
لكن شكلها كان مختلف.
ما كانتش الست اللي شفتها في الفرح.
كانت هادية.
قوية.
ووشها رغم الحزن كان فيه راحة غريبة.
قالت:
ـ إنت لسه هنا؟
قمت.
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ عشان أعتذر.
ـ الاعتذار مش هيرجع اللي حصل.
ـ عارف.
ـ ومش هيمسح اللي اتقال قدام الناس.
ـ عارف.
ـ ومش هيخليني أنسى إنك طلقتني من غير ما أعرف.
قلت:
ـ عارف.
سكتت.
قلت:
ـ أنا غلطت.
قالت:
ـ لأ.
استغربت.
ـ إيه؟
قالت:
ـ إنت ما غلطتش مرة.
سكت.
ـ إنت أخدت قرارات كتير ورا بعض، وكل قرار كان بيظلم حد.
نزلت عيني.
قالت:
ـ وأنا مش عايزة أرجعلك.
الكلمة كانت متوقعة.
لكن لما سمعتها، حسيت كأن الأرض اتحركت تحتي.
قلت:
ـ أنا فاهم.
ـ لا، مش فاهم.
بصيت لها.
قالت:
ـ لو كنت رجعتلي بعد ما اكتشفت إن ليا مش مناسبة، كنت هتبقى بتختارني كبديل.
سكت.
ـ وأنا مش عايزة أكون بديل لحد.
الكلمة دي خلتني أسكت تمامًا.
قالت:
ـ أنا كنت معاك وأنا فاكرة إنك شايفني أنا.
ـ كنت شايفك.
ـ لا.
ـ كنت.
ـ لو كنت شايفني، ما كنتش سمحت لحد يقنعك إني أقل من غيري.
ما لقيتش رد.
قالت:
ـ روح.
مشيت.
لكن قبل ما أنزل السلم، قالت:
ـ على فكرة…
لفيت.
ـ أنا مش بكرهك.
سكت.
ـ بس مش قادرة أحبك زي الأول.
نزلت.
وأنا عارف إن دي كانت أقسى جملة سمعتها في حياتي.
مرت أسابيع.
الجواز الجديد انتهى بسرعة، لكن الكلام عنه ما انتهيش.
ليا اتهمتني إني خدعتها.
أختي غضبت مني.
بعض الناس قالوا إني رجعت لعقلي.
وبعضهم قالوا إني مجنون.
لكن لأول مرة ما اهتمتش بكلام حد.
بدأت أعيش لوحدي.
أروح شغلي.
أرجع بيتي.
وأتعلم أعمل حاجات كانت مراتي بتعملها من غير ما أفكر.
الأكل.
تنظيف البيت.
الغسيل.
حتى ترتيب السرير.
اكتشفت إن الحياة اللي كنت باعتبرها عادية، كانت قائمة على مجهود إنسانة أنا ما شكرتهاش بما يكفي.
وفي يوم، جالي اتصال من والدها.
قال:
ـ تعالى.
روحت.
كان قاعد في الصالة.
بصلي وقال:
ـ بنتي مش هترجعلك.
قلت:
ـ عارف.
ـ أمال جيت ليه؟
ـ عشان أعرف أقدر أصلح إيه.
قال:
ـ في حاجات ما بتتصلحش.
سكت.
ـ لكن في حاجات ممكن تتعوض.
رفعت عيني.
ـ زي إيه؟
قال:
ـ كرامتها.
قلت:
ـ إزاي؟
ـ إنك تعترف قدام الناس إنك ظلمتها.
اتصدمت.
ـ قدام الناس؟
ـ زي ما أهنتها قدام الناس، لازم تصلح اللي حصل قدام الناس.
سكت.
قال:
ـ مش عشان ترجعلك.
ـ عارف.
ـ عشان هي تستحق إن الحقيقة تتقال.
وافقت.
بعد يومين، طلبت من أختي تجمع العيلة.
جت وهي متضايقة.
ـ إنت ناوي تعمل إيه؟
قلت:
ـ هقول الحقيقة.
ـ أي حقيقة؟
ـ كل حاجة.
ـ لأ.
ـ أيوه.
ـ هتفضحني؟
قلت:
ـ أنا مش جاي أفضحك.
ـ أمال؟
ـ جاي أقول إني أنا المسؤول.
اجتمعنا.
وقفت قدام الكل.
أختي كانت قاعدة ووشها متوتر.
ليا ما كانتش موجودة.
قلت:
ـ أنا جمعتكم عشان أقول حاجة.
سكت الكل.
ـ اللي حصل في فرحي ما كانش صدفة.
أختي اتحركت.
ـ أنا اللي سمحت إن مراتي تتأذى.
وبصيت لأختي.
ـ وأختي كانت سبب كبير في إن الصورة تتشوّه في دماغي، لكن القرار كان قراري أنا.
سكتت أختي.
كملت:
ـ مراتي ما كانتش قليلة.
ولا كانت أقل من حد.
ولا كانت أقل من مستوى عيلتنا.
أنا اللي كنت قليل في حقها.
بدأت واحدة من قريباتنا تبكي.
قلت:
ـ أنا سمحت بالمقارنات تدخل بيتي.
وسمحت لحد يقنعني إن قيمة الإنسان في شكله ولبسه وأصحابه.
لكن الحقيقة إن الإنسان بيتعرف وقت الشدة.
والست اللي كانت معايا في شدتي أنا اللي رميتها عشان كلام ناس.
أختي قامت:
ـ كفاية.
بصيت لها.
ـ لأ، مش كفاية.
قالت:
ـ إنت بتلومني على كل حاجة.
ـ أنا بلوم نفسي الأول.
ـ طب وإنت مشفتش حاجة؟
ـ شفت.
ـ ومراتك ما كانتش ملاك.
قلت:
ـ ولا أنا كنت ملاك.
سكتت.
ـ لكن ده ما يدينيش الحق أهينها.
وبعدين قلت:
ـ وأنا بطلب من كل واحد فيكم لو يوم من الأيام اتكلم عن اللي حصل، يقول الحقيقة.
ـ إيه الحقيقة؟
قلت:
ـ إنها ما اتطلقتش لأنها أقل من غيرها.
اتطلقت لأن جوزها ما عرفش يحافظ عليها.
بعدها مشيت.
مرات لأول مرة أختي ما قالتش حاجة.
بعد فترة، بدأت تبعد عن أصحابها اللي كانوا بيشجعوها على المقارنات.
وفي يوم جاتلي وقالت:
ـ أنا غلطت.
بصيت لها.
ـ في إيه؟
قالت:
ـ في كل حاجة.
ـ الاعتذار مش ليا.
ـ عارفة.
ـ اعتذري لها.
هزت رأسها.
ـ هتقبل؟
قلت:
ـ مش مهم.
ـ إنت لسه عايز ترجع لها؟
سكت.
قلت:
ـ عايزها تسامحني.
ـ حتى لو ما رجعتش؟
ـ حتى لو ما رجعتش.
مرت شهور.
كنت ببني نفسي من جديد.
وبدأت أكتشف إن الحب مش إنك تفضل تقول للشخص إنه جميل.
الحب إنك تحترمه لما يكون تعبان.
إنك ما تقارنهش.
إنك تحافظ على كرامته حتى لو اختلفتوا.
وفي يوم وأنا خارج من الشغل، شوفتها.
كانت ماشية في الشارع مع والدتها.
وقفت.
هي شافتني.
اتقابلت عيوننا.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
أنا كمان ابتسمت.
ما جريتش عليها.
ما طلبتش منها ترجع.
بس قلت:
ـ عاملة إيه؟
قالت:
ـ الحمد لله.
ـ كويسة؟
ـ الحمد لله.
سكتنا.
وبعدين قالت:
ـ سمعت اللي قلته.
ـ فين؟
ـ بابا حكالي.
ـ كنت عايز أقول الحقيقة.
قالت:
ـ عارف.
ـ أنا آسف.
قالت:
ـ عارفة.
ـ سامحتيني؟
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ يمكن.
قلبي دق.
لكن ما ضغطتش عليها.
قالت:
ـ بس السماح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.



