روايات وقصص

مريم وطار

بعد فترة قصيرة، طارق طلب يقابلها في مكان عام. طارق كان شكله مرهق وقال: “أنا غلطت.” مريم سكتت. “أنا كان عليا ديون.” “من إمتى؟” “من قبل ما أتجوزك.” “ليه ما قلتليش؟” “كنت فاكر إني هحلها.” “وبعدين؟” “ما قدرتش.” “فأخدت فلوسي.” طارق سكت. “وأمي؟” “كانت عارفة.” مريم بصت له: “كانت عارفة؟” “أيوه.” “وعملت المطبخ بالفلوس؟” “جزء.” “والباقي؟” “أنا استخدمته.” “من غير إذني.” “أيوه.” مريم حسّت بغصة: “ليه هددتني بسليم؟” طارق نزل عينه: “كنت خايف.” “من إيه؟” “إنك تسيبيني.” “إنت كنت عايزني أفضل؟” “أيوه.” “بالتهديد؟” “كنت متلخبط.” مريم قالت: “إنت ما كنتش متلخبط، كنت بتختار نفسك كل مرة. لما كنت بتدفع عن نفسك من فلوسي، اخترت نفسك. لما أخدت تحويشتي، اخترت نفسك. لما استخدمت سليم عشان تخوفني، اخترت نفسك.” طارق دموعه نزلت: “أنا عايز أصلح.” مريم قالت: “أنا مش عايزة أرجع.” “ليه؟” “لأن الثقة لما بتتكسر، مش كل مرة بتتصلح.” “يعني خلاص؟” “خلاص.” “حتى لو رجعت الفلوس؟” “الفلوس هترجع.” “والبيت؟” “مش هيرجع زي الأول.” طارق سكت. مريم قالت: “أنا مش بكرهك، بس أنا مش هعرف أعيش معاك وأنا كل يوم أشك إن فيه حاجة تانية مستخبية.” قال: “أنا آسف.” مريم ردت: “ربنا يسامحك.” وقامت، لكن قبل ما تمشي قالت: “وأوعى تستخدم سليم تاني.” طارق هز راسه: “مش هعمل.” “لو بتحبه، خليه بعيد عن مشاكل الكبار.” “حاضر.”

رجعت مريم البيت وكان سليم مستنيها: “ماما!” جري عليها وحضنته. قال: “بابا هييجي؟” مريم قالت: “بابا هيشوفك.” “هنروح النادي؟” مريم ضحكت: “آه.” “إمتى؟” “النهاردة.” سليم عينيه لمعت: “بجد؟” “بجد.” وفي نفس اليوم راحت معه النادي ودخلت الاستقبال، فالموظفة افتكرتها وقالت لها: “أهلًا يا مدام مريم.” مريم ابتسمت: “المرة دي الحساب فيه رصيد.” الموظفة ابتسمت: “تمام.” سليم جري ناحية البيسين والمدرب ناداه. مريم وقفت عند الزجاج بتبص له وهو بينزل المية، وفجأة افتكرت اليوم اللي خرجت فيه من النادي وهو ماسك إيدها وبيقول “ماما هو إحنا مش هنعوم؟” ووقتها كانت حاسة إن حياتها كلها وقفت، ودلوقتي كانت واقفة تشوفه بيعوم. ومش بس هو اللي اتعلم يعوم، هي كمان اتعلمت؛ اتعلمت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيت، وإن التنازل المستمر مش اسمه طيبة، وإن الإنسان لما يحط حدود لنفسه مش بيبقى أناني.

بعد شهرين، رجعت جزء كبير من فلوسها (مش كلها مرة واحدة، لكن طارق بدأ يسدد على دفعات). ومريم استمرت في شغلها بل بالعكس كبرت شغلها وبدأت تاخد مشاريع أكبر، وبعد فترة اتفقت مع بنتين يشتغلوا معاها من البيت، واللي كانت بتشتغل وهي قاعدة على طرف السرير بقت عندها مكتب صغير. أما الشقة ففضلت باسمها. وفي يوم جه أبوها قال لها: “أنا عندي خبر.” “إيه؟” “سليم عنده بطولة سباحة صغيرة.” مريم ابتسمت: “بجد؟” “أيوه.” وسليم كان واقف جنب جدو: “ماما، أنا هكسب!” مريم ضحكت: “حتى لو ما كسبتش، أنا فخورة بيك.” قال: “لا، أنا هاكسب.” وفي يوم البطولة كان طارق موجود واقف بعيد، ما حاولش يقرب من مريم ولا يعمل مشكلة، كان بيشجع ابنه. سليم بص له قبل ما ينزل المية فطارق رفع إيده: “شد حيلك يا بطل.” سليم نزل ومريم كانت واقفة على الناحية التانية؛ قلبها دق بسرعة، وسليم بدأ يعوم مرة واتنين وتلاتة لحد ما وصل للنهاية وطلع من المية وهو بيضحك: “ماماااا!” مريم حضنته، وطارق وقف بعيد وصفق، فجري سليم له: “بابا أنا كسبت!” طارق شاله: “كنت عارف إنك هتكسب.” مريم بصت لهم؛ كان فيه وجع قديم لكن ما كانش فيه ندم، لأنها فهمت إن انتهاء الزواج مش معناه انتهاء الأبوة، وإن الإنسان ممكن يحب أبوه وأمه حتى لو هما ما بقوش زوجين.

بعد فترة صدر القرار النهائي في القضايا المتعلقة بالمال، والأهم إن سليم فضل في رعاية أمه مع تنظيم علاقته بوالده بما يحفظ مصلحته، وطارق ما اعترضش يمكن لأنه أخيرًا فهم إن سليم مش ملك لأي حد. وفي يوم من الأيام، مريم كانت قاعدة في مكتبها جالها إيميل جديد من عميل كبير عايز يتعامل معاها بشكل مستمر. فتحت الرسالة وقرأتها، وبعدين بصت للصورة الصغيرة اللي حطاها لسليم على المكتب وابتسمت. فجأة سمعت صوت ابنها: “ماما!” “نعم؟” “أنا جعان.” ضحكت: “تعالى.” دخل سليم وكان ماسك ورقة: “بصي.” “إيه دي؟” “المدرب كتبلي اني اتقدمت.” مريم أخدت الورقة وقرأتها وحضنته: “أنا فخورة بيك.” “وأنا فخور بيكي.” مريم ضحكت: “فخور بيا ليه؟” “عشان إنتِ بتشتغلي.” سكتت لحظة وقالت: “وأنت عرفت منين إني بتعب؟” “عشان بشوفك.” الجملة البسيطة دي خلت دموعها تنزل، حطت الورقة على المكتب وضمت ابنها: “إنت كل حاجة عندي.” سليم قال: “وأنا كمان.”

في المساء، كانت مريم واقفة في البلكونة والجو هادي والشارع تحتها مليان حركة. افتكرت نفسها من شهور وهي واقفة في النادي والحساب فاضي وسليم جنبها وشايلة هم بكرة، وافتكرت اللحظة اللي كانت بتخاف فيها من كلمة “محكمة” ومن كلمة “طلاق” ومن تهديدها بابنها. لكنها اكتشفت بعد كل ده إن أكبر حاجة كانت محتاجة تنقذها ما كانتش فلوسها، بل كانت نفسها؛ الجزء اللي جواها اللي فضل سنين يقول “استحملي”، “عديها”، “مش مهم”، “عشان البيت”، “عشان ابنك”. لكنها فهمت إن البيت اللي محتاجك تخسري نفسك عشان يفضل واقف مش بيت آمن، وإن الابن اللي بتضحي عشانه مش محتاج أم مكسورة، محتاج أم واقفة على رجليها. دخلت جوه وقفلت اللابتوب، ولما نام سليم فتحت حسابها البنكي؛ كان الرصيد أقل من اللي كانت تحلم به يومًا، لكنها ابتسمت لأن المرة دي كل جنيه موجود كان معروف جاي منين ومحدش عنده حق ياخده منها من غير إذنها. قفلت التطبيق وحطت التليفون بعيد، وقبل ما تنام وصلتها رسالة من طارق: “أنا سددت آخر جزء من الفلوس.” مريم قرأتها وردت: “وصل.” وبس؛ لا لوم، لا عتاب، ولا رجوع للماضي.

في اليوم التالي، كانت في النادي مع سليم فقالت لها الموظفة: “الاشتراك اتجدد.” سليم بص لمريم: “ماما، المرة دي هننزل؟” مريم ابتسمت: “المرة دي هننزل.” “وهنرجع؟” “طبعًا.” “وهنجيب آيس كريم؟” ضحكت: “بعد التمرين.” سليم جري ناحية حمام السباحة، ومريم وقفت مكانها وبصت للمية؛ كانت نفس المية ونفس المكان، لكن مريم ما كانتش نفس الست. في اليوم اللي الحساب اترفض فيه، كانت فاكرة إن اللي ضاع منها هو الفلوس، وبعد شهور فهمت إن اللي ضاع كان وهم؛ وهم إن الصبر لوحده بيصلح كل حاجة، ووهم إن السكوت بيحمي الأسرة، ووهم إن الزوجة لازم تستحمل أي حاجة عشان ما تقولش إنها فشلت. لكن الحقيقة كانت أبسط؛ البيت مش بيتبني بالفلوس بس ولا بالجواز بس، البيت بيتبني بالأمان والثقة والاحترام، ولما دول يختفوا يبقى الإنسان لازم يقف مع نفسه ويسأل: هو أنا بحافظ على بيتي ولا بهدم نفسي عشان أفضل فيه؟ مريم اختارت نفسها وابنها، مش لأنها كانت عايزة تنتصر على طارق ولا تنتقم من نعمة، لكن لأنها أخيرًا فهمت إن حقها مش محتاج تبرير وإنها مش مضطرة تعتذر عن إنها عايزة تعيش بأمان.

بعد التمرين، خرج سليم وهو بيجري: “مامااا!” “نعم؟” “أنا بقيت بعرف أعوم لوحدي!” مريم انحنت لمستواه: “عارفة.” “إزاي؟” “عشان أنا كنت جنبك من الأول.” سليم حضنها وفي اللحظة دي موبايلها رن؛ رقم غريب، ردت: “ألو؟” صوت ست قالت: “مدام مريم؟” “أيوه.” “أنا من المجلة اللي بعتلك عرض الشغل الجديد.” مريم ابتسمت: “أيوه.” “حابين نبدأ معاكي من الأسبوع الجاي.” “تمام.” قفلت. سليم بص لها: “ماما مين؟” “شغل.” “هتشتغلي؟” “آه.” “كتير؟” مريم ضحكت: “كتير شوية.” سليم فكر: “بس مش لحد الفجر.” مريم اتفاجئت: “ليه؟” “عشان تنامي.” ضحكت: “حاضر.” ومسك إيدها ومشوا. في طريقهم للبيت عدوا من قدام محل صغير، فوقف سليم: “ماما.” “نعم؟” “عايز حاجة.” “إيه؟” “شنطة جديدة.” مريم بصت لشنطته القديمة اللي عليها القرش الأزرق وكانت لسه موجودة فابتسمت: “ليه؟” “عشان دي بقت صغيرة.” مريم شالته: “نجيب واحدة.” ضحك: “بس أنا عايز واحدة عليها سمكة.” “اختار اللي يعجبك.” وهي ماشية بيه، مريم بصت للشنطة القديمة؛ الشنطة اللي كانت ماسكها إيده يوم الحساب اترفض، الششنطة اللي شهدت أول خوف وأول صدمة وأول مرة مريم قررت تقول “كفاية”. احتفظت بيها، مش عشان تفتكر وجعها بل عشان تفتكر إنها عدته. وفي آخر اليوم لما رجعت البيت، فتحت الدولاب وحطت الشنطة في صندوق صغير وفوقها حطت ورقة كتبت عليها: “اليوم اللي عرفت فيه إني أقدر أبدأ من جديد.” قفلت الصندوق ودخلت على ابنها كان نايم، قربت منه وباسته وبصت من الشباك؛ الدنيا كانت هادية ومريم ما كانتش عارفة المستقبل هيجيب لها إيه، لكن لأول مرة ما كانش ده مخوفها لأنها عرفت أنها مهما حصل مش هترجع تاني للنسخة القديمة منها، النسخة اللي كانت بتخاف تقول “لا” واللي كانت بتسكت عشان ترضي الكل واللي كانت فاكرة إن التضحية معناها إنك تلغي نفسك. مريم ابتسمت وطفت النور وقالت لنفسها: “اللي راح رجع يتعوض، لكن عمري اللي ضاع… مش هضيعه تاني.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى