
ناولته الموبايل، ففضل يبص للرسالة، وبعدها قال:
ـ لأ، إحنا مش هنروح أي مكان قبل ما نعرف مين صاحب الرقم ده. ممكن حد بيحاول يوقع بينا.
كنت عارفة إن احتمال كلامه صحيح، وإنه لازم نكون حذرين. لكن في نفس اللحظة، افتكرت الجملة اللي قالتها حماتي قبل ما تمشي:
«النهارده لازم نخلص موضوع سلوى.»
والأغرب من كل ده، إن الشخص اللي بعت الرسالة كان عارف إني هسأل على الفلوس في نفس الليلة.
بصيت لطه وقلت له:
ـ طيب، بكرة هنتصل بخالتك الأول، ونسألها بنفسنا. لو في حاجة تخص حقي، لازم تتقال قدامي، مش من ورايا.
وافق، لكن قبل ما يرد، تليفونه هو كمان رن.
كانت أمه.
رد عليها، وسمعنا صوتها متوتر وهي بتسأله:
ـ إنت فين يا طه؟ إنت رجعت البيت؟
قال لها:
ـ أيوه يا أمي، رجعت.
سكتت لحظة، وبعدها سألته سؤال خلانا إحنا الاتنين نبص لبعض في نفس اللحظة:
ـ هي سلوى فتحت الملف القديم؟ أو شافت أي ورق كان عندها؟
طه بص لي، وبعدين رد عليها:
ـ أنهي ملف يا أمي؟
لكن حماتي ماجاوبتش على سؤاله.
كل اللي قالته كان جملة واحدة، بصوت واطي ومضطرب:
ـ اسمعني يا طه، خليك بعيد عن أي ورق يخص خالتك، وماتخليش سلوى تروح لها بكرة. الموضوع ده لو اتفتح، مش هيقف عند الفلوس وبس.
وبعدها قفلت الخط.
فضل طه ماسك الموبايل وهو باصص للشاشة، وأنا واقفة قدامه والملف القديم مفتوح على الترابيزة.
لأول مرة، حسيت إن اللي حصل في الفرح ماكانش مجرد إهانة من حماتي لمرات ابنها.
كان فيه سر أكبر، وورق أنا ماكنتش أعرف إنه موجود، وناس خايفة إن الحقيقة تظهر.
مديت إيدي للملف، وبدأت أقلب باقي الأوراق اللي كنت سايباها من غير ما أراجعها.
وفي آخر الملف، لقيت ظرف بني صغير، مكتوب عليه بخط إيد حماتي:
«يتفتح بعد الفرح.»
بصيت لطه، فكان وشه اتغير تمامًا.
قال لي بصوت مبحوح:
ـ سلوى… أنا عمري ما شفت الظرف ده قبل كده.
فتحت الظرف بحذر، وطلعت منه صورة عقد قديم، ومعاه ورقة عليها توقيعات وأرقام، لكن أول ما عيني وقعت على الاسم المكتوب في أول سطر، إيدي اتجمدت.
لأن الاسم ماكانش اسم خالتي، ولا اسم حماتي.
كان اسم جوزي… طه.
فضلت واقفة قدام طه، والورقة في إيدي، مش عارفة أصدق الكلام اللي سمعته ولا أستوعب اللي أنا شايفاه.
بصيت للاسم المكتوب في العقد، وبعدين بصيت لجوزي، وقلت له بصوت هادي بالعافية:
ـ يعني إيه أمك خبت عني الحقيقة دي سبع سنين؟ وإيه علاقة اسمك بالفلوس اللي أنا سلفتها لخالتها؟ وإيه الورقة دي أصلًا؟
طه مد إيده ياخد العقد مني، لكني رجعت إيدي لورا.
ـ لأ يا طه، استنى. أنا مش هديك الورقة قبل ما أفهم هي إيه.
اتنهد وقعد على طرف الكنبة، وحط إيده على وشه.
ـ والله يا سلوى أنا مش عارف أقولك إيه. أنا أول مرة أشوف العقد ده في حياتي.
ـ طيب إزاي اسمك مكتوب عليه؟
ـ خليني أشوفه كويس.
حطيت الورقة قدامه، وبدأ يقرأ السطور المكتوبة بخط صغير. كان فيه اسم شركة مقاولات، وعنوان شقة في المنصورة، وتاريخ قديم، وبعدها توقيع منسوب لطه.
لكن اللي شد انتباهي أكتر كان المبلغ المكتوب في آخر الصفحة.
مبلغ أكبر بكتير من الفلوس اللي أنا سلفتها لخالة حماتي.
سألته:
ـ إنت كنت شريك في شركة أو داخل في مشروع من غير ما أعرف؟
هز راسه بسرعة.
ـ لأ، أنا عمري ما كان عندي شركة. أنا موظف في شركة أدوات كهربائية، ومرتبي إنتِ عارفاه.
ـ طب إيه الشقة دي؟
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
ـ العنوان ده قريب من بيت خالتي القديم. بس أنا مش فاهم إيه اللي جاب اسمي في عقد زي ده.
قمت جبت نظارتي من الأوضة، وقعدت جنبه نقرأ الورقة سوا. كان فيه بند واضح بيقول إن المبلغ المذكور اتدفع كمقدم لشراء شقة، وإن باقي المبلغ هيتسدد على أقساط.
وتحت البند ده، كان مكتوب إن طه هو المشتري، وإن خالته ضامنة للسداد.
بصيت له.
ـ طه، هو إنت اشتريت شقة قبل كده؟
رد عليا فورًا:
ـ لأ.
ـ طب خالتك كانت ضامنة ليك في إيه؟
ـ معرفش يا سلوى، والله معرفش.
كان صوته صادق، لكني ماكنتش قادرة أرتاح. مش لأن عندي دليل إنه بيكدب، لكن لأن الورق قدامي كان بيقول إن فيه حاجة كبيرة حصلت من غير ما أعرف عنها حاجة.
وفجأة، افتكر طه حاجة، فقام من مكانه وراح ناحية دولاب صغير في الصالة، كان بيحط فيه أوراقه القديمة.
فتح الدرج، وبدأ يقلب بين الملفات، لحد ما طلع ظرف أبيض قديم.
رجع قعد جنبي وفتحه.
ـ استني، أنا فاكر إن أمي كانت طلبت مني أمضي على ورقة من سنين، وقالت لي إنها تخص معاش جدي.
بصيت له باستغراب.
ـ معاش جدك؟ وإنت مالك بمعاشه؟
ـ أمي قالت إن فيه إجراءات ورقية لازم تتعمل عشان خالتي تستلم نصيبها من فلوس قديمة كانت متجمعة عند جدي، وإن التوقيع مجرد إثبات إني عارف بالموضوع.
ـ وإنت مضيت من غير ما تقرأ؟
نزل عينه للأرض.
ـ كنت لسه متجوزك جديد، وأمي قالت لي إن الموضوع بسيط، وأنا ماكنتش متوقع إنها ممكن تستخدم توقيعي في حاجة تانية.
الكلام ده ماكانش مريحني، لكنه على الأقل بدأ يوضح إن ممكن يكون فيه استغلال لتوقيعه من غير علمه.
سألته:
ـ وإمتى حصل الكلام ده؟
ـ تقريبًا بعد جوازنا بشهور.
رجعت بصيت للتاريخ الموجود في العقد، ولقيته فعلًا قريب من الفترة اللي قال عليها.
لكن كان فيه سؤال أهم من كل ده.
لو حماتي استخدمت توقيع طه في عقد شراء شقة، إيه علاقة الفلوس اللي أنا حولتها لخالتها بعد كده؟
وليه كانت مصممة النهارده إنها تخليني أوافق على اعتبار المبلغ هدية؟
حطيت الأوراق كلها قدامي، وصورتها بالموبايل عشان مايضيعش أي دليل، وبعدها قلت لطه:
ـ بكرة مش هنتحرك خطوة واحدة غير لما نعرف الحقيقة من مصدرها. هنكلم خالتك ونطلب منها توضيح مكتوب، ولو الموضوع محتاج محامي هنروح لمحامي. أنا مش عايزة أظلم حد، لكن مش هسمح لحد يضيع حقي.
هز راسه موافق.
وبعدها بص لي وقال:
ـ أنا عارف إني قصرت معاكي يا سلوى. يمكن طول السنين كنت فاكر إن سكوتك معناه إنك راضية، وكنت بهرب من أي مشكلة بينك وبين أمي عشان مازعلهاش. بس النهارده لما سمعت الكلام اللي اتقال لك، حسيت إني سايبك لوحدك في حاجة المفروض أكون واقف جنبك فيها.
مكنتش مستنية منه اعتذار طويل، ولا كنت عايزة أسمع وعود وخلاص.
قلت له:
ـ أنا مش محتاجة منك تحارب أمك عشاني. أنا محتاجة منك تبقى عادل. لو أنا غلطانة قول لي، ولو هي غلطانة قول لها. إنما مش كل مرة أنا اللي أتنازل عشان الدنيا تمشي.
هز راسه وقال:
ـ عندك حق.
دخلنا ننام، لكن النوم ماجاش في عيني.
كنت كل شوية أفتكر وقفة حماتي قدام الباب، وهي بتقول لي إنها بتتكسف مني، وأفتكر نظرة مروة وهي ماشية وراها، وأفتكر سنين من التعب كنت بعتبرها واجب عليا.
لكن أكتر حاجة كانت شاغلاني هي الورقة.
مين اللي بعتها لي؟
وليه صاحب الرسالة عايزني أروح لخالتهم الساعة عشرة بالذات؟
وليه حماتي خافت لما عرفت إني فتحت الملف؟
قرابة الساعة تمانية الصبح، قمت حضرت الفطار للولاد، وجهزت لهم هدومهم، وبعدها قعدت مع طه على الترابيزة.
اتفقنا نتصل بخالته الأول.
رن عليها طه مرتين، لكن ما ردتش.
بعدها بدقايق، جاله اتصال منها هي.
رد وقال:
ـ صباح الخير يا خالتي. كنت بحاول أكلمك من بدري.
سمعنا صوتها متردد:
ـ صباح النور يا طه. خير يا حبيبي؟
ـ كنت عايز أسألك عن موضوع قديم، يخص شقة في المنصورة وعقد عليه اسمي.
الصمت اللي حصل على الطرف التاني كان طويل بشكل غريب.
وبعدين قالت:
ـ إنت عرفت منين عن العقد ده؟
طه بص لي، وأنا حسيت إن قلبي وقع.
لأن السؤال ماكانش سؤال واحدة مستغربة، ده كان سؤال واحدة عارفة بالضبط هو بيتكلم عن إيه.
قال لها:
ـ يعني العقد حقيقي؟
ردت بسرعة:
ـ يا ابني، إنت مالكش دعوة بالموضوع ده دلوقتي. خلينا نتكلم بعدين.
ـ لأ يا خالتي، أنا محتاج أفهم. اسمي مكتوب على عقد شراء شقة، وفيه توقيع منسوب ليا، وأنا مش فاكر إني اشتريت أي شقة.
خالته اتنهدت، وبعدها قالت:
ـ طه، أنا مش هقدر أتكلم في التليفون. تعالى عندي إنت وسلوى، وأنا هقول لكم كل حاجة.
قلت له من مكاني:
ـ اسأليها عن الفلوس اللي أنا حولتها لها.
سمعتني خالته، فسكتت لحظة، وبعدين قالت:
ـ سلوى معاكي؟
رد طه:
ـ أيوه، وهي من حقها تعرف كل حاجة.
خالته صوتها اتغير، وقالت:
ـ طيب تعالوا الساعة عشرة، بس أرجوكم محدش يعرف إنكم جايين. خصوصًا أم طه.
قفلت الخط، وأنا بصيت لطه.
ـ ليه خصوصًا أمك؟
قال:
ـ مش عارف، بس واضح إن الموضوع أكبر من اللي إحنا فاهمينه.
اتجهزنا، وخرجنا من البيت بعد ما طمنّا على الولاد. وقبل ما نركب العربية، جالي اتصال من الرقم المجهول.
رديت، لكن مفيش حد اتكلم.
قلت:
ـ ألو، مين معايا؟
سمعت صوت ست، كانت بتتكلم بهمس:
ـ إنتِ رايحة لخالة طه؟
ـ أيوه، إنتِ مين؟
ـ أنا اللي بعت لك صورة الورقة. اسمعيني كويس، ماتخليش حد ياخد منك أي ورق، وماتوافقيش على أي حاجة قبل ما تقريها.
ـ طب إنتِ مين؟ وإيه حكاية العقد؟
لكنها قفلت الخط.




