روايات وقصص

زهره

— كنتوا ممكن تقولولي من أول سنة إن فيه يوم بتساعدوا فيه ناس. كنت هفرح. لكن إنكم كل سنة تقولولي روحي الشغل واقعدي بعيد، وتفضلوا تسألوا أنا فين… ده خلاني أشك فيكم.

طارق قرب مني.

— معاكي حق.

حماتي قالت:

— أنا غلطت.

بصيت لها.

— أيوه.

قالت:

— وحقك عليا.

وأنا لأول مرة حسيت إنها فعلًا بتقولها من قلبها.

قلت:

— بس في شرط.

طارق قال:

— قولي.

— من السنة الجاية، أنا أول واحدة هتكون موجودة.

حماتي ابتسمت.

— وهنقول للناس إنك شريكة في الخير.

هزيت راسي.

— مش مهم اسمي يتقال.

سلوى قالت:

— بس أنا شايفة إنه مهم.

بصيت لها.

— ليه؟

قالت:

— لأنك السبب إن فلوس كتير من اللي اتجمع اتخزنت واتحولت لمساعدة ناس أكتر.

بصيت لحماتي.

قالت:

— كانت بتحوش باسمك.

قلت:

— بس من غير إذني.

قالت:

— حقك.

قلت:

— يبقى من النهارده بإذني.

ضحكت.

— اتفقنا.

وفي نفس الليلة، فتحنا كل الدفاتر. كل جنيه. كل إيصال. كل اسم. كل أسرة. كل حاجة. وأول مرة أعرف إن حماتي كانت على مدار أربع سنين بتساعد أكتر من سبعين أسرة. كانت بتدفع علاج لناس. وتجهز شنط مدارس. وتشتري أجهزة لعرائس أيتام. وتسد ديون بسيطة عن ناس كبار. وكان طارق بيساعدها.

وأنا كنت فاكرة إنهم بيخبوا عني مصيبة. لكن الحقيقة كانت إنهم بيخبوا عني خير. ومع ذلك، ما قدرتش أتجاهل إن الطريقة كانت غلط.

قلت لطارق:

— الخير مش محتاج كذب.

قال:

— تعلمت.

قلت:

— وأنا كمان.

في اليوم اللي بعده، صحيت على صوت طرق على الباب. فتحت. كانت سلوى. في إيدها صندوق صغير.

قالت:

— ده ليكي.

فتحته. لقيت فيه سلسلة فضة.

قلت:

— إيه دي؟

قالت:

— أبويا كان جايبها لي وأنا صغيرة. أمي احتفظت بيها. ولما عرفت إنك أول واحدة رجعت البيت في ليلة المولد عشان تعرفي الحقيقة، حسيت إنها لازم تكون عندك.

قلت:

— ليه أنا؟

ابتسمت.

— لأنك بقيتي جزء من الحكاية.

رفضت في الأول. لكنها أصرت. أخدتها. ومن اليوم ده، بقت السلسلة دي عندي. مش عشان قيمتها. عشان فكرتني إن أحيانًا إحنا بنبني أسوأ السيناريوهات في دماغنا بسبب سر بسيط. وفي أحيان تانية، السر فعلًا بيكون كبير. لكن مش دايمًا بيكون بالشكل اللي توقعناه.

بعد أسبوع، طارق جاب لي دفتر جديد. على أول صفحة كتب: “دفتر الخير… من غير أسرار.” ضحكت.

قلت:

— دي أهم جملة.

قال:

— اتعلمت.

وفي أول ليلة مولد بعدها بسنة، كنت أنا اللي في المطبخ. أنا اللي بجهز الأكل. أنا اللي براجع القوائم. أنا اللي برص الشنط. أنا اللي باستقبل الناس. وطارق كان بيجري بين الصالة والمطبخ. وحَماتي كانت قاعدة بتراجع الحسابات. أما سلوى… فكانت واقفة جنبها. لأول مرة، البيت بقى فيه أخت لطارق. أخت كان فاكر طول عمره إنها ضاعت.

وفي آخر الليل، لما الناس كلها مشيت، قعدنا إحنا الأربعة في الصالة. حماتي بصت لي وقالت:

— فاكرة أول مرة رجعتي فيها؟

ضحكت.

— أنسى؟

قالت:

— أنا يومها كنت هموت من الخضة.

قلت:

— وأنا كنت داخلة وأنا متأكدة إني هلاقي مصيبة.

طارق قال:

— لقيتي إيه؟

بصيت له.

— لقيت إن المصيبة الحقيقية كانت إن جوزي وأمه عندهم موهبة رهيبة في إخفاء الخير.

ضحكنا. وبعدين بصيت للسلسلة اللي في رقبتي. وقلت:

— بس تعرف يا طارق؟

— نعم؟

— أنا مش زعلانة إنك خبّيت عني السر.

سكت.

— أنا زعلانة بس إنك خليتني أعيش أربع سنين وأنا شايلة شك في قلبي.

قرب مني.

— وعد.

— إيه؟

— من النهارده مفيش أسرار بينا.

ابتسمت.

— حتى المفاجآت؟

ضحك.

— حتى المفاجآت.

ضحكت. وبصيت ناحية حماتي وسلوى. كانوا بيتكلموا مع بعض كأنهم يعرفوا بعض من سنين. وقتها فهمت إن ليلة المولد اللي كنت كل سنة بعتبرها ليلة غريبة ومريبة، طلعت بالنسبة لبيتنا ليلة رجوع. رجوع ناس. ورجوع ذكريات. ورجوع أخت غابت سنين. ورجوع ثقة كانت هتضيع بسبب كذبة اتعملت بحجة الخير.

ومن يومها، كل ما ليلة المولد تيجي، ما بقيتش بخاف من إنهم يقولولي: “خليكي في الشغل.” بالعكس… بقيت أول واحدة أقول:

— أنا جاية بدري.

وفي مرة طارق حاول يهزر وقال:

— ممكن السنة دي تباتي في الشغل؟

بصيت له بصة خلت ضحكته تختفي.

قلت:

— إنت عايز تعيد التاريخ؟

رفع إيده بسرعة.

— لا يا ستي، خلاص.

ضحكت. لكن في اللحظة دي حماتي نادت علينا:

— زهرة! طارق! سلوى! تعالى.

دخلنا المطبخ. كان قدامها ظرف كبير.

قالت:

— وصلني النهارده.

فتحناه. كان فيه جواب قديم. من والد طارق. كان كاتبه قبل وفاته. وفي آخره جملة واحدة:

“لو بنتي رجعت يومًا، قولولها إن أبوها ما نسيهاش لحظة.”

سلوى حطت إيدها على وشها وبكت. طارق حضن أخته. وحماتي بكت. وأنا دموعي نزلت من غير ما أحس. لأنني فهمت إن كل اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد سر اتكشف. كان حكاية عيلة كاملة اتدفنت سنين، وطلعت للنور في الوقت اللي محدش كان متوقعه.

والأغرب من كل ده… إنني أنا اللي بدأت الحكاية كلها. بمجرد ما قررت أرجع البيت بدري. كنت داخلة أدور على خيانة. خرجت وأنا لاقية أخت. دخلت وأنا شايلة شك. خرجت وأنا شايلة سر عيلة. دخلت وأنا فاكرة إن بيتي بيخبّي عني حاجة قذرة. خرجت وأنا عارفة إن فيه حاجات أنظف وأجمل من أي توقع.

لكن أهم درس اتعلمته كان بسيط جدًا: مش كل باب مقفول وراه مصيبة. ومش كل سر معناه خيانة. وأحيانًا الإنسان لما يسيب الخوف يقوده، بيبني في خياله حكاية كاملة من غير ما يعرف الحقيقة. لكن برضه… الثقة ما ينفعش تتبني على أسرار.

وعشان كده، من السنة اللي بعدها، ليلة المولد بقت مختلفة تمامًا. ما بقاش فيه شيفت إجباري. ولا كذب. ولا مكالمات كل دقيقة. ولا “إنتي فين؟” ولا “هتتأخري؟” بقى فيه باب مفتوح. وسفرة طويلة. وأكل كتير. وأسر محتاجة. وأخت رجعت لأخوها. وأم لقت بنت كانت فاكرة إنها ضاعت للأبد. وزوجة اكتشفت إن شكها كان أكبر من الحقيقة.

وفي آخر كل ليلة، كنا نقفل الباب ونحمد ربنا على كل اللي دخل منه. وأنا كنت دايمًا أقف لحظة عند الباب قبل ما أقفله. أفتكر أول مرة رجعت فيها. أفتكر الست اللي حطتلي الميتين جنيه على الجزامة وقالتلي: “تعالي يوم تاني.” وأضحك لوحدي. لأنها كانت فاكرة إني شغالة بالساعة. وما كانتش تعرف إنني صاحبة البيت. والأهم… إنها ما كانتش تعرف إن رجوعي في اللحظة دي بالذات هو اللي فتح باب حكاية كاملة كانت مستخبية عني وعن طارق وعن أمه سنين.

ومن يومها وأنا مؤمنة إن بعض الأبواب لما بنفتحها، مش بنلاقي وراها اللي خايفين منه… بنلاقي الحقيقة. والحقيقة مهما كانت مؤلمة أو مفاجئة، أرحم بكتير من إننا نعيش عمرنا كله أسرى للشك.

مرت الشهور بعد الليلة دي، لكن بالنسبة لي، ما كانش فيه يوم عادي بعدها. كل حاجة في البيت اتغيرت. مش شكل البيت، ولا العفش، ولا ترتيب الأوض. اللي اتغير كان الإحساس نفسه. زمان كنت لما أرجع من الشغل وألاقي طارق قاعد ساكت، أو حماتي بتتكلم معاه بصوت واطي، كنت تلقائيًا أسأل نفسي: “يا ترى في إيه مستخبي عني؟” أما بعد اللي حصل، بقيت أعرف إن مش كل همسة معناها مصيبة، ومش كل باب بيتقفل وراه خيانة، ومش كل سر بيتخبى بيكون قذر.

لكن في نفس الوقت اتعلمت حاجة أهم. إن الحب لوحده مش كفاية. والنية الطيبة مش مبرر للكذب. طارق كان ممكن يقولي الحقيقة من أول سنة. حماتي كانت ممكن تقعد معايا وتحكيلي عن اللي بتعمله. وكان ممكن بدل ما أفضل أربع سنين أخرج من البيت ليلة المولد وأنا جوايا سؤال بيكبر كل سنة، أكون واقفة معاهم من أول يوم. يمكن لو كانوا عملوا كده، ما كنتش احتجت أرجع فجأة. ما كنتش احتجت أفتح الباب بالمفتاح وأنا قلبي بيخبط في صدري. وما كنتش شوفت الست الغريبة وهي بتبصلي من فوق لتحت وتحطلي ميتين جنيه على الجزامة.

كل ما أفتكر الموقف ده، أضحك رغمًا عني. كنت داخلة البيت وأنا متخيلة إني هكشف أكبر فضيحة في حياتي. وفي الآخر اكتشفت إن اللي كانت فاكراني شغالة بالساعة كانت واقفة في بيتي أنا. لكن الحقيقة الأكبر كانت مستنية جوه. سلوى. أخت طارق. البنت اللي أبو طارق فضل يدور عليها لحد آخر يوم في حياته.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى