
قال:
— أبو طارق ما كانش بيجمع فلوس بس عشان الناس.
سكت.
— كان بيدور على بنت.
حماتي غمضت عينيها. طارق قال:
— عمي كفاية.
قلت:
— بنت مين؟
رد:
— بنت أخويا.
اتسمرت.
— يعني بنت عم طارق؟
هز راسه.
— لأ.
سكت لحظة.
— بنت أخو طارق من زوجة سابقة.
بصيت لطارق.
— إيه؟
طارق اتنفس ببطء.
— أبويا كان متجوز قبل أمي.
حماتي قالت:
— وأنا كنت عارفة.
بصيت لها.
— يعني عند طارق أخت؟
عم فوزي قال:
— كان عنده أخت.
سألت:
— كان؟
قال:
— أبو طارق انفصل عن أمها وهي صغيرة. البنت اختفت من حياتنا. وكل اللي عرفناه إن أمها أخدتها وسافرت.
طارق قال:
— وأبويا فضل يدور عليها سنين.
— ولقاها؟
— لأ.
سكت.
— ولما مات، ساب ورقة.
عم فوزي مد إيده بظرف قديم.
— قال لو في يوم قدرنا نوصل لها، نديها حقها.
بصيت للظرف.
— وإيه علاقتها بليلة المولد؟
قال:
— أبو طارق كان بيعتبر اليوم ده يوم وفاء. كان بيحط جزء من التبرعات على جنب عشان لو البنت ظهرت في يوم، يكون حقها محفوظ.
بصيت للصندوق.
— يعني الفلوس دي…
طارق قال:
— جزء منها للأسر، وجزء من مال أبويا القديم محفوظ عشان أخته.
عم فوزي أخرج صورة قديمة. حطها قدامي. بنت صغيرة. يمكن عندها سبع سنين. شعرها طويل. وعلى رقبتها سلسلة صغيرة.
بصيت للصورة. حسيت إن فيه حاجة غريبة. مديت إيدي.
— أنا شفت الصورة دي قبل كده.
كلهم بصوا لي.
— فين؟
حاولت أفتكر. وبعدين افتكرت.
— عند واحدة من الستات اللي كانت موجودة النهارده.
طارق قرب مني.
— مين؟
— سلوى.
عم فوزي اتجمد.
— سلوى؟
— أيوه.
— سلوى عبد الرحمن؟
— مش عارفة اسمها كامل.
طارق قال:
— استني.
جري ناحية الباب. لكن كانت سلوى خرجت من العمارة. نزلنا وراه. وقفنا قدام العمارة. شافها واقفة عند أول الشارع. طارق ناداها:
— يا سلوى!
وقفت. لفت. وشها كان متوتر. رجعت ناحيتنا ببطء. عم فوزي رفع الصورة. أول ما شافتها… دموعها نزلت.
قالت:
— إنتوا لقيتوها؟
عم فوزي قال:
— إنتي؟
سلوى مسكت السلسلة اللي في رقبتها. نفس السلسلة اللي في الصورة. وساعتها أنا فهمت. سلوى كانت هي البنت. أخت طارق. اللي كانوا بيدوروا عليها سنين.
حماتي وقعت على أقرب كرسي وهي بتبكي. طارق وقف مكانه مش قادر يتحرك. وسلوى قالت بصوت مكسور:
— أنا كنت عارفة إن أبويا بيدور عليا.
عم فوزي قال:
— عرفتي إزاي؟
— أمي قبل ما تموت قالتلي.
وبصت لطارق.
— قالتلي إن ليا أخ اسمه طارق.
طارق ما قدرش يتكلم. قرب منها. وقف قدامها. وبص لها فترة طويلة. وبعدين قال:
— أنا أخوكي.
سلوى بكت. وهو بكى. وأنا وقفت بعيد. ما كنتش عارفة أعمل إيه.
بعد أربع سنين وأنا فاكرة إن ليلة المولد فيها سر قذر. طلع السر إن جوزي وأمه كانوا بيخفوا عني حكاية أكبر بكتير. حكاية بيت. وأب. وبنت ضايعة. وحق متخزن. وذكرى رجل مات وهو نفسه يوصل لبنته.
رجعنا الشقة. الناس كلها اتلمت تاني. لكن المرة دي ما كانش فيه خوف. كان فيه بكاء. وحكايات. وأسئلة. وسلوى قعدت جنب حماتي. حماتي كانت بتبصلها كأنها بتحاول تحفظ ملامحها.
قالت:
— أنا شفتك وإنتي صغيرة.
سلوى سألت:
— فين؟
حماتي قالت:
— في صورة.
وسكتت.
— كنت شبه أبو طارق قوي.
سلوى ابتسمت وسط دموعها.
— أنا طول عمري كنت نفسي أعرف شكله.
حماتي مدت إيدها ومسكت إيدها.
— أنا كنت خايفة أقابلك.
— ليه؟
— لأني كنت حاسة إني السبب إنك بعيدة.
سلوى هزت راسها.
— إنتي مش السبب.
عم فوزي قال:
— السبب الحقيقي كان إن أبوها وأمها انفصلوا بطريقة سيئة، وكل طرف شدها ناحيته.
سكتنا. طارق كان لسه مش قادر يستوعب. بعد شوية قال:
— طب إنتي كنتي بتجي لنا ليه كل سنة؟
سلوى بصت له.
— عشان أبوك كان بيعمل خير كتير. وكنت عايزة أشوف المكان اللي كان بيحب يكون فيه.
طارق قال:
— وإنتي عرفتي إن ده بيتنا؟
— من أول سنة.
شهقت.
— يعني كنتي عارفة؟
بصت لي.
— أيوه.
— طيب ليه ما قلتيش؟
قالت:
— لأني ما كنتش متأكدة إنكم هتقبلوني.
بصيت لحماتي. كانت بتعيط. قلت:
— طب ليه أنا ما كنتش أعرف؟
سلوى ابتسمت.
— يمكن عشان كان لازم تعرفي في الوقت الصح.
قلت:
— أنا رجعت النهارده عشان كنت فاكرة إن فيه مصيبة.
ضحكت. ضحك طارق لأول مرة من قلبه.
— وأنا كنت فاكر إننا هنموت من الصدمة لما ترجعي.
قلت:
— وأنا فعلًا كنت هموت من الصدمة لما الست حطتلي ميتين جنيه وقالتلي شغالة بالساعة.
سلوى ضحكت.
— دي أختي.
بصيت لها.
— إيه؟
— الست اللي فتحت لك الباب دي أختي من أمي.
ضحكت.
— يعني حتى دي كانت جزء من المصيبة؟
قالت:
— هي كانت فاكرة إنك واحدة جاية تساعد في التنضيف.
بصيت لطارق.
— طب إنتو ليه ما قلتوش لها إني مراتك؟
قال:
— عشان كانت جاية تساعد في تجهيز الأكل، وما كناش عايزين أي حد يعرف إنك هترجعي.
هزيت راسي.
— أنا محتاجة أجازة بعد اللي حصل.
طارق قال:
— خدي السنة كلها.
ضحكت. لكن فجأة افتكرت حاجة.
— استنى.
سكتوا.
— أنا لسه زعلانة.
طارق ابتسم.
— عارف.
— مش عشان السر.
— عارف.
— عشان الكذب.
سكت.
قلت:




