
بعد يومين، اتصلت بها حماتها. مريم ما كانتش عايزة ترد لكنها ردت: “ألو.” نعمة قالت: “إنتِ عملتي إيه يا مريم؟” “تقصدِ إيه؟” “البنك كلمني.” “وأنا مالي؟” “بتسألي؟” “أنا طلبت استرداد فلوسي.” “فلوس إيه؟ دي فلوس ابني.” “طارق حولها من حسابي.” “يعني جوزك ما يقدرش يتصرف في فلوس بيته؟” مريم قالت: “لو كانت فلوس البيت، كان ناقشني.” “هو ابني.” “وأنا مراته.” “وأنا أمه.” “وده مش مبرر.” نعمة صوتها ارتفع: “إنتِ ناوية تفضحي ابني؟” “أنا مش بفضحه.” “أمال بتعملي إيه؟” “باخد حقي.” نعمة سكتت وبعدين قالت: “إنتِ مش عارفة أنا دفعت الفلوس في إيه.” “دفعتِها في المطبخ.” “أيوه.” “يبقى ترجعيها.” “المطبخ اتعمل.” “اتصرفي.” نعمة ضحكت بسخرية: “إنتِ فاكرة إن الدنيا ماشية بأوامرك؟” “لا.” “يبقى اسمعي الكلام.” “مش هسمع غير الكلام اللي يحفظ حقي.” نعمة قالت: “طارق هيطلب سليم.” مريم سكتت. “سمعتي؟” “أيوه.” “وساعتها هتندمي.” مريم قفلت المكالمة، وبعدها بدقيقة وصلها إشعار رسالة من طارق: “جهزي نفسك.” بس. مريم فضلت باصة للرسالة ثم حطت التليفون على الترابيزة. دخل سليم عليها: “ماما؟” “نعم يا حبيبي.” “بابا هيرجع؟” مريم اتألمت: “ليه بتسأل؟” “عشان وحشني.” مريم حضنته: “بابا مهما حصل هيفضل باباك.” سليم قال: “هو زعلان مني؟” “لأ.” “طب ليه مش بييجي؟” مريم ما عرفت ترد، ضمته أكتر. “ماما؟” “نعم؟” “إنتِ زعلانة؟” مريم ابتسمت وسط دموعها: “شوية.” “أنا هخليكي تضحكي.” “إزاي؟” عمل وش مضحك، مريم ضحكت غصب عنها، وفي اللحظة دي عرفت إن عندها سبب حقيقي تقاوم عشانه؛ مش عشان الفلوس، مش عشان الشقة، عشان الطفل اللي واقف قدامها ومحتاج يحس إن الدنيا لسه أمان.
بعد أسبوع، وصلها إخطار بموعد جلسة. طارق فعلًا بدأ إجراءات قانونية. مريم حسّت برعشة، لكنها راحت للمحامي وقدمت كل المستندات. وفي يوم الجلسة، دخلت وهي ماسكة إيد سليم. طارق كان واقف بعيد وبجانبه أمه. أول ما شاف مريم، بص لسليم ثم قال: “تعالي يا ابني.” سليم بص لمريم، فمريم نزلت لمستواه: “روح سلم على بابا.” سليم جري عليه وطارق شاله، لكن بعد ثواني بدأ يسأله: “إنت بتحب بابا؟” “آه.” “تحب تعيش مع بابا؟” سليم سكت، ومريم حسّت إن قلبها هيقف. المحامي قرب منها وهمس: “خليكي هادية.” طارق كمل: “ماما بتزعق لك؟” سليم بص ناحية مريم وبعدين قال: “ماما بتزعق لما أنا أعمل حاجة غلط.” طارق قال: “وبابا؟” “بابا مش بيزعق.” مريم ما اتحركتش. ثم سليم قال ببساطة: “بس بابا مش بيجيبلي أكل كتير.” طارق اتوتر: “مين قالك كده؟” “ماما.” “ماما قالتلك إيه؟” سليم فكر: “قالتلي إن بابا بيدور على شغل.” الجو سكت، والمحامي بتاع طارق حاول يغير الموضوع، لكن القاضي طلب إن الطفل ما يتحطش في ضغط. بعد الجلسة، طارق قرب من مريم: “إنتِ بتعلميه يقول كلام.” مريم ردت: “أنا ما علمتش ابني حاجة.” “هتشوفي.” “أنا شفت كفاية.” طارق قرب منها: “أنا ممكن أرجعلك الفلوس.” مريم بصت له: “إمتى؟” “لما أقدر.” “إمتى تقدر؟” “مش عارف.” “يبقى مفيش اتفاق.” “مريم، أنا عايز أصلح البيت.” “البيت اتكسر.” “يتصلح.” “مش بنفس الشكل.” طارق قال: “يعني خلاص؟” مريم بصت له ولأول مرة ما كانش في عينيها خوف: “أيوه.”
