روايات وقصص

اماني السيد

قلت:

ـ فاهم.

ابتسمت.

ومشيت.

بعدها بأيام، أختي راحت لها.

قعدت قدامها.

وقالت:

ـ أنا آسفة.

مراتي سكتت.

أختي كملت:

ـ أنا كنت شايفة نفسي أحسن منك، وكنت عايزة أخلي أخويا يشوفك بعيني.

مراتي قالت:

ـ وإنتِ ليه كنتِ بتكرهيني؟

أختي دموعها نزلت.

ـ مش عارفة.

ـ عارفة.

سكتت.

ـ يمكن كنت بخاف إنك تبقي أقرب واحدة له.

أختي بصت لها.

مراتي قالت:

ـ أنا عمري ما كنت عايزة أخد مكانك.

ـ عارفة دلوقتي.

ـ كنت محتاجة منك بس تحترميني.

أختي بكت.

ـ أنا آسفة.

مراتي ما قالتش سامحتك.

لكنها قالت:

ـ ربنا يسامحنا كلنا.

وده كان كفاية.

بعد سنة تقريبًا، حصل موقف ما كنتش متوقعه.

والد مراتي تعب.

روحت المستشفى.

وقفت بعيد.

ما دخلتش عليه إلا لما سمحوا لي.

مراتي كانت واقفة جنبه.

لما شافتني، ما اتكلمتش.

قربت منها.

ـ لو محتاجة أي حاجة…

قالت:

ـ عارفة.

وقفت جنبها.

مش كزوج.

ولا كخطيب.

ولا كحد له حق.

مجرد إنسان بيحاول يصلح أثر غلطه.

مرت أيام صعبة.

والدها اتحسن.

وفي يوم وأنا خارج من المستشفى، لقيتها بتقول:

ـ استنى.

لفيت.

قالت:

ـ ممكن نتكلم؟

قلبي دق.

قعدنا في مكان هادي.

قالت:

ـ أنا فكرت كتير.

سكت.

ـ في اللي حصل.

ـ وأنا كمان.

ـ عارفة.

ـ إنتِ عايزة تقولي إيه؟

قالت:

ـ مش عايزة أرجع للنسخة القديمة من حياتنا.

قلت:

ـ ولا أنا.

ـ ولو رجعنا، لازم نبدأ من الصفر.

ـ موافق.

ـ ومن غير أختك تدخل في حياتنا.

ـ موافق.

ـ ومن غير مقارنات.

ـ موافق.

ـ ومن غير ما تسمح لأي حد يأثر على قرارك.

قلت:

ـ موافق.

سكتت.

ثم قالت:

ـ وأنا كمان مش عايزة أعيش وأنا خايفة إنك في يوم تسمع كلام حد تاني وتسيبني.

قلت:

ـ أنا مش هقدر أوعدك إن الناس مش هتتكلم.

ـ وأنا مش طالبة كده.

ـ أمال؟

ـ أوعدني إنك هتسمعني الأول.

بصيت لها.

ـ أوعدك.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

ـ طيب… نبدأ نتعرف على بعض من جديد.

ابتسمت.

ـ من جديد؟

ـ أيوه.

ـ يعني في أمل؟

قالت:

ـ ما تستعجلش.

ضحكت.

ولأول مرة من وقت طويل، ضحكت هي كمان.

رجعنا نتكلم.

مش كل يوم.

ومش بنفس الطريقة القديمة.

لكن بهدوء.

مرة نتقابل.

مرة نتكلم في التليفون.

مرة نختلف.

مرة نتفق.

وكان أهم شيء إننا كنا بتعلم نسمع بعض.

أما أختي، فبقت مختلفة تمامًا.

في أول مرة جمعتنا فيها على الغداء، وقفت قبل ما نقعد وقالت:

ـ أنا عايزة أقول حاجة.

مراتي بصتلها.

قالت:

ـ أنا مش عايزة أي حاجة من اللي حصل زمان تتكرر.

أختي قالت:

ـ ولا أنا.

ثم بصت لي وقالت:

ـ وأنت كمان.

ضحكت.

ـ حاضر.

قعدنا.

وكان الغداء بسيط.

مفيش فندق.

مفيش موسيقى.

مفيش ناس كتير.

لكن لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت فيه راحة.

بعد فترة، اتجوزنا مرة تانية.

المرة دي ما كانش فيها قاعة ضخمة.

ولا استعراض.

ولا ناس كتير.

كان تجمع عائلي بسيط.

وأختي كانت أول واحدة واقفة جنب مراتي.

وقبل ما ندخل، أختي مسكت إيدها وقالت:

ـ أنا خسرتك زمان بسبب غروري.

مراتي ابتسمت:

ـ وإحنا كسبنا بعض دلوقتي.

دخلنا.

وكانت البداية الجديدة مختلفة.

أنا ما بقيتش أشوف مراتي من خلال عيون أي حد.

ولا من خلال شكلها.

ولا من خلال أصحاب أختي.

ولا من خلال كلام الناس.

بقيت أشوفها من خلال كل موقف عاشته معايا.

وكل مرة اختارتني فيها وأنا ما كنتش أستاهل.

وفي آخر الليل، بعد ما كل الناس مشيت، وقفت مراتي جنبي وقالت:

ـ فاكر أول مرة اتجوزنا؟

قلت:

ـ أيوه.

ـ كنت مبسوط؟

ضحكت.

ـ كنت غبي.

ضحكت وقالت:

ـ ليه؟

قلت:

ـ لأني كنت فاكر إن السعادة في إن الناس تعجب بالشخص اللي معايا.

وبصيت لها.

ـ وما كنتش فاهم إن السعادة إن الشخص اللي معايا يكون هو اللي أقدر أرجع له وأنا تعبان.

قالت:

ـ اتعلمت؟

قلت:

ـ متأخر.

قالت:

ـ المهم إنك اتعلمت.

مسكت إيدها.

وقلت:

ـ عمري ما هنسى اليوم اللي وقفتي فيه قدام الناس وقلتيلي: “أنا مراتك.”

سكتت.

قلت:

ـ وقتها كنت أضعف راجل في المكان.

ـ ليه؟

ـ لأنك كنتِ أقوى مني.

ابتسمت.

وبعدين قالت:

ـ وأنا مش عايزة أبقى أقوى منك.

ـ أمال؟

ـ عايزة نبقى أقوياء مع بعض.

حضنتها.

المرة دي ما كانش فيه ناس تتفرج.

ولا أخت تقارن.

ولا واحدة تحاول تثبت إنها أحسن من واحدة.

كان فيه اتنين اتعلموا الدرس بالطريقة الصعبة.

إن البيت مش معرض.

وإن الزوجة مش قطعة أثاث تتقارن بغيرها.

وإن الشكل مش هو اللي بيحدد قيمة الإنسان.

وإن أخطر شخص ممكن يدخل بين اتنين مش دايمًا بيكون شخص غريب…

أحيانًا بيكون أقرب الناس ليك.

لكن الحقيقة الأهم إن محدش يقدر يبوظ بيتك لو أنت حاطط حدود واضحة.

أنا خسرت مراتي مرة.

وخسرت ثقتها.

وخسرت احترام ناس كتير ليا.

وخسرت وقت ما يرجعش.

لكن ربنا اداني فرصة أصلح.

ومراتي ما نسيتش اللي حصل.

هي بس اختارت إنها ما تعيشش أسيرة له.

وأنا فهمت إن التوبة الحقيقية مش كلمة “آسف”.

التوبة الحقيقية إنك تغير الشخص اللي عمل الغلط.

ومن يومها، كل ما أشوف حد بيقارن بين زوجته وبين واحدة تانية، بقول له نفس الجملة:

“إوعى تشوف مراتك بعين حد تاني.”

لأن أنا شوفتها بعين أختي…

فضيعتها.

ولما شوفتها بعيني أنا…

عرفت قيمتها.

وعرفت إن اللي كنت بدور عليه في كلام الناس ومظهرهم وانبهارهم، كان موجود في بيتي من البداية.

بس أنا كنت أعمى عنه.

أما أختي، فبقت كل ما تشوفني أنا ومراتي مع بعض، تبتسم وتقول:

ـ الحمد لله إنك رجعت لعقلك.

وأنا أضحك وأرد:

ـ لأ… أنا المرة دي بس بدأت أستخدمه.

فتضحك مراتي.

وأختي تضحك.

وأنا أبص لهم وأفتكر اليوم اللي كنت فاكر فيه إن حياتي الجديدة هتبدأ لما أسيب القديمة.

وأعرف إن أكبر غلطة عملتها في حياتي كانت إني رميت نعمة كانت موجودة في إيدي، عشان كلام ناس ما يعرفوش عن حياتي حاجة.

ومن يومها، بقيت مؤمن إن بعض الخسارات مش بتكون لأن اللي خسرناه قليل…

لكن لأننا إحنا اللي ما عرفناش قيمته إلا بعد ما كاد يضيع مننا.

والحمد لله…

المرة دي، لما رجعت مراتي لبيتي، ما رجعتش عشان أنا اخترتها من بين غيرها.

رجعت لأنها اختارت تسامحني.

وأنا أقسمت لنفسي إني ما أخليش حد تاني يقرر لي مين أحب، ومين أحترم، ومين يستحق مكانه في حياتي.

لأن البيت اللي يسمح للناس تحط فيه مقارناتهم…

ممكن ينهار من كلمة.

لكن البيت اللي صاحبه يعرف قيمة شريك حياته ويحافظ على كرامته…

حتى لو الدنيا كلها اتكلمت، يفضل واقف.

وكنت كل ليلة قبل ما أنام أبص لمراتي وأقول لنفسي:

“دي مش المرأة اللي رجعتلك.”

“دي المرأة اللي كان لازم تحافظ عليها من البداية.”

وساعتها كنت أعرف إن بعض الفرص لما بترجع…

مش بترجع عشان نكرر نفس الحكاية.

بترجع عشان نكتب نهاية مختلفة.

ودي كانت نهايتنا…

مش نهاية حب مثالي.

لكن نهاية اتنين اتعلموا إن الحب الحقيقي مش في إنك تلاقي شخص أحسن من اللي معاك…

الحب الحقيقي إنك تعرف قيمة الشخص اللي معاك، قبل ما تضطر تدور عليه بعد ما يضيع.

عدّت شهور طويلة، وكل يوم كان بيعدّي علينا كان بيأكدلي إن الرجوع الحقيقي مش معناه إننا نمسح الماضي، لكن معناه إننا نتعلم منه.

مراتي ما نسيتش اللي حصل، وأنا ما طلبتش منها تنساه.

كنت كل ما أحس إنها خايفة أو مترددة، أفتكرها إني أنا السبب، وإن من حقها تاخد وقتها.

ومع الوقت، الثقة بدأت ترجع حبة حبة.

أختي كمان اتغيرت، وبقت علاقتها بمراتي مبنية على الاحترام مش المنافسة.

وفي يوم كنا قاعدين كلنا سوا، أختي بصت لمراتي وقالت:

ـ فاكرة أول مرة شوفتك فيها؟

ضحكت مراتي وقالت:

ـ فاكرة.

أختي نزلت عينيها وقالت:

ـ أنا كنت غلطانة.

مراتي ابتسمت وقالت:

ـ كلنا بنغلط.

أختي ردت:

ـ بس أنا غلطت في حقك.

مراتي مسكت إيدها وقالت:

ـ خلاص يا حبيبتي… المهم إننا عرفنا الحقيقة.

بصيت لهم وأنا ساكت.

وقتها فهمت إن بعض البيوت ما بتتهدش بسبب مشكلة كبيرة.

أحيانًا كلمة صغيرة، مقارنة صغيرة، تدخل من شخص قريب، ممكن تعمل شرخ يكبر يوم بعد يوم.

وأنا كنت السبب الأكبر، لأني سمحت لحد تاني يشوف مراتي بعينه، بدل ما أشوفها بعيني أنا.

ومن يومها، لو حد حاول يقارنها بغيرها، كنت أول واحد أوقفه.

ولو حد اتكلم عنها بطريقة تقلل منها، كنت أرد بمنتهى الوضوح:

ـ دي مراتي… وأي حد يحترمني لازم يحترمها.

أما هي، فكانت كل مرة تسمع الجملة دي تبتسم.

وفي آخر ليلة من الحكاية دي، وإحنا قاعدين في البلكونة، بصتلي وقالت:

ـ إنت اتغيرت أوي.

ضحكت وقلت:

ـ عشان خسرتك مرة.

قالت:

ـ ورجعتني إزاي؟

بصيت لها وقلت:

ـ إنتِ اللي رجعتي.

هزت راسها وقالت:

ـ لأ… إحنا اللي رجعنا بعض.

مسكت إيدها وقلت:

ـ المرة دي مش هسمح لحد يدخل بينا.

ابتسمت وقالت:

ـ وأنا مش هسمحلك تهرب من الكلام لما تزعل.

ضحكت.

وضَحكت هي كمان.

وساعتها عرفت إن أجمل حاجة حصلتلي مش إني رجعت مراتي…

لكن إني اتعلمت أخيرًا قيمتها.

لأن الإنسان ممكن يلاقي ألف شخص يعجبوا بيه…

لكن مش سهل يلاقي شخص يفضل واقف جنبه وقت ضعفه، ويستحمل عيوبه، ويفرح لفرحه، ويشد على إيده وقت ما يقع.

وأنا كنت محظوظ إني أخدت فرصة تانية.

وعشان كده، عمري ما نسيت الدرس:

ما تسمحش لأي حد يققارن شريك حياتك بغيره.

وما تسمحش لكلمة من شخص تاني تهدم سنين من العِشرة.

وأهم حاجة…

ما تكتشفش قيمة الإنسان اللي جنبك بعد ما تخسره.

لأن في ناس لو خرجت من حياتك…

ممكن تندم طول عمرك إنك ما عرفت قيمتها وهي لسه جنبك.

أما أنا…

فربنا كتبلي فرصة تانية.

والمرة دي، قررت أحافظ عليها بإيدي…

لحد آخر العمر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى