روايات وقصص

سلفتي وحماتي لزهرة الربيع 1

ـ مش هقول لك اديهم لي هدية، ده سلف لحد ما ربنا يفرجها، وأختي هترجعهملك على أقساط. وإنتِ عارفة إني عمري ما أنسى لك الجميل ده.

ساعتها وافقت، مش عشان كنت غنية، لكن عشان كنت شايفة إن مساعدة أهل جوزي واجب طالما في استطاعتي.

وحوّلت المبلغ على دفعتين لحساب أخت حماتي، وكل تحويل احتفظت بإيصاله، لأن المبلغ كان كبير بالنسبة ليا، وكنت محتاجة أضمن حقي من غير ما أحرج حد.

بعدها بشهور، لما سألت حماتي عن الفلوس، قالت لي إن أختها لسه ظروفها صعبة، وإنها هتتكلم معاها.

ولما سألت مرة تانية، اتضايقت وقالت:

ـ إنتِ هتحاسبي أختي على القرش يا سلوى؟ دي زي أمك!

فسكتُّ.

ماكنتش عايزة أبقى سبب خلاف بين طه وخالته، ولا كنت عايزة أبان إني بعايرهم بمساعدة قدمتها من قلبي.

لكن وأنا قاعدة قدام الورق، افتكرت إن الفلوس دي كانت جزء من تحويشة سنين، وإن جزء منها كان المفروض يدخل في تجديد أوضة ولادي وشراء مكتب صغير لآدم لما يكبر شوية.

ولما طلبت من طه بعدها نشتري المكتب، قال لي نستنى كام شهر عشان المصاريف كتير.

أما دلوقتي، فكنت شايفة صور تجهيزات الفرح اللي نزلتها بنت خالة طه على صفحتها قبل أيام، وأجهزة جديدة، وأثاث، وديكورات، وحاجات غالية جدًا.

أنا مش بقول إنهم ماكانوش محتاجين، ولا بقول إن من حقي أتحكم في فلوسهم، لكن على الأقل كان من حقي أعرف مصير فلوسي، خصوصًا إن الاتفاق كان واضح إنها سلفة.

في اللحظة دي، موبايلي رن.

كانت نجلاء.

رديت بسرعة، فقالت لي:

ـ سلوى، أنا سألت واحدة من البنات اللي كانوا في البيت قبل ما يمشوا. هي قالت لي إن حماتك كانت مجهزة لك مفاجأة تانية غير موضوع الفرح.

عقدت حواجبي.

ـ مفاجأة إيه؟

ـ مش عارفة التفاصيل، بس سمعتها بتقول لمروة قبل ما ينزلوا: «خلي بالك، النهارده لازم نخلص موضوع سلوى ده قبل ما ترجع تسأل على الفلوس.»

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.

ـ فلوس إيه يا نجلاء؟

ـ معرفش، بس أنا فاكرة إنك كنتِ ساعدتي خالتها بمبلغ من فترة، مش كده؟

بصيت للملف اللي في إيدي.

ـ أيوه، وده حقي لحد دلوقتي.

سكتت نجلاء ثواني، وبعدها قالت:

ـ طب اسمعيني كويس. أنا مش عايزاكي تعملي أي تصرف وإنتِ متضايقة. اجمعي ورقك كله، وكلمي طه لما يرجع. ولو في حق ليكي، خديه بالطريقة الصح. لكن ماتخليش حد يستفزك فتخسري موقفك.

كلامها كان هادي، لكن جملة «نخلص موضوع سلوى» فضلت ترن في ودني.

موضوع سلوى!

هو أنا بقيت موضوع بيتناقشوا فيه من ورايا؟ هو في حاجة بتحصل تخصني وأنا آخر واحدة تعرف؟

فتحت صور الفرح على صفحة بنت خالة طه، وبدأت أقلب فيها.

لقيت صور لحماتي ومروة وهما واقفين جنب العروسة، وكل واحدة مبتسمة للكاميرا. حماتي كانت لابسة فستان جديد، ومروة لابسة طقم كنت شايفاه قبل كده في صورة على الإنترنت، وكنت عارفة إنه غالي.

وبين الصور، لقيت صورة لحماتي وهي ماسكة إيد أختها، وتحتها تعليق:

«أختي وسندي، عمري ما أنسى وقفتك معايا في أصعب وقت، واللي جاي أحلى بإذن الله.»

قعدت أبص للصورة.

مشكلتي ماكنتش في إنهم يلبسوا جديد، ولا إنهم يفرحوا ببنتهم، ولا حتى إن حماتي تختار مروة ترافقها.

مشكلتي إنهم كانوا شايفين تعبي واجب، وفلوسي حاجة ممكن تتأجل، وكرامتي حاجة مش مهمة.

رن موبايلي مرة تانية، لكن المرة دي كانت رسالة من رقم مش مسجل عندي.

فتحتها، ولقيت صورة لورقة مكتوبة بخط إيد حماتي.

الورقة كان فيها أسماء ومبالغ مالية، وتحتها جملة مكتوبة بوضوح:

«يتم الاتفاق مع سلوى على اعتبار المبلغ هدية نهائية، مقابل عدم مطالبة أختي بأي فلوس بعد كده.»

فضلت أبص للجملة كذا مرة، وأنا مش مصدقة عيني.

مين كتب الورقة دي؟ وليه اتبعتت لي دلوقتي؟ وهل دي فعلًا ورقة حماتي كانت مجهزاها، ولا حد بيحاول يوقع بيننا؟

قبل ما ألحق أفكر، وصلتني رسالة تانية من نفس الرقم:

«لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة عشرة الصبح على عنوان خالتهم. بس ماتقوليش لحد إنك عرفتي حاجة.»

حسيت ببرودة في إيدي.

أنا ماكنتش عايزة أعمل فضيحة، ولا أفسد فرحة بنت خالة طه، ولا أتهم حد من غير دليل. لكن الورقة دي كانت مرتبطة بحقي، والرسالة خلتني أشك إن في كلام اتقال من ورايا.

أخدت لقطة شاشة للرسالتين، واحتفظت بيهم، وبعدها حطيت الموبايل على السرير.

كنت محتاجة أسمع من طه الأول، وأفهم هو عارف إيه بالضبط.

قرابة الساعة تسعة ونص بالليل، سمعت صوت مفتاح الباب.

قمت من مكاني، وخرجت للصالة.

دخل طه، وكان باين عليه الإرهاق، لكنه أول ما شافني لوحدي، بص حواليه وسألني:

ـ إنتِ لسه مخلصتيش شغل البيت؟ أمي قالت لي إنك كنتِ هتساعدي الستات وتخلصي كل حاجة.

بصيت له بهدوء، وسألته:

ـ هي قالت لك إيه كمان يا طه؟

استغرب سؤالي.

ـ يعني إيه؟

ـ قالت لك إني رفضت أروح الفرح؟ ولا قالت لك إني أنا اللي اخترت أفضل هنا؟

طه سكت لحظة، وبعدها حط المفاتيح على الترابيزة.

ـ أمي قالت إنك تعبتي ومش حابة تروحي، وإنك وافقتي تفضلي مع الستات. إنتِ ليه مكبرة الموضوع دلوقتي؟

حسيت إن الكلام اللي كنت محضراه اختفى من دماغي.

حتى بعد اللي حصل، حماتي قدرت تحكي الحكاية بالشكل اللي يناسبها، وهو صدقها من غير ما يسألني.

قلت له:

ـ طيب لو أنا فعلًا قلت لك إني مش حابة أروح، كنت هتصدق إن ده قراري؟ ولا كنت هتسألني ليه غيرت رأيي بعد ما جهزت نفسي والعيال؟

اتنهد بضيق.

ـ سلوى، أنا راجع من فرح ومش ناقص مشاكل. بكرة نتكلم.

كنت زمان هسكت، وأسيبه يدخل ينام، وأقنع نفسي إن بكرة هيبقى أحسن.

لكن المرة دي وقفت قدامه وقلت:

ـ لأ يا طه، بكرة ممكن نتكلم في تفاصيل كتير، لكن في حاجة لازم تعرفها دلوقتي. أنا مش زعلانة عشان ماحضرتش الفرح بس. أنا زعلانة لأن أمك أهانتني قدام العيلة، وقالت إنها بتتكسف مني، وإن وجودي بيقلل منها، وإنت صدقت روايتها من غير ما حتى تسألني.

وشه اتغير، وفضل ساكت شوية.

ـ أمي قالت لك الكلام ده؟

ـ أيوه، وبالحرف. وكانت مروة واقفة، وكل اللي في البيت سمعوا.

حاول يرد، لكني كملت:

ـ وأنا مش هطلب منك تتخانق معاها، ولا هقول لك اختار بيني وبينها. دي أمك وليها احترامها، وأنا عمري ما منعتك تبرها. لكن أنا كمان مراتك، وأم ولادك، وليا كرامة مش أقل من كرامة أي حد في البيت ده.

نزل طه عينه للأرض، وبعدها قال بصوت أهدى:

ـ أنا مكنتش أعرف إنها قالت لك كده. بكرة هتكلم معاها.

هزيت راسي، وقلت:

ـ كويس. وفي موضوع تاني لازم نتكلم فيه.

جبت الملف وحطيته قدامه، وطلعت إيصالات التحويل.

ـ فاكر الفلوس اللي سلفتها لخالتك من سنتين عشان تجهيزات جواز بنتها؟

بص للأوراق، واتغيرت ملامحه.

ـ أيوه، مالها؟

ـ أنا عايزة أعرف هترجع إمتى، لأن النهارده وصلتني رسالة فيها صورة ورقة مكتوب فيها إنهم عايزين يعتبروا المبلغ هدية نهائية، من غير ما يرجعوه.

طه رفع عينه ليا بسرعة.

ـ إيه الكلام ده؟ مين قال لك كده؟

ـ أنا بسألك إنت، هل كنت تعرف إن في اتفاق بالشكل ده؟

اتوتر، ومسح وشه بإيده، وبعدها قال:

ـ استني بس يا سلوى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

قلبي انقبض من الجملة.

لأن كل مرة حد يقول لي «الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة»، كنت باكتشف بعدها إن في جزء مهم اتخبى عني.

قربت منه خطوة وسألته:

ـ طيب فهمني. إيه اللي أنا مش فاهماه؟

طه فضل ساكت، وبعدين قعد على الكنبة، وحط إيده على راسه.

ـ أنا عرفت من أمي من فترة إن خالتي ظروفها صعبة، وإنها مش هتقدر ترجع الفلوس كلها مرة واحدة. أمي قالت لي إنك ممكن توافقي إنها تتخصم على دفعات، وأنا قلت لها إن ده قرارك إنتِ، وإن محدش له حق يتصرف في فلوسك من غير ما يرجع لك.

بصيت له باستغراب.

ـ يعني إنت كنت عارف إنهم لسه مرجعوش الفلوس؟

ـ أيوه.

ـ وعارف إن أنا كنت مستنياها عشان أجهز أوضة الولاد؟

ـ أيوه يا سلوى، بس كنت فاكر إنك موافقة تستني.

حسيت إن صدري ضاق.

ـ أنا استنيت سنتين يا طه، مش عشان كنت مش محتاجاها، لكن عشان كنت بحترم ظروفهم. وكل مرة كنت بسأل، حماتي كانت تزعل مني، وأنا كنت بسكت عشان خاطرك.

رفع راسه وقال بسرعة:

ـ والله أنا ماكنتش أعرف إنها هتقول لك الكلام ده عن الفلوس، ولا أعرف إن في ورقة بالشكل ده.

فتحت موبايلي ووريته الرسالة.

قرأها مرة، وبعدها رجع قرأها تاني.

ـ إنتِ جالك الكلام ده من مين؟

ـ رقم مجهول، ومش عارفة صاحبه مين.

فضلنا ساكتين لحظات، لحد ما طه قال:

ـ بكرة الصبح هروح لخالتي، وهفهم منها كل حاجة.

كنت عايزة أصدقه، لكني ماكنتش عايزة الموضوع يتحول لخناقة عائلية، وفي الآخر يضيع حقي وسط الزعل والكلام.

قلت له:

ـ أنا مش عايزة تروح تتخانق مع حد. أنا عايزة الحقيقة، وعايزة حقي يرجع بالطريقة اللي اتفقنا عليها من البداية. ولو ظروفهم فعلًا صعبة، نتكلم في أقساط واضحة، لكن مش هقبل إن فلوسي تتحول لهدية من غير موافقتي.

هز راسه، وقال:

ـ عندك حق.

الكلمة دي كانت بسيطة، لكني كنت محتاجة أسمعها من زمان.

دخلت أوضة الولاد، وطمنت عليهم في مكالمة فيديو قصيرة. حماتي كانت رجعتهم مع مروة بعد ما خلص الفرح، وسمعت ابني بيحكي لي عن التورتة والأغاني والهدايا، وهو مش فاهم إن اللي حصل بين الكبار أكبر من مجرد خروجة ضاعت عليه.

ضحكت له، وقلت له:

ـ المهم إنك انبسطت يا حبيبي، وبكرة هنعوضها ونخرج سوا.

قفلت المكالمة، ورجعت للصالة.

طه كان لسه قاعد مكانه، والملف قدامه.

وفجأة، موبايلي رن.

كان نفس الرقم المجهول.

المرة دي وصلت رسالة قصيرة جدًا:

«بكرة الساعة عشرة. لو رحتي، هتعرفي مين اللي كتب الورقة، وليه حماتك كانت عايزة تخلص الموضوع النهارده بالذات. وخدي بالك، لأن طه نفسه مش عارف كل حاجة.»

قرأت الرسالة بصوت مسموع.

طه قام من مكانه بسرعة.

ـ وريني الرقم ده.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى