روايات وقصص

زهره

قالت:

— أيوه.

— فين الحسابات؟

— هوريهالك كلها.

قلبت الأوراق. وبعدين لقيت ظرف أبيض. عليه اسمي. “زهرة”. بصيت لها.

— ده إيه؟

حماتي بدأت تبكي.

— ده اللي كنت مخبيّاه عنك.

فتحت الظرف. لقيت شهادة إيداع. باسمي. مبلغ كبير. أكبر بكتير من اللي كنت متخيلة.

بصيت لطارق.

— إيه ده؟

قال:

— أمي كانت بتحوش من مرتبك من غير ما تقولك.

— إزاي؟

— مش من مرتبك كله… من الفلوس اللي كنتي بتديها للبيت.

— قد إيه؟

قالت حماتي:

— على مدار الأربع سنين… حوالي مية وتمانين ألف.

اتسمرت.

— مية وتمانين ألف؟!

— أيوه.

— وإنتي حطاهم فين؟

— في حساب باسمك.

— من غير علمي؟

سكتت. قلت:

— دي فلوس أنا كنت فاكرة إنها بتتصرف على البيت.

قالت:

— جزء منها كان بيتصرف، والباقي كنت بحوشه.

— ليه؟

بكت أكتر.

— عشان كنت عارفة إنك طول عمرك بتساعدي الناس، وكنت خايفة يوم تحتاجي محدش يقف جنبك.

سكت. لأول مرة، ما عرفت أقول حاجة. لكن كان لسه فيه شيء غلط. بصيت للصندوق.

— طب الست اللي فتحت الباب؟

طارق قال:

— دي سلوى.

— عارفة. قالتلي اسمها.

— سلوى واحدة من الستات اللي بتساعدنا.

— والناس اللي كانت هنا؟

— أسر بنساعدها.

— والراجل الكبير؟

— ده عم عبد الحميد. بيكتب أسماء الناس اللي محتاجة.

بصيت له.

— طيب ليه كل سنة في نفس الليلة؟

حماتي مسحت دموعها.

— لأن أبو طارق الله يرحمه كان بيعمل نفس الحاجة.

وقفت.

— إيه؟

قالت:

— أبو طارق قبل ما يموت كان عنده عادة. كل سنة في المولد كان بيجيب أسر محتاجة البيت، ويعمل لهم أكل ويوزع عليهم فلوس وهدوم. كان بيقول إن الفرحة ما تبقاش فرحتنا لوحدنا.

سكتت شوية.

— بعد ما مات، أنا كملت اللي كان بيعمله.

بصيت حواليّ. وفجأة بدأت أفهم ليه البيت كان مليان أكياس. وليه المطبخ كان مليان أكل. وليه الناس كانت موجودة. لكن سؤال واحد فضل جوايا.

— طب ليه ما قلتوش لي؟

حماتي بصت لطارق. وبعدين قالت:

— لأن أول سنة إنتي رجعتي بدري.

افتكرت. أول سنة جواز. فعلاً كنت رجعت من الشغل بدري في ليلة المولد. وكان طارق وقتها متوتر جدًا. لكنهم قالولي إنهم كانوا بيجهزوا مفاجأة.

قالت:

— إنتي دخلتي وقتها، وشوفتي جزء من الناس. ولما عرفتي إننا بنساعد أسر، فضلتي تقولي هاتيلي أسماءهم وأنا أساعدهم بنفسي.

ابتسمت رغمًا عني.

— وأنا كنت هعمل كده.

— عارفة.

قالت:

— بس في نفس السنة، واحدة من الستات اللي كانت بتيجي لنا قالت كلمة قدامك، وقالت إن مرات طارق هي اللي بتدفع كل حاجة.

افتكرت. كنت وقتها فاكرة إن الست بتهزر.

حماتي كملت:

— بعدها خفت. مش عشان منك. عشان كنت عارفة إنك هتفضلي تدفعي وتنسي نفسك.

— يعني إنتي كنتي بتحاولي تحوشي لي؟

— أيوه.

بصيت لطارق.

— وإنت كنت عارف؟

— من تاني سنة.

— وليه كملت الكذبة؟

نزل عينه.

— لأني كل سنة كنت بشوف أمي وهي بتتعب في تجهيز اليوم ده، وكنت عارف إنها بتعمل حاجة أبويا كان بيعملها. وكنت عارف إنك لو عرفتي هتساعديها لحد ما مرتبك كله يروح.

قلت:

— ومين قال إن ده عيب؟

قال:

— مش عيب. بس أنا كنت شايفك بتتعبي أصلًا.

سكت. ثم قال:

— وكنت عايز أخلي فيه حاجة محفوظة ليكي.

بصيت للصندوق. وقتها بدأت أحس إن الغضب اللي جوايا بيتحول لحاجة تانية. لكن فجأة سمعت صوت خبط جامد على باب الشقة. حماتي اتوترت. طارق قام. فتح الباب.

كان فيه رجل في الخمسينات. أول ما شافه، اتغير وش طارق. الرجل دخل من غير استئذان. وبص لي. ثم قال لطارق:

— هي عرفت؟

سألت:

— عرفت إيه؟

الرجل سكت. طارق قال:

— عم فوزي، مش وقته.

رد عليه:

— لأ، وقته دلوقتي.

وبص لي.

— إنتي لازم تعرفي كل حاجة.

بصيت لطارق.

— مين ده؟

قال:

— ده أخو أبويا.

اتوترت. حماتي قالت:

— فوزي… لو سمحت.

لكنه كمل:

— أخويا مات وهو شايل سر كبير.

طارق قرب منه.

— عمي، مش هنا.

— هنا.

وبص لي.

— لأنها مرات ابني.

قعدت.

— اتفضل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى