
ثم قال:
— أنا جيت آخد صافي.
أول ما سمعت الصوت، حسيت إن جسمي كله اتشل.
بنتي ضمت بنتها لصدرها، وجمال وقف قدامي، ورفعت بص ناحية الباب.
المقبض اتحرك ببطء.
مرة…
واتنين…
وبعدين الباب اتفتح.
الراجل دخل.
كان لابس بدلة بسيطة، ونضارة طبية، وفي إيده ملف أسود.
أول ما شفته، عرفته.
هو نفس الراجل اللي ظهر في الصورة.
الدكتور.
بص لي وقال بهدوء:
— مساء الخير يا صافي.
أنا رجعت خطوة.
— إنت…
ابتسم.
— أيوه. أنا الدكتور اللي قال لك إن جوزك مات بأزمة قلبية.
جمال اندفع ناحيته.
— إنت اللي قتلت عماد؟
الدكتور رفع إيده.
— مش بالطريقة اللي فاكرها.
رفعت قال:
— قول الحقيقة.
الدكتور بص له.
— الحقيقة إن عماد مات بسبب قلبه.
صرخت:
— كداب!
فتح الملف.
— عندي التقرير الأصلي.
رمى الورقة على الترابيزة.
جمال أخدها.
قرأها.
وبعدين وشه اتغير.
أنا قلت:
— فيه إيه؟
قال:
— التقرير بيقول إن الوفاة طبيعية.
بصيت للدكتور.
— يبقى ليه كل اللي حصل؟
قال:
— لأن عماد قبل ما يموت كان فاهم إن فيه ناس بتزور عقود وبتسرق ملكيات، وحاول يفضحهم.
— وإنت كنت منهم؟
— لأ.
— أمال؟
— كنت بحاول أمنعه من تهور ممكن يضيع حياته.
رفعت ضحك.
— وإنت عايزنا نصدقك؟
الدكتور بص له.
— أنت أكتر واحد عارف إني كنت بحاول أحميه.
سكت رفعت.
الدكتور كمل:
— المشكلة إن عماد ماكانش واثق في حد.
بصيت لجمال.
— حتى إنت؟
جمال قال:
— حتى أنا.
الدكتور قال:
— قبل موته، عماد كتب كل حاجة في تسجيل وصية.
— وإحنا سمعناه.
— لا.
هز راسه.
— اللي سمعتيه جزء.
طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
— الجزء الكامل هنا.
جمال قال:
— ليه جبتها؟
الدكتور بص لي.
— عشان تعرفي إن جوزك ماطلبش من جمال يتجوزك عشان الشقة.
بصيت لجمال.
— أمال ليه؟
جمال قال:
— لأنه كان خايف عليكي.
سكت.
ثم كمل:
— كان عارف إن بعد موته، ناس هتحاول تقرب منك عشان تعرف مكان المستندات.
— وإنت قربت مني.
— أيوه.
— واتجوزتني.
— أيوه.
— من غير ما تقول لي.
نزل عينه.
— دي كانت أكبر غلطة عملتها.
الدكتور قال:
— لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيت له.
— إيه؟
— عماد ماكانش بيخبي مستندات ملكية وبس.
— أمال إيه؟
فتح الملف.
طلع صورة قديمة.
كانت صورة لشخص صغير.
أنا قربت منها.
— ده مين؟
الدكتور قال:
— ابن عماد.
اتصدمت.
— جوزي ماكانش له ابن.
— كان.
بنتي قالت:
— يعني إيه؟
الدكتور قال:
— كان له ابن مات وهو صغير.
سكتنا.
— مات إزاي؟
— في حادثة.
بصيت للصورة.
ثم لاحظت اسم مكتوب خلفها.
يوسف.
قلت:
— وإيه علاقة يوسف بكل ده؟
الدكتور قال:
— الحادثة ماكانتش حادثة عادية.
جمال قال:
— عماد اكتشف بعد سنين إن العربية اللي اتعرض لها ابنه للحادث كانت متلاعب فيها.
رفعت قال:
— وبدأ يدور.
الدكتور هز راسه.
— ووصل لأسماء ناس كبار.
قلت:
— عشان كده قتلوه؟
الدكتور قال:
— ماحدش قتله.
— أمال مات إزاي؟
— قلبه توقف بسبب أزمة مفاجئة.
— وإنت متأكد؟
— أيوه.
— طب ليه كل الخوف ده؟
الدكتور قال:
— لأن عماد كان خايف إنهم يزوروا الحقيقة بعد موته.
سكتُّ.
وبعدين بصيت لجمال.
— وإنت ليه فضلت ساكت؟
قال:
— لأنه طلب مني.
— وطلب منك تتجوزني؟
هز راسه.
— قال لي: “لو صافي فضلت لوحدها، الناس دي هتدخل حياتها. خليك قريب منها، ولو حبتك اتجوزها، ولو ماحبتكش ابعد عنها.”
دموعي نزلت.
— يعني كنت مجرد أمانة عنده؟
جمال قال:
— في البداية.
— وفي النهاية؟
قرب خطوة.
— في النهاية بقيتي حياتي.
سكت.
ماقدرتش أصدقه بسهولة.
لكن لأول مرة، شفت الندم الحقيقي في عينيه.
بنتي قالت:
— ومين كان بيراقبني أنا؟
الدكتور قال:
— أشخاص كانوا عايزين يعرفوا هل والدتك لقت المستندات أم لا.
— وجوزي؟
الدكتور بص لها.
— كان متورطًا في البداية، لكنه حاول يخرج.
بنتي سألته:
— والست اللي كنت بتكلم معاها؟
— كانت بتشتغل لصالحهم.
سكتت.
ثم قالت:
— يعني أنا كنت عايشة وسط ناس كلهم بيكدبوا عليا.
الدكتور قال:
— للأسف.
رفعت فجأة قال:
— وأنا؟
الدكتور بص له.
— إنت عملت أخطر غلطة.
— إيه؟
— حاولت تستغل خوف عماد وتاخد الأوراق لنفسك.
رفعت سكت.
جمال قال:
— وعشان كده كان بيراقبك.
رفعت قال:
— أنا ما أذيتوش.
— لكنك خبّيت تقريره.
رفعت نزل عينه.
أنا قلت:
— ليه؟
قال:
— كنت خايف.
— من مين؟
— من الناس اللي كنت شغال معاهم.
الدكتور قال:
— وده سبب إن الحقيقة اتأخرت.
سكت الجميع.
ثم التفتُّ لجمال.
— وأنا؟
— إيه؟
— إنت هتعمل إيه دلوقتي؟
قال:
— اللي إنتِ عايزاه.
— لو قلت لك تمشي؟
وشه انكسر.
— همشي.
— ولو قلت لك تفضل؟
— هفضل.
بصيت له طويلًا.
ثم قلت:
— أنا مش هقدر أنسى إنك كذبت عليا.
هز راسه.
— عارف.
— ومش هقدر أنسى اللي حصل لبنتي.
— عارف.
— لكني كمان مش هظلمك بحاجة ماعملتهاش.
دموعه نزلت.
— شكرًا.
قلت:
— متشكرنيش.
وبصيت لبنتي.
كانت بتعيط.
قربت منها.
— حقك عليا يا بنتي.
انهارت في حضني.
— وأنا كمان غلطت يا ماما.
حضنتها.
— أهم حاجة إن بنتك بخير.
بصينا ناحية حفيدتي.
كانت نايمة بهدوء.
الحمد لله.
بعد أيام، اتكشف جزء كبير من الحقيقة رسميًا، واتراجع ملف وفاة جوزي الأول، واتضح إن مفيش دليل يثبت إنه اتقتل، لكن كان فيه تلاعب ومحاولات لإخفاء مستندات وتحويلات وملفات تخص العقارات.
أما رفعت، فتم التحقيق معاه في الأوراق والتلاعبات.
والدكتور قدم المستندات اللي كانت عنده.
وجمال…
رجع معايا الشقة.
لكن العلاقة بيننا ما رجعتش زي الأول.
أنا احتجت وقت.
وقت طويل.
في أول ليلة بعد ما رجعنا، قعدت لوحدي قدام صورة جوزي الأول.
قلت:
— ارتاح يا عماد.
وبعدين بصيت للساعة القديمة.
كانت لسه شغالة.
عقاربها بتتحرك بهدوء.
زي ما كانت بتتحرك يوم كان البيت مليان.
يومها فهمت إن بعض الأسرار ممكن تفضل مدفونة سنين، لكن الحقيقة مهما اتأخرت، بتلاقي طريقها.
أما بنتي، فبعد فترة بدأت حياتها من جديد.
أخذت بنتها، وبدأت تشتغل وتبني نفسها بعيد عن الخوف.
وجمال وقف جنبنا، لكن المرة دي من غير أسرار.
كل حاجة بقت واضحة.
وفي يوم، دخلت بنتي عليا وقالت:
— ماما؟
— نعم؟
— إنتِ لسه بتحبي جمال؟
بصيت لها.
ابتسمت.
— الحب لوحده مش كفاية يا بنتي.
— أمال إيه؟
— الصراحة والأمان.