رجعت البيت، لكنها ما كانتش عارفة إن المفاجأة الأكبر لسه مستنياها. في نفس الليلة، وصلها إيميل من البنك. فتحت الرسالة وكان فيه تفصيل للعمليات محل الاعتراض. مريم بدأت تقرأ: التحويل الأول تم يوم الثلاثاء الساعة 2:13 صباحًا، الثاني يوم الأربعاء الساعة 1:47 صباحًا، الثالث يوم الخميس الساعة 3:06 صباحًا، والرابع الساعة 3:11 صباحًا. مريم عقدت حواجبها، كل التحويلات حصلت بعد منتصف الليل وهي في الوقت ده كانت نايمة. لكن فيه حاجة أغرب؛ فتحت تفاصيل العملية وظهر الجهاز المستخدم. مريم بصت للشاشة: اسم الجهاز لم يكن هاتفها، كان جهازًا آخر مسجلًا على الحساب. اتصلت بالبنك فقال الموظف: “حضرتك كان عندك جهاز تاني مسجل على الحساب؟” “لا.” “يبقى لازم نراجع الموضوع.” مريم حسّت بقشعريرة؛ طارق كان عنده رمز تليفونها، لكن إزاي دخل من جهاز تاني؟ في اليوم التالي راحت البنك فقال الموظف إن الجهاز تم تسجيله قبل عدة شهور. “قبل عدة شهور؟” “أيوه.” “مين سجله؟” “المفروض إن صاحب الحساب هو اللي سجله.” مريم خرجت وهي مش فاهمة. رجعت البيت وفتحت درج قديم طلعت منه ورقة كانت ناسية وجودها: إيصال شراء هاتف من حوالي تسعة شهور باسم طارق، لكنها ما فهمتش علاقته. دخلت على حسابها من الكمبيوتر وراجعت الأجهزة المرتبطة، وكان فيه جهاز باسم “Galaxy T”. مريم افتكرت إن طارق كان اشترى موبايل جديد من فترة وقال لها وقتها “قديمي باظ” وهي ما اهتمتش، لكن فجأة كل حاجة بدأت تركب.
اتصلت بالمحامي: “أستاذ حسام، أنا اكتشفت حاجة.” وحكت له فقال: “ما تعمليش أي حاجة.” “ليه؟” “لأن دي ممكن تكون مهمة جدًا. ابعتيلي كل المستندات.” مريم بعتت له الصور وبعد ساعتين اتصل بها: “مريم.” “أيوه؟” “في حاجة لازم تعرفيها.” “إيه؟” “التحويلات دي مش مجرد استخدام للتليفون.” “يعني؟” “لو البيانات اللي في المستندات صحيحة، ممكن يكون فيه جهاز تاني دخل على الحساب من فترة.” “طارق.” “ما تستعجليش.” “مين غيره؟” “مش عارف. بس لازم نتأكد.” مريم قالت: “أنا عايزة أعرف الحقيقة.” حسام قال: “هتعرفي.” بعد يومين، البنك أكد إن الجهاز تم تسجيله من خلال عملية تحقق تمت باستخدام بيانات مريم، لكن مريم كانت متأكدة إنها ما عملتش ده. لما واجهت طارق أنكر: “أنا ما عملتش حاجة.” “الموبايل الجديد بتاعك اتسجل على حسابي.” “يمكن البنك غلط.” “البنك مش هيخترع جهاز.” “إنتِ بتتهميني؟” “أنا بسألك.” “أنا ما عملتش.” مريم سكتت. طارق قال: “أنتِ بقيتي شكاكة.” “وأنت بقيت بتكدب.” “خلاص.” “خلاص.” وخرج.
لكن في الليلة نفسها، مريم سمعت صوت باب الشقة بيتفتح وكانت الساعة حوالي واحدة ونصف. خرجت من غرفة النوم ولقيت طارق واقف في الصالة. “إنت جيت إمتى؟” “جاي آخد هدومي.” “خدها.” طارق دخل غرفة النوم، وبينما كان بيجمع حاجته وقع من جيبه ورق. مريم انحنت تاخده فلقته كشف حساب، لكن مش حسابها.. حساب نعمة! مريم قرأت بسرعة: فيه مبلغ كبير دخل حساب حماتها بعد يوم واحد من أول تحويل، ثم مبلغ خرج بعدها بأيام، ثم مبلغ تاني. مريم قلبها دق: “طارق.” “إيه؟” “الفلوس اللي حولتها لمامتك راحت فين؟” طارق خطف الورقة من إيدها: “ملكِيش دعوة.” “دي فلوسي.” “قلتلك مامتك… يعني أمي… كانت محتاجاها.” “أمال ليه الفلوس خرجت من حسابها بعدها؟” سكت. “راحت فين؟” “ما أعرفش.” “إنت اللي حولت.” “ومش لازم أعرف هي عملت بيها إيه.” مريم بصت له طويلًا: “إنت عارف.” طارق ما ردش. “أنت عارف الفلوس راحت فين.” “مش هرد.” “ليه؟” “عشان مش هفضل واقف أتحقق معاكي.” مريم قالت بهدوء: “أنا مش محتاجة منك اعتراف.” طارق بص لها: “إيه؟” “المستندات بتتكلم.” طارق اتوتر: “إنتِ هتعملي إيه؟” “اللي كان لازم أعمله من أول يوم.” “مريم.” “إيه؟” “خلينا نقفل الموضوع.” “فات الأوان.” طارق سكت. مريم قالت: “أنت مش بس أخدت فلوسي.” “إنتِ بتتكلمي عن إيه؟” “أنت خبيت عليا حاجات.” “زي إيه؟” “مش عارفة لسه.” طارق بص لها، ولأول مرة مريم شافت في عينيه خوف حقيقي، وخرج من الشقة.
في اليوم التالي، المحامي طلب منها تقابله. دخلت المكتب وكان قدامها ملف كبير. قال: “أنا راجعت الأوراق.” “ولقيت إيه؟” “فيه حاجة لازم نعرفها قبل ما نعمل أي خطوة.” “قول.” “التحويلات مش كلها راحت للمطبخ.” مريم عقدت حواجبها: “يعني؟” “جزء من الفلوس اتحول لحساب آخر.” “حساب مين؟” حسام حط ورقة قدامها، مريم قرأت الاسم وسكتت؛ الاسم كان “طارق صلاح عبد الرحمن”. مريم رفعت عينيها: “ده حسابه.” “أيوه.” “بس إزاي؟” “التحويلات الأولى راحت لحساب والدته، وبعدها جزء منها انتقل لحسابه.” مريم حسّت إنها مش قادرة تتنفس: “هو كان بيقول إن الفلوس للمطبخ.” “واضح إن فيه حاجة تانية.” “ممكن يكون استخدمها في شغله؟” “ممكن.” “أو ديون؟” “ممكن.” “طيب نعرف إزاي؟” حسام قال: “بالتحقيق والمستندات.” مريم سكتت.
بعد أيام، ظهرت نتيجة التحريات المالية المتعلقة بالتحويلات؛ جزء من الأموال فعلًا اتصرف على شراء مستلزمات للمطبخ، لكن مبلغًا أكبر خرج من حساب نعمة إلى حساب طارق، ثم طارق سدد به دفعة متأخرة تخص قرضًا قديمًا. مريم كانت قاعدة في مكتب المحامي: “قرض؟” حسام هز راسه: “أيوه.” “طارق عليه قرض؟” “واضح.” “ليه ما قالليش؟” “دي نقطة لازم تسأليه عنها.” مريم ضحكت ضحكة حزينة: “أنا كنت فاكرة إنه عاطل.” “هو قال لك كده؟” “قال إنه بيدور على شغل.” “طيب.” “يعني كان عنده قرض، وأخذ فلوسي يسدده؟” “حسب المستندات، أيوه.” مريم غمضت عينيها وافتكرت كل الليالي اللي كانت قاعدة تشتغل فيها وتنام ساعتين، وافتكرت سليم وهو يقول “ماما أنا جعان”، وافتكرت اشتراك السباحة، وافتكرت طارق وهو بيضحك ويقول “بتعدلي الفواصل تاني؟”. دموعها نزلت لكنها مسحتها بسرعة: “أنا مش عايزة فلوسي بس.” المحامي قال: “إيه اللي عايزاه؟” “عايزة أعيش من غير ما أخاف.” حسام هز راسه: “وده حقك.”



