
وبصيت للناس اللي في البيت.
— بس عايزة أفهم.
واحدة من الستات قامت من مكانها، وبدأت تجمع حاجتها بسرعة. راجل كبير كان قاعد في الركن بص لطارق وبعدين بص لي. وفي وسط كل ده، لاحظت حاجة. على السفرة كان فيه حوالي عشرين كيس صغير. كل كيس عليه اسم.
مديت إيدي ناحية واحد منهم. حماتي جريت ومنعتني.
— سيبيه!
بصيت لإيدها اللي ماسكة إيدي.
— ليه؟
— دي حاجات للناس.
— مين الناس؟
— ناس محتاجة.
ضحكت.
— يعني إيه؟
طارق قال بسرعة:
— زهرة، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.
لفيت له.
— وأنا فاهمة إيه أصلًا؟
سكت. قلت:
— أنا لحد دلوقتي ما اتهمتش حد بحاجة. أنا بس بسأل. إنت قلت إنك في المكتب، وأمك قالتلي خدي شيفت إضافي، وأنا رجعت لقيت بيتي مليان ناس وإنت قاعد بينهم. فين الغلط في إني أسأل؟
ولا حد رد. في اللحظة دي، واحدة من الستات اللي كانت قاعدة قالت:
— إحنا نمشي يا عفاف.
حماتي بصت لها برجاء.
— استني بس.
لكن الست قامت. وقالت لي:
— ربنا يهدي النفوس يا بنتي.
بصيت لها باستغراب.
— حضرتك بتتكلمي عن إيه؟
ما ردتش. خرجت. وبعدها خرج الباقي واحد ورا التاني. الأطفال كانوا بيبصولي بخوف. وأنا واقفة مكاني حاسة إن الأرض نفسها بتتحرك تحتي. لحد ما فضلت أنا وطارق وحماتي والست اللي فتحت الباب والراجل الكبير.
بصيت للست.
— ممكن أعرف اسمك؟
قالت:
— أنا سلوى.
— وسلوى دي قريبة مين؟
بصت لحماتي. حماتي قالت:
— قريبة لينا من ناحية بعيدة.
قلت:
— تمام.
وبعدين بصيت للراجل الكبير.
— وحضرتك؟
قال:
— أنا عم عبد الحميد.
— وبرضه قريب؟
هز راسه.
— أنا كنت جاي عشان موضوع الجمعية.
سألته:
— جمعية إيه؟
قبل ما يرد، طارق قال بعصبية:
— خلاص يا زهرة!
بصيت له.
— خلاص إيه؟
— الناس مشيت، ومفيش داعي تكبري الموضوع.
— أنا بكبر الموضوع؟
— أيوه.
قربت منه.
— أربع سنين كل سنة في نفس الليلة بتمنعني أرجع بيتي، وكل سنة بتقولولي عندكم شغل، وكل سنة بتفضلوا تتأكدوا إني مش راجعة… والنهارده لما رجعت لقيت كل دول هنا، وإنت مش في المكتب. ولسه شايفاني أنا اللي بكبر الموضوع؟
سكت. حماتي قالت:
— يا زهرة اسمعيني.
— اتفضلي.
— اللي بتفكري فيه مش حقيقي.
— أنا لسه ما قلتش أنا بفكر في إيه.
حماتي اتسمرت. عرفت من سكوتها إن الجملة أصابت مكانها. قلت:
— أهو ده اللي مخوفني.
طارق قرب مني.
— إنتي فاكرة إيه؟
— مش عارفة.
وبصيت له في عينه.
— بس عارفة إنكم مخبيين حاجة.
قال:
— أيوه… مخبيين.
الجملة نزلت عليّ كأنها حجر. حماتي شهقت:
— طارق!
رفع إيده.
— كفاية يا أمي.
وبص لي.
— إنتي عايزة تعرفي؟
قلت:
— من أول ما اتجوزتك وأنا نفسي أعرف.
سكت شوية. وبعدين قال:
— تعالي.
مشيت وراه. دخل أوضة النوم. قفل الباب. أنا وقفت قدامه.
— قول.
قعد على طرف السرير، وحط وشه بين إيديه. ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفته مهزوز بالشكل ده. قال:
— قبل ما أقولك… لازم تعرفي إن أمي غلطت.
ضحكت بمرارة.
— غلطت في إيه؟
— إنها خلتك تصدقي إننا بنعمل حاجة من وراكي.
— بس إنتو فعلًا بتعملوا حاجة من ورايا.
رفع عينه.
— أيوه.
قلبي دق بعنف.
— إيه؟
سكت. وبعدين قال:
— إنتي فاكرة إن الليلة دي ليلة احتفال وبس؟
— أمال إيه؟
— من أربع سنين، كل ليلة مولد، أمي بتفتح البيت للناس اللي محتاجة.
استغربت.
— يعني إيه؟
— بتجمع تبرعات طول السنة.
بصيت له.
— تبرعات؟
— أيوه.
— وبتعملوا إيه بيها؟
قال:
— بنوزع أكل وفلوس واحتياجات على أسر كتير.
هزيت راسي.
— طب وأنا ليه ممنوعة أعرف؟
سكت. قلت:
— وليه بتقولولي إنكم مش راجعين؟ وليه بتجبروني أخد شيفت؟ وليه بتكذبوا عليا؟
قال:
— عشان أمي كانت خايفة ترفضي.
— أرفض إيه؟
— إن فلوسك تكون جزء من اللي بنساعد بيه الناس.
اتجمدت.
— فلوسي؟
— أيوه.
— إيه علاقة فلوسي بالموضوع؟
بص للأرض.
— فاكرة لما كنتي بتحولي كل شهر مبلغ صغير لأمي عشان مصاريف البيت؟
— آه.
— المبلغ ده كانت أمي بتحوش منه جزء.
— وبعدين؟
— وبعدين كانت بتضيف عليه من فلوسها ومن فلوسي، وفي ليلة المولد بنشتري بيه حاجات للأسر المحتاجة.
سكت. أنا ما ارتحتش. مش لأن الموضوع وحش. لكن لأن في حاجة ناقصة. قلت:
— لو ده كل الموضوع، كنتوا قلتولي من الأول.
قال:
— أمي كانت شايفة إن لو عرفتي، ممكن تكسفي وتزودي المبلغ.
— وده عيب؟
— هي كانت عايزة الخير يبقى من غير ما تحسي إنك مجبرة.
— فقررتوا تكذبوا عليا أربع سنين؟
ما ردش. قلت:
— وإنت كمان كنت بتكدب عليا.
— أنا كنت خايف.
— من إيه؟
— من إنك تزعلي من أمي.
ضحكت.
— أنا زعلانة منك إنت.
في اللحظة دي سمعت صوت خبط على الباب. كانت حماتي.
— زهرة… افتحي.
طارق فتح. دخلت وهي ماسكة صندوق صغير. حطته قدامي.
— ده سبب كل اللي حصل.
بصيت للصندوق.
— افتحيه.
قالت:
— إنتي افتحيه.
فتحت. لقيت جوه رزم فلوس صغيرة، وإيصالات، وقايمة أسماء. مسكت أول ورقة. كان مكتوب عليها أسماء أسر. أرامل. أطفال. ناس مرضى. وفي آخر الورقة توقيع حماتي.
قلت:
— دي كلها فلوس اتجمعت؟




