
بعد ما رجعت سلوى لحياتنا، البيت نفسه بقى له روح مختلفة. طارق في الأول ما كانش عارف يتعامل معاها. كان كل ما يشوفها يفضل ساكت. مرة يضحك. ومرة يسألها عن طفولتها. ومرة يفضل يبص لها كأنه بيحاول يلاقي ملامح أبوهم في وشها. وفي مرة، سألها:
— إنتي فاكرة بابا؟
سلوى سكتت شوية. وبعدين قالت:
— فاكرة إيده.
طارق استغرب.
— إيده؟
قالت:
— أيوه. وأنا صغيرة كان بيشد إيدي وأنا ماشية جنبه. كنت مش فاكرة وشه كويس، بس كنت فاكرة إيده.
طارق دمعت عينه. وقال:
— كان بيحبك.
سلوى ردت:
— كنت نفسي أعرف ده.
ومن اليوم ده، طارق بقى يحكيلها عن أبوهم. يحكيلها عن عاداته. عن طريقته في الضحك. عن عصبيته. عن حبه للناس. عن ليلة المولد اللي كان بيعتبرها أهم ليلة في السنة. وسلوى كانت تسمع كل كلمة كأنها بتجمع قطع طفولتها المفقودة.
أما حماتي، فكانت علاقتها بسلوى أصعب وأعمق. لأنها كانت شايلة جواها إحساس بالذنب سنين. وفي يوم، وأنا في المطبخ، سمعت حماتي بتقول لسلوى:
— أنا عارفة إن مهما عملت مش هقدر أعوضك.
سلوى ردت:
— أنا مش عايزة تعويض.
— أمال عايزة إيه؟
— عايزة مكان.
حماتي سكتت. سلوى كملت:
— عايزة أحس إن عندي بيت أقدر أخبط على بابه من غير ما أخاف.
حماتي قامت من مكانها وحضنتها. وقالت:
— ده بيتك.
الجملة دي أثرت فيا جدًا. لأنها كانت بسيطة. لكنها كانت بالضبط الحاجة اللي سلوى كانت محتاجاها من سنين.
وبعدها بأيام، عملنا أول عزومة كبيرة. مش عزومة عشان مناسبة. ولا عشان ناس محتاجة. عزومة للعيلة نفسها. قعدنا على سفرة واحدة. أنا وطارق وحماتي وسلوى وعم فوزي. وكان فيه مكان فاضي. سألت:
— المكان ده لمين؟
طارق ابتسم. وقال:
— لأبويا.
سكتنا. ما حدش قال حاجة. بس كلنا فهمنا. كان مكان رمزي. مكان لرجل غاب، لكنه كان حاضر في كل تفاصيل الليلة.
بعد الأكل، طارق قام وجاب الصندوق القديم. نفس الصندوق اللي شوفته أول مرة. فتحه. وقال:
— أنا شايف إن الوقت جه.
بصيت له.
— جه لإيه؟
طلع الأوراق. قال:
— الحساب ده لازم يبقى باسم سلوى.
سلوى اتصدمت.
— إيه ده؟
طارق قال:
— حقك.
عم فوزي قال:
— أبوك كان سايب ده ليكي.
سلوى رفضت. قالت:
— أنا مش جاية آخد فلوس.
طارق رد:
— وإحنا مش بنديكي فلوس عشان نشتري رضاكي.
حماتي قالت:
— دي حاجة أبوكي كان حاططها ليكي.
سلوى بكت. لكنها في الآخر وافقت. وكان المبلغ مش صغير. لكن المفاجأة إن سلوى ما احتفظتش بيه كله. بعد أيام، رجعت وقالت:
— عايزة أعمل حاجة.
سألتها:
— إيه؟
قالت:
— عايزة أفتح مشروع صغير، وأخصص جزء من أرباحه لمساعدة الأسر اللي كان أبويا بيساعدها.
طارق ابتسم. حماتي قالت:
— يبقى كده هو كمل.
وساعتها فهمنا إن أبو طارق ما ماتش قصته بموته. هو كان سايب بذرة. والبذرة فضلت تكبر. حتى وصلت لسلوى بعد سنين.
أما أنا، فكان عندي حسابي الخاص مع طارق. في يوم، كنا قاعدين لوحدنا. قلت له:
— طارق.
— نعم؟
— فاكر لما قلتلي مفيش أسرار تاني؟
ضحك.
— فاكر.
— أنا عندي شرط.
— قولي.
— لو فيه حاجة هتعملها معايا، حتى لو شايفها خير، حتى لو شايفها مفاجأة، حتى لو شايف إنك بتحميني… ما تخبيهاش عني.
سكت. وبعدين قال:
— وعد.
قلت:
— لأني مش عايزة أعيش تاني وأنا بحاول أفسر سكوتك.
قرب مني. وقال:
— وأنا مش عايز أشوفك بتشك فيا تاني.
ابتسمت. وقلت:
— يبقى كل واحد فينا يتعلم.
قال:
— اتفقنا.
وبالفعل، اتغير طارق. ما بقاش يخبي. حتى لما كان بيجهز حاجة لسلوى، كان يقولي. حتى لما حماتي كانت بتخطط لمساعدة أسرة، كنت أعرف. حتى دفتر الحسابات بقى قدامي. وبقيت أنا اللي أراجع بعض الحسابات. مش عشان الفلوس. لكن عشان الثقة.
وفي أول مولد بعدها، كنت واقفة في المطبخ من بدري. الأكل بيتجهز. الأطفال بيلعبوا. والشنط متقسمة. سلوى كانت بتراجع الأسماء. طارق كان بيرص الكراتين. وحَماتي كانت قاعدة على الكرسي بتقول لكل واحد يعمل إيه. بصيت للمشهد كله. وفجأة سمعت طارق بيقول:
— زهرة!
لفيت.
— نعم؟
— تعالي شوفي حاجة.
مشيت له. طلع موبايله. كان مصور صورة قديمة لأبوه. وقال:
— شايفة؟
بصيت للصورة. كان واقف وسط مجموعة أطفال، وبيوزع عليهم شنط. قلت:
— أيوه.
قال:
— سلوى عايزة تحط الصورة دي في المكان الجديد.
قلت:
— حلو.
قال:
— وعايزة تكتب تحتها اسم أبوها.
سكت. ثم قلت:
— يستاهل.
وفي نهاية اليوم، بعد ما الناس مشيت، فضلنا قاعدين في الصالة. كانت الساعة قربت على منتصف الليل. البيت كان هادي. الأطباق متشالة. والكراسي فاضية. سلوى كانت قاعدة جنب الشباك. حماتي كانت بتقفل النور في المطبخ. وطارق واقف عند الباب. فجأة قال:
— زهرة.
— نعم؟
— فاكرة أول ليلة؟
ضحكت.
— ليلة ما كنتوا عايزين ترجعوني فيها؟
قال:
— أيوه.
قلت:
— طبعًا.
قال:
— كنت مرعوب.
— وأنا كنت داخلة مستعدة أفضحكم.
ضحك. وقال:
— كنت فاكر إنك هتطلبي الطلاق.
بصيت له.
— بصراحة؟
— آه.
— لو كنت لقيت اللي كنت متخيلاه، كنت فعلًا مشيت.
سكت. قلت:
— بس الحمد لله إن الحقيقة كانت غير كده.
قرب مني. وقال:
— الحمد لله.
لكن سلوى، اللي كانت ساكتة، قالت:
— أنا عندي سؤال.
بصينا لها.
— إيه؟
قالت:
— زهرة، إنتي ليه رجعتي أصلًا؟
ضحكت.
— عشان كنت شاكّة.
— في إيه؟
— فيه سر.
قالت:
— ولو ما رجعتيش؟



