روايات وقصص

زهره

بصيت لطارق. ثم لسلوى. وقلت:

— كان ممكن كل حاجة تتأخر.

وسكت. لأن دي كانت الحقيقة. لو ما رجعتش، يمكن كانت سلوى مشيت من غير ما تعرف إن دي عيلتها. يمكن كان الظرف فضل في الصندوق. يمكن حقها فضل مستخبي. يمكن طارق فضل سنين وهو مش عارف إن أخته واقفة قدامه.

وفي اللحظة دي، فهمت إن أحيانًا قرار صغير جدًا ممكن يغير حياة ناس كتير. أنا يومها ما كنتش عايزة أعمل بطولة. كنت بس عايزة أعرف الحقيقة. لكن الحقيقة كانت أكبر مني. كبرت لدرجة إنها جمعت عيلة كاملة.

وقبل ما نمشي، حماتي نادتني. قالت:

— زهرة.

— نعم يا طنط؟

قالت:

— أنا عايزة أقولك حاجة.

— قولي.

— حقك عليا.

سكت. قالت:

— مش بس عشان الكذب.

— أمال؟

— عشان خليتك تحسي إنك مش من البيت.

الكلمة دي لمستني. قلت:

— أنا فعلًا كنت بحس كده.

دموعها نزلت.

— سامحيني.

قربت منها. وحضنتها. وقلت:

— سامحتك.

ثم ابتعدت شوية.

— بس بشرط.

ضحكت وهي بتعيط.

— إيه؟

— السنة الجاية أنا اللي هعمل جدول الناس.

ضحكت.

— اتفقنا.

وضربنا كف بكف. وطارق ضحك علينا. وسلوى قالت:

— أنا كمان هساعد.

قلت:

— خلاص، كده حماتي اتعزلت.

ردت:

— هو أنا اللي عملت البيت ده كله؟

ضحكنا. وفي اللحظة دي، حسيت إن البيت أخيرًا بقى بيت. مش مجرد شقة فيها أنا وطارق. بقى فيه ناس. حكايات. ذكريات. وأسرار اتكشفت. لكن أجمل حاجة إن الأسرار ما عادتش تخوفنا. لأنها ما بقيتش مستخبية.

وبعدها بسنين، كل ما حد كان يسألني:

— إيه حكاية ليلة المولد عندكم؟

كنت أبتسم. وأقول:

“دي أطول ليلة في حياتي.”

لأنها بدأت بشك. وانتهت بعودة أخت. بدأت بخوف. وانتهت بلمة. بدأت وأنا داخلة البيت أفتش عن فضيحة. وانتهت وأنا خارجة منه وأنا شايلة حكاية عمر.

وعرفت يومها إن الإنسان أحيانًا بيحكم على المشهد من الباب. لكن الحقيقة بتكون جوه. أنا شفت ست غريبة. وشفت ناس كتير. وشفت جوزي بيكدب. وشفت حماتي مرتبكة. فبنيت في دماغي أسوأ حكاية. لكن لما دخلت أكتر… لقيت إن المشهد كان ناقصه جزء واحد. الحقيقة.

ومن ساعتها، لما أشوف حاجة مش مفهومة، ما بقاش أول سؤال عندي: “مين بيخبي عني إيه؟” بقى: “أنا لسه مش عارفة إيه؟” لأن فيه فرق كبير. الشك بيحكم. لكن السؤال بيدور على الحقيقة.

وأنا تعلمت إني ما أديش الشك فرصة يهدم حاجة قبل ما أعرف الحقيقة. وفي نفس الوقت، تعلمت إن اللي بيحبك ما ينفعش يخليك تعيشي في الظلام بحجة إنه بيحميك. الحماية الحقيقية إنك تعرف. والثقة الحقيقية إنك تسأل وتلاقي إجابة.

والبيت الحقيقي مش البيت اللي مفيهوش أسرار. البيت الحقيقي هو اللي لما السر يظهر، الناس تقدر تقعد وتتفاهم وتسامح وتبدأ من جديد. وده بالضبط اللي حصل معانا.

أما ليلة المولد نفسها… فبقت عندي أغلى ليلة في السنة. مش عشان الأكل. ولا عشان التجمع. ولا حتى عشان المساعدات. لكن لأنها الليلة اللي رجعت فيها بنت لأخوها. والليلة اللي أم شافت بنت أخو جوزها بعد سنين. والليلة اللي أنا اكتشفت فيها إن جوزي وأمه ما كانوش بيخفوا عني قذارة… كانوا بيخفوا حكاية. والليلة اللي اتعلمت فيها إن الحقيقة مهما كانت متأخرة، أفضل من ألف شك.

وفي آخر كل سنة، كنت أقف عند باب البيت قبل ما أقفله، وأبص للشارع. وأفتكر اليوم اللي رجعت فيه فجأة. أفتكر قلبي وهو بيخبط. وأفتكر الميتين جنيه اللي كانوا على الجزامة. وأفتكر الست وهي بتقولي: “خدي دول وتعالي يوم تاني.” وأضحك. لأنها ما كانتش تعرف إنها في اللحظة دي كانت بتشهد على بداية واحدة من أغرب الحكايات اللي حصلت في حياتي.

وبعدها أقفل الباب. وأسمع ضحكة طارق من جوه. وصوت حماتي. وصوت سلوى. وأطفال الأسر اللي بقوا ييجوا كل سنة. وأقول لنفسي: “الحمد لله إني رجعت.” لأن لو كنت فضلت في الشغل يومها… ما كنتش هعرف الحقيقة. وما كنتش هعرف سلوى. وما كنتش هفهم حكاية أبو طارق. وما كنتش هعرف إن ورا الباب اللي كنت خايفة أفتحه، كانت فيه عيلة كاملة مستنية ترجع لبعض.

ومن يومها، بقيت مؤمنة إن بعض الطرق اللي بنمشيها بدافع الخوف، ربنا ممكن يحولها لطريق خير. وأحيانًا الباب اللي بنفتحه وإحنا خايفين من أسوأ شيء… يطلع وراه أجمل شيء.

ودي كانت حكايتي. حكاية ليلة دخلتها وأنا فاكرة إني هكشف خيانة… وخرجت منها وأنا مكتشفة عيلة. دخلتها وأنا شايلة غضب… وخرجت منها وأنا شايلة مسامحة. دخلتها وأنا فاكرة إن بيتي بيخبّي عني حقيقة قذرة… وخرجت وأنا عارفة إن الحقيقة كانت مؤلمة، لكنها كانت مليانة رحمة.

ومن ساعتها… ما بقيتش أخاف من الأبواب المقفولة. بقيت بس أسأل نفسي: “هل أنا مستعدة أعرف اللي وراها؟” لأن الحقيقة مش دايمًا بتكون زي ما إحنا متوقعين. لكن لما تكون الحقيقة هي اللي هترجع قلب مكسور لمكانه… يبقى مهما كانت صعبة… تستاهل إنها تتعرف.

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى