرحت لي طبيعة الأوراق قبل ما أوقع عليها.

سكت طويلًا، وبعدها قال:

— لأ.

كانت أول إجابة واضحة منه من أيام.

قلت:

— وليه ما قلتليش؟

رد:

— كنت خايف ترفضي، وكنت فاكر إني هحل المشكلة قبل ما تعرفي.

سألته:

— وإيه اللي حصل في الشراكة؟

قال إن الشريك دخل في التزامات مالية أكبر من قدرته، وإن جزءًا من الأموال اتصرف في معاملات ما كانتش محسوبة، وإنه حاول يغطي الخسائر من خلال ترتيب جديد للعقار.

ما كانش كلامه كافي يثبت كل التفاصيل، لكن المحامي كان بيسجل النقاط اللي محتاجة مستندات.

قلت لأحمد:

— طيب، ليه قلت لأمك إن الشقة باسم ليلى، مع إن الأوراق لسه ما اكتملتش؟

رد:

— كنت ناوي أنقلها باسمها بعد ما أخلص الالتزامات.

قلت:

— يعني كنت بتوعد بنتك بحاجة لسه ما تملكهاش؟

وشه اتغير.

— كنت عايز أفرحها.

قلت:

— وكان ممكن تفرحها من غير ما تطلب منها تخبي عني، ومن غير ما تخليني أمضي على أوراق ما أعرفش طبيعتها.

فضل ساكت.

وبعدين سألته عن العلبة اللي جابها لليلى، وليه طلب منها ما تقوليش.

قال إنه اشتراها بناءً على نصيحة من شخص يعرفه، وإنه ما كانش يقصد يضرها، وإنه كان فاكر إنها مناسبة للأطفال.

قلت له:

— طيب، ليه تخليها تخبي عني؟

رد:

— كنت عارف إنك هترفضي أي حاجة مش جاية من الدكتور، وكنت عايز أجربها الأول.

الكلام ده خلاني أفتكر كل اللحظات اللي كنت بحاول فيها أقنع نفسي إنه أب حريص، وإنه مستحيل يتصرف في حاجة تخص ليلى من غير ما يفكر.

قلت له:

— بنتك مش تجربة يا أحمد. صحتها مش مكان تختبر فيه نصايح الناس. لو كنت شايف إنها محتاجة أي حاجة، كان المفروض تسأل الدكتور وتقول لي.

هز راسه، ودموعه بدأت تظهر في عينيه.

— أنا عارف.

قلت:

— لأ، إنت لسه مش عارف حجم اللي عملته. لأنك لحد دلوقتي بتتكلم عن نيتك، وعن إنك كنت عايز تعمل مفاجأة، وعن إنك كنت خايف. لكنك ما اتكلمتش عن إني كنت قاعدة قدام العناية المركزة لوحدي، وبنتنا بتصارع عشان تتحسن، وإنت كنت بتقفل موبايلك.

غطى وشه بإيده.

— أنا مش هقدر أغير اللي حصل.

قلت:

— صح. مش هتقدر. لكن تقدر تتحمل مسؤولية تصرفاتك، وتجاوب على كل الأسئلة، وتسيب القانون يحدد أي حقوق أو التزامات.

رفع عينيه ليا وقال:

— وإنتِ؟ هتسامحيني؟

فضلت باصة له شوية.

كان ده سؤال كنت هجاوبه زمان من غير ما أفكر.

كنت هقول له إني بحبه، وإننا هنعدي أي مشكلة، وإن البيت لازم يفضل مفتوح عشان بنتنا.

لكن بعد اللي حصل، فهمت إن المسامحة مش معناها إن الحياة ترجع زي ما كانت، وإن الاعتذار مش بيمسح آثار القرارات.

قلت له:

— مش عارفة يا أحمد. دلوقتي أنا محتاجة أحمي نفسي وبنتي، وأعرف الحقيقة كاملة. وبعدها هقرر إذا كان فيه أي طريق ممكن نمشيه من جديد.

هز راسه، وقام من مكانه.

وقبل ما يخرج، قال:

— أنا هتعاون في مراجعة كل الأوراق.

قلت له:

— ده حقك وواجبك، مش فضل منك.

خرج، وأنا فضلت قاعدة في المكتب.

ما كنتش فرحانة.

لكن كنت حاسة إني أخيرًا بدأت أستعيد صوتي.

مرت أسابيع.

ليلى رجعت المدرسة بالتدريج بعد ما الأطباء سمحوا لها، وبقيت باهتم بأكلها ونومها ومواعيد متابعتها، من غير ما أحسسها إنها مريضة أو إنها السبب في أي مشكلة بيني وبين أبوها.

كانت بتسأل عنه أحيانًا، وأنا ما كنتش بمنعها من الكلام معاه، لكني كنت حريصة إن أي تواصل يحصل بطريقة مناسبة، ومن غير وعود مش مضمونة أو ضغط عليها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى