
أما أنا وأحمد، فبدأنا إجراءات الانفصال، لأن الثقة اللي بينا اتكسرت بشكل ما قدرتش أتجاوزه بمجرد الاعتذار.
المحامي تابع مراجعة الأوراق، وبدأت الجهات المختصة تفحص المستندات المتعلقة بالتفويض والمعاملات المالية، من غير ما أستبق النتائج أو أتهم حد قبل ما تظهر الحقيقة كاملة.
وفي يوم، وصلتني مكالمة من المحامي.
قال إن فيه تطور مهم.
رحت له، ولقيته حاطط قدامه مستند رسمي جديد.
قال:
— نتيجة المراجعة وضحت إن إجراءات نقل ملكية الشقة ما اكتملتش، وإن المستند اللي اتقدم بخصوص التفويض محتاج استكمال فحص التوقيع عليه. كمان فيه اختلافات في البيانات المالية اللي أحمد قدمها عن مصدر المبلغ.
سألته:
— يعني إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
قال:
— هنكمل الإجراءات الرسمية، ونطلب مراجعة المعاملات المرتبطة بالتفويض، ولو ثبت إن فيه استخدام لتوقيعك من غير موافقتك، هتتحدد الخطوات القانونية المناسبة بناءً على النتيجة.
حسيت براحة حذرة.
مش لأن أحمد اتورط في مشكلة، لكن لأن الموضوع أخيرًا بقى بيتراجع على أساس مستندات، مش كلام متضارب.
وقبل ما أمشي، المحامي سلمني نسخة من ورقة كانت ضمن المستندات.
كانت رسالة قصيرة من أحمد لشريكه، بيقول فيها إنه محتاج يخلص إجراءات العقار قبل ما يرجع من السفر، وإنه مش عايز سارة تعرف بتفاصيل الالتزامات المالية إلا بعد ما الأمور تستقر.
ما كانش ده دليلًا نهائيًا على كل شيء، لكنه أكد إنه كان بيخطط لإخفاء التفاصيل عني.
خرجت من المكتب، وروحت البيت.
ليلى كانت قاعدة على الأرض بترسم، وأول ما شافتني رفعت الرسمة وقالت:
— ماما، بصي! دي رسمة بيتنا.
قعدت جنبها.
كانت راسمة بيت صغير، وشجرة، وشمس كبيرة، وواقفة قدام البيت هي وأنا.
ما كانش فيه أحمد في الرسمة.
سألتها:
— وبابا فين يا لولو؟
بصت للرسمة، وبعدها قالت:
— رسمته في ورقة تانية. هو مش عايش معانا دلوقتي، بس هو لسه بابا.
حضنتها وقلت:
— عندك حق يا حبيبتي. مش لازم نرسم كل الناس في نفس الورقة عشان يفضلوا جزء من حياتنا.
ابتسمت، ورجعت تكمل رسمها.
وأنا فضلت أبص لها، وأحمد بكل الأسرار اللي اكتشفتها بقى جزءًا من الماضي اللي لازم أتعامل معاه، مش من المستقبل اللي لازم أعيش فيه.
بعد حوالي شهر، وصل تقرير الفحص الفني الخاص بالتوقيع.
المحامي اتصل بيا، وطلب مني أروح له.
قعدت قدامه، وكنت متوترة.
قال:
— التقرير ما حسمش كل جوانب المعاملة، لكنه أشار إلى اختلافات تستدعي استكمال التحقيق في مصدر التوقيع وظروف تقديم المستند. بناءً عليه، هنقدم طلبات إضافية للحصول على النسخ الأصلية وسجلات الإجراءات.
سألته:
— يعني ممكن نعرف الحقيقة كاملة؟
رد:
— أيوه، لكن لازم نصبر لحد ما الإجراءات تكتمل.
هزيت راسي.
كنت زمان عايزة كل حاجة تتحل في يوم واحد، وأعرف مين غلطان ومين مظلوم، وأرجع حياتي زي ما كانت.
لكن دلوقتي بقيت فاهمة إن الحقيقة ساعات بتظهر على مراحل، وإن التسرع ممكن يخليني أظلم نفسي أو غيري.
في المساء، أحمد اتصل بيا.
قال إنه عايز يشوف ليلى، وإنه مستعد يلتزم بالمواعيد المتفق عليها.
وافقت على الزيارة في وجودي، وطلبت منه يركز على علاقته ببنته، بعيدًا عن الخلافات المالية والقانونية.
لما جه، ليلى جريت عليه وحضنته.
هو شالها، وباس راسها، وفضل يسألها عن المدرسة وصحابها ورسوماتها.
كنت واقفة بعيد، بتفرج عليهم.
ما حسيتش بالغيرة.
ولا حسيت إن وجوده معاها معناه إني لازم أرجع له.
كنت عارفة إن ليلى محتاجة علاقتها بأبوها تفضل مستقرة قدر الإمكان، وإن مسؤوليتي إني أحميها من الخلافات، مش إني أستخدمها عشان أعاقبه.
بعد ما ليلى دخلت أوضتها تجيب كراسة الرسم، أحمد قرب مني وقال:
— أنا عارف إني خسرت ثقتك، ومش هطلب منك ترجعي زي الأول.
بصيت له وقلت:
— كويس، لأن الثقة مش بترجع بالكلام. ولو رجعت في يوم، هترجع بالأفعال، وبالصدق، وبإنك تتحمل مسؤوليتك حتى لما يكون الاعتراف بالغلط صعب.
هز راسه.
وبعدين قال:
— أنا بدأت أراجع كل تعاملاتي المالية، وهتعاون مع المحامي في كل المطلوب.
قلت:
— ده شيء كويس. كمل، وخلي الحقيقة تظهر.
ما وعدتوش إني هسامحه.
وما قلتلوش إني مستحيل أسامحه.
لأن القرار ده ما كانش لازم يتاخد تحت ضغط الندم أو الخوف من الوحدة.
كان لازم يتاخد بعد ما أشوف الحقيقة كاملة، وأفهم إذا كان فيه أي أساس ممكن أبني عليه حياة جديدة.
عدت شهور، وخلال الفترة دي، استمرت الإجراءات القانونية المتعلقة بالعقار والتفويض المالي، وبدأت الصورة تتضح تدريجيًا.
اتضح إن الشقة كانت جزءًا من ترتيب مالي معقد، وإن أحمد حاول ينقل ملكيتها بعد ما دخل في التزامات ما قدرش يسددها بالشكل اللي كان متوقعه.
أما التوقيع، فاستكملت الجهات المختصة فحصه ومراجعة المستندات المرتبطة بيه، واتحدد مسار التعامل مع أي مخالفة وفقًا لما تثبته الأوراق.
ما كانش فيه حل سحري، ولا ثروة ظهرت فجأة، ولا حد جه اعتذر ودفع كل الخسائر في يوم واحد.
كان فيه محامٍ بيتابع، ومستندات بتتراجع، ومواعيد لازم نحضرها، وقرارات لازم تتاخد بعقل.
وأحمد اضطر يواجه نتائج قراراته المالية، ويعيد ترتيب التزاماته، ويتعامل مع تبعات إخفاء المعلومات عني.
أما أنا، فبدأت أرتب حياتي من جديد.
رجعت أركز في شغلي، واهتميت بليلى، وخصصت وقت لنفسي بعد شهور من القلق.
كنت كل يوم أكتشف إن القوة مش معناها إني ما أعيطش، ولا معناها إني ما أشتاقش للأيام القديمة.
القوة كانت إني أقدر أعيط، وبعدها أقوم أعمل فطار بنتي.




