
وهنا طارق قال الجملة اللي حولت الخيانة المالية لحاجة أوحش بكثير:
—لو طردتيني، أنا هأخد سليم معايا.. ونشوف مين اللي هيعيط في الآخر لما نتخانق عليه في المحاكم.
مريم حست إن دمها اتجمد في عروقها.
لحد اللحظة دي كانت فاكرة إنها بتتخانق مع جوزها.
وفجأة فهمت إنها قدام شخص مستعد يستغل حتى ابنه عشان يرعبها.
واللي عملته مريم تاني يوم كان حاجة لا طارق ولا أمه كانوا يتخيلوا أبداً إن هيجيلها الشجاعة تعملها.
تاني يوم الصبح مريم صحيت قبل سليم بساعة. ما نامتش تقريبًا. فضلت طول الليل قاعدة على طرف السرير، وكل كلمة قالها طارق بتلف في دماغها. “لو طردتيني، أنا هاخد سليم معايا.” الجملة دي كانت أكتر حاجة مخوفاها. مش عشان مريم ضعيفة، ولا عشان هي مش عارفة تربي ابنها، لكن عشانها أم، والأأم ساعات ممكن تستحمل ظلم الدنيا كلها، بس مجرد فكرة إن حد يحاول ياخد ابنها منها كانت كفيلة إنها تحس إن الأرض بتتهز تحت رجليها. بصت جنبها، سليم كان نايم ببراءة، حضن المخدة الصغيرة بتاعته، وشعره منكوش على جبينه. مريم مدت إيدها ولمست خده، وهمست: “أنا مش هسيبك يا حبيبي.” قامت بهدوء، لبست هدومها، وقبل ما تصحيه دخلت المطبخ، فتحت الدولاب وكانت محتاجة ورقة وقلم. كتبت كل حاجة حصلت: تاريخ كل تحويل، المبلغ، اسم المستفيد، تاريخ بداية شغلها، المبلغ اللي كانت بتحوشه، وحتى اشتراك السباحة اللي اترفض. بعدها فتحت تليفونها وصورت كشف الحساب بالكامل، وفتحت البريد الإلكتروني بتاعها وكان عندها كل الإيميلات اللي بينها وبين العملاء وكل الملفات اللي سلمتها وكل إيصال دفع وكل تحويل دخل حسابها. مريم كانت طول عمرها بتحب تحتفظ بالحاجات دي، وطارق كان بيعتبرها وسوسة، لكن لأول مرة اكتشفت إن الحاجة اللي كان بيسخر منها ممكن تكون هي طوق النجاة بتاعها. بعدها فتحت تطبيق البنك، غيرت كلمة السر ورمز الدخول وفعلت التحقق بخطوتين، واتصلت بخدمة العملاء تحكي لهم إن فيه تحويلات تمت من حسابها من غير إذن واضح منها. الموظف سألها إذا كان صاحب الحساب نفسه ما نفذش التحويلات، فقالت: “أنا صاحبة الحساب، وما عملتش أي تحويل.” ولما سألها هل حد يعرف الرقم السري أو عنده وصول لتليفون حضرتك؟ سكتت ثواني وقالت: “جوزي كان عارف رمز فتح التليفون.” الموظف قال لها إنهم هيفتحوا بلاغ اعتراض، وإنها لازم تقدم المستندات المطلوبة للفرع.
مريم قفلت المكالمة واتصلت بوالدها: “بابا، أنا محتاجة منك خدمة.” صلاح رد فورًا: “قولي.” “ممكن تيجي تاخد سليم عندك كام ساعة؟” صوت أبوها اتغير: “ليه؟” “عندي مشوار لازم أخلصه.” “طارق موجود؟” “لا.” صلاح سكت لحظة: “مريم، إنتِ كويسة؟” “أنا كويسة يا بابا.” “إنتِ بتكذبي عليا.” مريم غمضت عينيها: “أنا خايفة يا بابا.” “من إيه؟” “من موضوع سليم.” صلاح قال بهدوء: “خلاص. أنا جاي.”
بعد أقل من ساعة كان واقف على باب الشقة. سليم جري عليه: “جدو!” صلاح شاله وباسه وبص لمريم، ما سألش قدام الولد بس نظراته كانت بتقول إنه فاهم. مريم قربت منه وهمست: “أنا رايحة البنك وبعدها محامي.” صلاح هز راسه: “اعملي اللي لازم يتعمل.” “بس لو طارق حاول ياخد سليم؟” صلاح حط إيده على كتفها: “يا بنتي، إنتِ مش لوحدك.” مريم بصت له: “أنا مش عايزة حرب.” قال لها: “ولا أنا. بس اللي بدأ الحرب هو اللي مد إيده على فلوسك وهددك بابنك.” الجملة دخلت قلبها، ولأول مرة مريم حسّت إن خوفها مش معناه إنها ضعيفة، الخوف كان موجود لكنها هتتحرك رغم وجوده.
راحت البنك وقدمت اعتراض رسمي، وبعدها خرجت واتجهت لمكتب محامي واحدة صاحبتها رشحته لها اسمه أستاذ حسام. قعد قدامها وسمع كل حاجة من غير ما يقاطعها، ولما خلصت قال: “حضرتك محتاجة تعرفي حاجة مهمة.” مريم شدّت إيديها لبعض: “إيه؟” “موضوع الفلوس منفصل عن موضوع الحضانة والسكن. ما ينفعش جوزك يستخدم خوفك من ابنك عشان يجبرك تسكتي عن حقوقك.” مريم قالت: “هو قال لي إنه هياخد سليم.” “هو ممكن يطلب حضانة أو رؤية أو يعمل إجراءات قانونية، لكن مجرد التهديد مش معناه إنه يقدر ياخد الطفل بكلمة.” مريم خدت نفس طويل: “طيب والشقة؟” حسام طلب العقد وقرأه بهدوء: “العقد باسم حضرتك؟” “أيوه.” “وتاريخ الشراء قبل الزواج؟” “أيوه.” “يبقى دي نقطة مهمة جدًا.” مريم بصت له: “يعني يقدر يخرجني منها؟” “من اللي حضرتك حكيتيه، ملكية الشقة حاجة، والإقامة الزوجية حاجة تانية. لكن لازم نراجع كل المستندات ونمشي قانونيًا.” هزت راسها: “أنا مش عايزة أظلمه.” المحامي بص لها باستغراب: “هو أخذ فلوسك من غير إذنك، وهددك بابنك، وإنتِ لسه خايفة تظلميه؟” مريم سكتت. قال لها: “خليكي عادلة، بس ما تكونيش ظالمة لنفسك.” الجملة دي فضلت ترن في ودانها طول الطريق.
لما رجعت البيت، لقت طارق واقف عند باب الشقة. أول ما شافها قال: “أخيرًا.” مريم ما ردتش ودخلت. قال: “إنتِ كنتِ فين؟” “مشوار.” “عند محامي؟” مريم وقفت وبصت له: “مين قالك؟” طارق ابتسم: “وشك.” “إنت عايز إيه؟” “عايز نتفاهم.” “نتفاهم على إيه؟” “على الفلوس.” مريم ضحكت بمرارة: “دلوقتي عايز تتفاهم؟” “أنا عرفت إنك عملتي اعتراض في البنك.” “أيوه.” طارق قرب خطوة: “إنتِ كده بتكبري الموضوع.” “الموضوع كبير من ساعة ما أخدت فلوسي.” “فلوسنا.” “فلوسي.” “مريم، إحنا متجوزين.” “الجواز مش معناه إنك تاخد فلوسي من غير إذني.” طارق اتنرفز: “أنا أخدتها عشان أمي.” “أمك أولى بيك.” “يعني إيه؟” “يعني ترجع لها فلوسها بنفسك.” “مفيش فلوس.” “يبقى تبيع حاجة.” “إيه؟” “عندك موتوسيكل.” طارق بص لها: “ده بتاعي.” “وأنا فلوسي بتاعتي.” سكت، وبعدين قال: “أنتِ عايزة توصلي لإيه؟” “عايزة حقي.” “ولو أنا ما رجعتش؟” مريم بصت له بثبات: “هخليه يرجع بالقانون.” طارق ابتسم لكن ابتسامته كانت مختلفة: “تمام.” “تمام.” “بس ما تنسيش سليم.” قلبها دق بسرعة: “ما تجيبش سيرته.” “ليه؟” “عشان هو مش ورقة ضغط.” طارق رد ببرود: “إنتِ اللي خليتيه ورقة ضغط لما قررتي تكسري البيت.” مريم قربت منه: “أنا ما كسرتش البيت يا طارق.” “أمال مين؟” “اللي كسر البيت هو اللي شاف مراته بتشتغل لحد الفجر عشان توفر مصاريف ابنها، وهو قاعد على الكنبة، وبعدها مد إيده على تحويشتها.” طارق سكت. مريم كملت: “واللي هددني بابني بدل ما يقول أنا غلطت.” طارق لف وشه: “هتندمي.” “ممكن.” “أنا هرفع عليكِ قضية.” “ارفع.” “وهقول إنك غير قادرة تصرفي على سليم.” مريم ابتسمت لأول مرة: “حلو.” طارق استغرب: “حلو إيه؟” “لأني عندي كل إيصالات المدرسة والحضانة الدكتور والهدوم والأكل والسباحة.” سكت. “وعندي تحويلات العملاء.” سكت أكتر. “وعندي سجل شغلي.” بص لها. “وعندي كشف الحساب اللي بيبين إن أنا اللي كنت بصرف.” طارق حاول يرد، لكن مفيش كلام خرج. مريم قالت: “ولو عايز نروح للمحكمة، نروح.” طارق بص لها للحظات وبعدين خرج من الشقة، لكن مريم كانت عارفة إنه مش استسلم وإن اللي حصل لسه أوله.



