روايات وقصص

الساعه اتنين بالليل حكايات صافي هاني

إني أفتكر اللحظات الحلوة مع أحمد، من غير ما أنكر اللحظات اللي أذاني فيها.

وإني أقدر أقول لنفسي إن الحب وحده مش كفاية لبناء بيت، وإن الثقة محتاجة صدقًا يحميها.

في عيد ميلاد ليلى، عملنا احتفالًا صغيرًا في البيت.

جت ريهام وولادها، وجت حماتي نوال، وأحمد حضر في الميعاد المتفق عليه.

ليلى كانت فرحانة، وفضلت تجري بيننا وهي بتوزع قطع التورتة.

لما جه وقت تطفي الشموع، طلبت مني أقف جنبها.

مسكت إيدي، وبصت لأبوها، وقالت:

— أنا عايزة السنة دي كلنا نبقى كويسين، ومحدش يزعل من حد.

بصيت لأحمد، ولقيته بيحاول يخبي دموعه.

حضنت بنتي، وقلت لها:

— يا رب يا حبيبتي. وربنا يجعل أيامك كلها فرح وراحة بال.

بعد ما الاحتفال خلص، أحمد استأذن يمشي.

ليلى حضنته، وطلبت منه ييجي يزورنا تاني.

وهو وعدها إنه هييجي في المواعيد المتفق عليها.

ما وعدهاش إنه هيرجع يعيش معانا.

وما وعدهاش بحاجة ما نقدرش نضمنها.

وده كان أول تصرف منه حسيت إنه ممكن يكون بداية لتغيير حقيقي، حتى لو التغيير ده مش معناه إننا هنرجع لبعض.

بعد ما مشي، نوال قعدت جنبي وقالت:

— أنا آسفة يا سارة. كنت فاكرة إني لما أصدق ابني وأسانده، أبقى بعمل الصح. ما كنتش فاهمة إن السكوت عن الحقيقة ممكن يوجع ناس تانية.

مسكت إيدها وقلت:

— كلنا اتعلمنا بالطريقة الصعبة يا طنط. المهم إننا ما نكررش نفس الغلط.

بصت ناحية ليلى، اللي كانت بتلعب بدبدوبها، وقالت:

— ربنا يحميها ليكي.

قلت:

— ويحمي كل طفل من إنه يدفع تمن مشاكل الكبار.

وفي ليلة هادية، بعد ما ليلى نامت، قعدت في الصالة وفتحت درج صغير كنت محتفظة فيه بالحاجات القديمة.

لقيت صورة لينا إحنا التلاتة في أول عيد ميلاد لليلى.

أحمد كان شايلها، وأنا واقفة جنبه وبضحك.

فضلت باصة للصورة فترة طويلة.

ما مزقتهاش.

وما حطيتهاش قدامي عشان أرجع أعيش في الماضي.

رجعتها مكانها، وقفلت الدرج.

لأن الصورة كانت جزءًا من حياتي، لكنها ما كانتش كل حياتي.

أنا كنت سارة قبل ما أتجوز أحمد، وكنت أم ليلى قبل ما تحصل الأزمة، ولسه عندي حياة أقدر أبنيها من جديد.

أما السر اللي كان مستخبي ورا الشقة والأوراق، فكان أكبر درس اتعلمته.

مش كل حاجة بنكتشفها بتخلينا نكره اللي قدامنا، لكن فيه حاجات بتجبرنا نشوفه على حقيقته، من غير الصورة اللي رسمناها له في خيالنا.

وأحمد، مهما كان اللي هيحصل بينا بعد كده، هيفضل أبو ليلى.

لكن ده مش معناه إن من حقه يرجع لحياتي بنفس الطريقة القديمة، أو إن عليا أنسى اللي حصل عشان أحافظ على شكل الأسرة قدام الناس.

في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت ليلى بتناديني من أوضتها.

دخلت لها، لقيتها واقفة قدام المراية، وبتحاول تربط شعرها بنفسها.

قالت لي:

— ماما، أنا عايزة أروح المدرسة النهارده من غير ما تتأخري عليا.

ضحكت، وقعدت أساعدها.

— حاضر يا ستي، هنروح بدري كمان.

حضنتني، وبعدها قالت:

— أنا بحبك يا ماما.

بست راسها وقلت:

— وأنا بحبك أكتر من الدنيا كلها.

وفي اللحظة دي، فهمت إن القرار اللي أخدته ليلة ما أحمد رفض يرد على مكالماتي ما كانش مجرد قرار إني أواجهه أو أسيبه.

كان قرار إني ما أسمحش للخوف يخليني أتنازل عن حقي في الحقيقة، وما أسمحش للحب القديم يخليني أتجاهل سلامتي وسلامة بنتي.

أما أحمد، فكان قدامه طريق طويل عشان يتحمل مسؤولية اختياراته، ويثبت بالأفعال إنه فهم حجم اللي عمله.

وإذا كان فيه يوم هقدر أسامحه فيه، فالمسامحة مش هتعني إني هرجع لنفس المكان اللي كنت فيه.

هتعني إني بقيت قادرة أبص للماضي من غير ما يفضل يتحكم في مستقبلي.

خرجت أنا وليلى من البيت، وقفلنا الباب وراينا.

كانت الشمس طالعة، والشارع بدأ يصحى، وصوت الناس والعربيات حوالينا رجع يملأ الدنيا.

ليلى كانت ماسكة إيدي، وبتحكيلي عن صاحبتها وعن رسمة جديدة عايزة تعملها لما ترجع.

كنت بسمعها وببتسم، وكل شوية أبص عليها عشان أتأكد إنها فعلًا جنبي، وإنها بخير.

ما كنتش عارفة كل اللي هيحصل بعد كده، ولا إذا كان أحمد هيتغير فعلًا، ولا إذا كانت الإجراءات القانونية هتكشف تفاصيل جديدة.

لكن كنت عارفة حاجة واحدة.

الليلة اللي أحمد رفض فيها يرد على مكالماتي، كانت آخر ليلة أسمح فيها لنفسي أصدق إن السكوت على الوجع هو ثمن الحفاظ على البيت.

من اليوم ده، بقيت أعرف إن البيت مش مجرد شقة، وإن الأسرة مش مجرد أسماء مكتوبة في عقد، وإن الأبوة مش وعد بهدية من السفر.

البيت الحقيقي هو المكان اللي تلاقي فيه الأمان وقت الخوف، والصدق وقت الخلاف، والمسؤولية وقت الشدة.

وأنا يمكن خسرت الحياة اللي كنت فاكرة إني هكملها مع أحمد، لكني ما خسرتش نفسي.

ولا خسرت بنتي.

وده كان أهم انتصار أقدر أخرج بيه من كل اللي حصل.

تمت بحمد الله

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى