
حاولت أتصل بالرقم تاني، لكنه كان مقفول.
ركبت العربية، وفضلت طول الطريق بفكر في هوية الست دي.
لما وصلنا بيت خالة طه، لقينا الباب مفتوح، وهي قاعدة في الصالة، وقدامها ملف كبير وكوباية شاي بردت من غير ما تشرب منها.
أول ما شافتنا، قامت وسلمت على طه، وبعدها بصت لي بحرج.
ـ حقك عليا يا سلوى.
الجملة دي لوحدها خلتني أفهم إن فيه حاجة فعلًا حصلت.
قعدنا، وهي بدأت تتكلم.
ـ من سبع سنين، بعد جواز طه بفترة، أم طه جات لي وقالت لي إنها عايزة تساعدني أشتري شقة صغيرة قريبة من شغلي. أنا وقتها كنت قاعدة في شقة إيجار، وجوزي كان بيشتغل على قد حاله، وكنا بنحاول نأمن مستقبل بنتي.
طه قاطعها:
ـ وأنا دخلت في الموضوع ده إزاي؟
بصت له وقالت:
ـ أمك قالت لي إنك موافق تساعدني، وإنك هتكون اسمك موجود في العقد لحد ما أقدر أسدد المبلغ اللي هتدفعه هي.
طه اعتدل في قعدته.
ـ أمي قالت لك إني موافق؟
ـ أيوه، وورّتني ورقة عليها توقيعك.
ـ وأنا ماكنتش أعرف أي حاجة عن شراء الشقة دي!
خالته حطت إيدها على صدرها وقالت:
ـ والله يا ابني، أنا كنت فاكرة إنك عارف. أمك قالت لي إنكم اتفقتوا في البيت، وإنك مش عايز تدخل سلوى في الموضوع عشان ماتقلقش من المصاريف.
بصيت لها وقلت:
ـ طيب والفلوس اللي أنا حولتها لك بعد كده؟
نزلت عينيها، وبعدها قامت وجابت ملف تاني.
ـ الفلوس دي وصلت لي فعلًا، وأنا عمري ما أنكرت ده. بس أنا ماكنتش عارفة إنها فلوسك إنتِ. أم طه قالت لي إن المبلغ ده جزء من تسوية قديمة بين العيلتين، وإنه اتدفع بدل أقساط كانت متأخرة.
حسيت إن إيدي بردت.
يعني أنا كنت فاكرة إني بسلفها فلوس من تحويشتي، وهي كانت فاكرة إنها بتستلم فلوس ليها حق فيها، وكل ده بناءً على كلام حماتي!
سألتها:
ـ طيب الفلوس دي راحت فين؟
فتحت الملف وطلعت إيصالات.
ـ جزء منها اتدفع في أقساط الشقة، وجزء اتصرف في تجهيزات بنتي، بعد ما أم طه قالت لي إن الحساب اتقفل وإن مفيش فلوس تانية مطلوبة.
طه أخد الإيصالات وبدأ يراجعها، وبعدها رفع عينه لخالته.
ـ يعني أنا اسمي موجود في عقد شقة، وأنا ماعرفش، وسلوى دفعت فلوس على أساس إنها سلفة، وإنتِ استلمتيها على أساس إنها تسوية قديمة؟
خالته هزت راسها ببطء، وعينيها بدأت تدمع.
ـ أيوه يا طه. وأنا والله لو كنت أعرف إن سلوى ماوافقتش على الكلام ده، ماكنتش قبلت جنيه واحد منها.
بصيت لها، وكنت شايفة إنها فعلًا متلخبطة ومش عارفة تتصرف إزاي.
لكن كان لازم أعرف أهم حاجة.
ـ طيب ليه حماتي كانت عايزاني أمضي على ورقة إني متنازلة عن الفلوس؟
خالته سكتت.
وبعد لحظات قالت:
ـ لأن أم طه اكتشفت من شهر إن عقد الشقة فيه مشكلة.
طه قرب منها.
ـ مشكلة إيه؟
قالت:
ـ لما حبينا نبيع الشقة عشان نسدد ديون قديمة، اكتشفنا إن فيه اختلاف بين نسخة العقد اللي معايا والنسخة الموجودة عند المحامي. وفيه مبلغ مكتوب على إنه اتدفع باسم طه، لكن مفيش إيصال يثبت إنه هو اللي دفعه.
طه قال بحدة:
ـ طبيعي مفيش إيصال، لأني مادفعتش حاجة!
خالته كملت:
ـ أم طه قالت إن المبلغ اللي دفعتيه يا سلوى ممكن يتسجل على إنه مساهمة منك في شراء الشقة، وإنك لو وافقتي على التنازل عن مطالبتك بالفلوس، الموضوع هيخلص من غير ما حد يفتح ملفات قديمة.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
ـ يعني بدل ما تعترفوا إن الفلوس دي حقي، كنتوا عايزني أمضي إني مش عايزاها، عشان المشكلة اللي في العقد تختفي؟
خالته بدأت تعيط.
ـ أنا ماكنتش أعرف إنها هتقول لك الكلام ده بالطريقة دي. أنا كنت فاكرة إنكم اتفقتوا، ولما عرفت إنك مش عارفة أي حاجة، حاولت أوقف الموضوع.
سألتها:
ـ طيب مين بعت لي الرسالة؟
خالته رفعت عينيها ليا، واترددت قبل ما تجاوب.
ـ بنتي، جيهان.
بصيت لها باستغراب.
ـ بنتك؟
ـ أيوه. هي اللي اكتشفت إن فيه ورق مش مظبوط لما كانت بتجهز ملف الشقة. ولما عرفت إن أم طه ناوية تخليكي تمضي على التنازل، اتصلت بيا وقالت لي إنها مش هتسكت. وأنا طلبت منها تستنى لحد ما أتكلم معاكي، لكنها كانت خايفة إن الموضوع يتقفل قبل ما تعرفي الحقيقة.
في اللحظة دي، سمعت صوت المفتاح في باب الشقة.
خالته قامت بسرعة، وبصت ناحية الباب.
دخلت جيهان، بنت خالة طه، لابسة لبس البيت، وفي إيدها شنطة ورق.
أول ما شافتنا، قالت:
ـ الحمد لله إنكم جيتوا.
وبعدين بصت لطه مباشرة.
ـ أنا آسفة يا طه، بس لازم تعرف إن أمك مش بس خبت عنكم موضوع الشقة.
طلعت ورقة من الشنطة، وحطتها قدامنا.
ـ دي صورة من محضر قديم اتعمل وقت شراء الشقة، وفيه إقرار إن الفلوس اللي اتدفعت كانت من حساب شخص تاني، مش من حسابك.
طه مسك الورقة، وبدأ يقرأها.
وشه شحب بالتدريج.
لأن الاسم المكتوب في الإقرار ماكانش اسم حماتي، ولا اسم خالته.
كان اسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا.
أخو طه الكبير، سامح.
سامح اللي كان مسافر بره مصر سنين، واللي كل العيلة كانت فاكرة إنه رجع من السفر من غير أي فلوس، وإنه لسه بيبدأ حياته من جديد.
بصيت لطه، وقلت له:
ـ هو سامح كان له علاقة بشراء الشقة؟
طه ما ردش.
كان مركز في الورقة، وبيقرأ نفس السطر أكتر من مرة.
وبعدين رفع عينه لجيهان وسألها:
ـ إنتِ متأكدة إن الورقة دي أصلية؟
قالت:
ـ دي صورة من الملف اللي عند المحامي، وأنا شفت الأصل بنفسي. وفيه ورقة تانية أهم منها، بس أنا ماجبتهاش معايا.
ـ فين الورقة التانية؟
جيهان بصت لأمها، وبعدها قالت:
ـ عند سامح.
حسيت إن القصة بدأت تتعقد أكتر، وإن كل إجابة بتفتح وراها باب جديد.
لكن قبل ما حد فينا يتكلم، موبايل خالة طه رن.
كانت حماتي.
ردت، وحطت التليفون على ودنها، لكن صوت حماتي كان عالي لدرجة إننا سمعناه كلنا.
ـ إنتوا فين يا أختي؟ طه وسلوى عندك؟
خالته بصت لنا بتوتر، لكنها ردت:
ـ أيوه، موجودين.
حماتي سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت حاد:
ـ أنا جاية لكم حالًا. ومحدش يفتح أي ورقة قبل ما أوصل.
قفلت الخط، وخالته قعدت على الكنبة وهي بتترعش.
طه قام من مكانه، وقال:
ـ لأ، كفاية كده. أنا مش هسيب حد يقرر عني حاجة تاني.
بص لي، ومد إيده مسك إيدي.
ـ سلوى، أنا مش عارف إيه اللي حصل بالضبط، لكن أوعدك إننا مش هنمضي على أي ورقة، ومش هنتنازل عن حقك قبل ما نفهم كل حاجة.
أنا كنت لسه متضايقة، ولسه جوايا وجع من اللي حصل في الفرح، لكن المرة دي حسيت إن طه بدأ يفهم إن السكوت مش حل.
بعد حوالي عشر دقايق، سمعنا خبط قوي على الباب.
خالته قامت تفتح، ودخلت حماتي بسرعة، ووراها مروة.
أول ما شافتني قاعدة جنب طه والملفات مفتوحة قدامنا، وشها اتغير.
بصت لأختها وقالت:
ـ إنتِ عملتي اللي اتفقنا عليه؟
خالته ردت بصوت مرتعش:
ـ لأ يا أختي، أنا مش هخبي حاجة تاني.
حماتي بصت لطه.
ـ إنت جايب مراتك هنا ليه؟ الموضوع ده يخص العيلة، ومش من حقها تدخل فيه بالشكل ده.
طه وقف، ولأول مرة من سنين، رد عليها من غير ما يرفع صوته ولا يتراجع.
ـ سلوى مش غريبة عن العيلة يا أمي. الفلوس اللي بنتكلم عنها من تحويشتها، واسمها اتذكر في ورق إنتِ كنتِ عايزاها تمضي عليه. يبقى من حقها تعرف كل حاجة.
حماتي بصت لي بغضب.
ـ إنتِ اللي وصلتي الأمور لكده يا سلوى. لو كنتِ سمعتي الكلام من الأول، ماكنش حصل كل ده.
كنت هرد، لكن مروة سبقتني وقالت:
ـ بصراحة يا ماما، أنا مش فاهمة إنتِ مكبرة الموضوع ليه. يعني سلوى لو تنازلت عن الفلوس، كل حاجة هتخلص، وإحنا نقدر نساعدها بعدين.
بصيت لها وقلت بهدوء:
ـ تساعديني من فلوسي أنا؟ ولا من فلوسك؟
وشها احمر، وحماتي صرخت:
ـ إنتِ بتتكلمي معاها كده ليه؟
وقفت، وبصيت لحماتي مباشرة.
ـ أنا مش هزعق، ومش هقلل من حد، لكن من النهارده مش هقبل إن حقي يتحول لجميل، ولا إن تعبي يتعاملوا معاه كأنه واجب مفروض عليا. وإنتِ يا حماتي، يوم الفرح قلتي إنك بتتكسفي مني. أنا مش جاية أطلب منك تعتذري قدام الناس، ولا هطلب منك تاخديني معاكِ في أي مناسبة. أنا بس عايزاكي تعرفي إن الست اللي كنتِ شايفاها مش بتشرفك، هي نفسها الست اللي ساعدت أختك بفلوسها، ووقفت في البيت من الصبح عشان تفرحوا ببنتها.
حماتي فتحت بقها عشان ترد، لكن مفيش كلمة طلعت.
لأول مرة، مروة ما ضحكتش، ولا بصت لي من فوق لتحت.
أما طه، فكان واقف جنبي، ساكت، لكنه ماطلبش مني أسكت.
جيهان جابت الورقة اللي كانت في إيدها، وحطتها قدام حماتي.
ـ يا طنط، إحنا لازم نخلص الموضوع ده بطريقة قانونية. المحامي قال إن أي تنازل لازم يكون واضح، وإن محدش يقدر يجبر سلوى تمضي على حاجة مش موافقة عليها.
حماتي بصت للورقة، وبعدها بصت لجيهان.
ـ إنتِ كمان داخلة في الموضوع؟
جيهان ردت:
ـ أنا داخلة عشان مش عايزة أبدأ حياتي على حق حد تاني، ولا عايزة أمي تفضل شايلة ذنب حاجة هي ماكنتش فاهمة حقيقتها.
الهدوء نزل على المكان، وكل واحد بقى باصص للتاني.
وفجأة، مروة مدت إيدها للملف، وطلعت ورقة كانت مدسوسة بين الأوراق.
بصت فيها، وبعدها رفعت عينيها لأمها.
ـ ماما… هو إنتِ قلتي لي إن الشقة دي كانت هدية من سامح ليا بعد جوازي؟
حماتي اتجمدت.
طه لف ناحيتها بسرعة.
ـ هدية لمروة؟ إنتِ بتقولي إيه؟
مروة كانت بتبص للورقة، وإيديها بتترعش.
ـ أنا… أنا كنت فاكرة إن الشقة دي اتباعت، وإن الفلوس اتدفعت من حساب سامح. ماما قالت لي إن الورق مجرد إجراءات، وإن اسمي مش هيظهر فيه.
حماتي حاولت تاخد الورقة منها.
ـ هاتي الورق يا مروة، إنتِ مش فاهمة حاجة.
لكن مروة رجعت لورا، وقالت بصوت بدأ يعلى:
ـ لأ يا ماما، أنا عايزة أفهم. هو أنا كنت هسكن في شقة مش بتاعتنا؟ وإيه علاقة سلوى بالموضوع ده؟
طه مد إيده وأخد الورقة، وبمجرد ما قرأ السطر الأخير، بص لأمه نظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده.
وبعدين قال:
ـ يا أمي… إنتِ استخدمتي اسمي في عقد، وخدتي فلوس سلوى من غير ما تعرف الحقيقة، ودلوقتي اكتشفنا إن فيه ورق تاني باسم مروة؟
حماتي قعدت على أقرب كرسي، وحطت إيديها على وشها.
ولأول مرة، ماكانش عندها رد جاهز.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
لأن جيهان كانت واقفة عند الباب، وبتتكلم في التليفون بصوت واطي.
ولما قفلت، بصت لنا وقالت:
ـ سامح في الطريق. هو عرف إنكم فتحتوا الملف، وقال إنه جاي بنفسه يوضح كل حاجة.
وبعد دقائق، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
دخل سامح، أخو طه الكبير، وكان باين عليه التوتر الشديد.
أول ما شاف أمه، قال:
ـ إنتِ ليه ماحترمتيش اتفاقنا؟ أنا قلت لك إن الموضوع لازم يتقفل عن طريق المحامي، وإن محدش يضغط على سلوى أو يطلب منها تمضي على أي تنازل.
حماتي قامت من مكانها، وقالت بصوت مرتعش:
ـ سامح، إنت مش فاهم…
قاطعها:
ـ لأ يا أمي، أنا فاهم كويس. بس واضح إنكم كلكم فاكرين إن سلوى هتفضل ساكتة زي كل مرة.
بص لي، وبعدها حط ملف جديد على الترابيزة.
ـ سلوى، أنا مدين لك باعتذار، حتى لو إنتِ ما تعرفينيش كويس. لأن اللي حصل ماكانش المفروض يحصل من الأساس.
فتحت الملف، ولقيت فيه إيصالات تحويل، وصورة عقد بيع، وخطاب من مكتب محاماة.
لكن أول ورقة كانت كفاية تخليني أفهم إن الموضوع لسه فيه تفاصيل ماحدش قالها.
كان مكتوب فيها إن المبلغ اللي أنا حولته لخالة طه ماكانش هو المبلغ الوحيد اللي اتدفع في الشقة.
كان فيه مبلغ تاني، أكبر، اتسجل باسم شخص مختلف.
رفعت عيني لسامح وسألته:
ـ مين اللي دفع باقي الفلوس؟
سامح بص لأمه، وبعدها قال:
ـ الشخص اللي دفع باقي المبلغ كان…
وفجأة، حماتي قامت من مكانها، وخطفت الورقة من إيده.
ـ خلاص! كفاية لحد كده!
كلنا اتصدمنا من رد فعلها.
طه وقف قدامها وقال:
ـ لأ يا أمي. المرة دي مش هينفع تقفلي الموضوع بالطريقة دي. إحنا لازم نعرف الحقيقة كاملة.
حماتي بصت لي، وعينيها كانت مليانة خوف وغضب في نفس الوقت.
وبعدين قالت جملة خلت مروة تصرخ من الصدمة:
ـ أنا عملت كل ده عشان أحميكم من فضيحة، لكن لو الورقة دي اتقرت للآخر، مش سلوى بس اللي هتتظلم… فيه حد تاني من العيلة ممكن يخسر كل حاجة.
وساعتها فهمت إن الموضوع ما بقاش مجرد فلوس اتأخرت، ولا إهانة حصلت في فرح.
كان فيه سر عائلي قديم، وكل واحد فيهم كان بيحاول يخبي جزء منه.
لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن آخر سطر في الورقة اللي حماتي كانت بتحاول تمنعنا من قراءته، كان فيه اسم الشخص اللي اتاخد القرار كله عشانه…
والاسم ده كان اسم واحدة ماحدش في البيت كله كان متوقع إنها تكون طرف في الحكاية.
يتبع…
وتحته مباشرة، كان مكتوب تاريخ يرجع لنفس الشهر اللي أنا حولت فيه الفلوس لخالة حماتي.
رفعت عيني لطه، وأنا مش قادرة أتكلم.
وهو، بدل ما يسألني عن الورقة، فضل باصص لها كأنه شاف حاجة كان بيتمنى إنها تفضل مدفونة طول عمرها.
وبعد لحظات من الصمت، قال جملة واحدة قلبت كل اللي كنت فاهمه:
ـ سلوى… قبل ما تحكمي عليا، لازم تعرفي إن أمي خبت عنك الحقيقة دي سبع سنين… وأنا نفسي ماكنتش أعرف إنها لسه محتفظة بالدليل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




