
الطبيب قال:
— لا.
ثم سكت.
— لكن؟
الطبيب أخذ نفسًا طويلًا.
— قبل العملية بساعات، كريم كلمني وسألني عن احتمال احتياجها لمضاد معين.
مريم همست:
— ليه؟
الطبيب رد:
— قال لي إنه عايز يتأكد إن الدواء مناسب.
المحقق سأله:
— وهل أخبرته إن المريضة لديها حساسية؟
الطبيب قال:
— أيوه. قلت له إن الحساسية موجودة في الملف.
هنا مريم فهمت إن الحكاية مش مجرد إهمال.
لكن مازال السؤال الأكبر موجود: ليه كان كريم مهتم بالتفاصيل دي أصلًا؟
بعد أسبوع من التحقيق، وصلت لمريم نتيجة المراجعة.
فتحت الظرف.
وقرأت أول صفحة.
ثم الثانية.
وفي الصفحة الثالثة، توقفت.
لأن التحقيق أثبت إن تعديل بيانات الحساسية حصل بالفعل من حساب كريم.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
المفاجأة كانت في سبب دخوله على الملف.
كان فيه طلب إلكتروني قديم، مقدم من كريم قبل دخول مريم المستشفى بأيام.
طلب فيه نقل ملفها إلى قسم معين داخل المستشفى.
والسبب المكتوب في الطلب كان: لأسباب شخصية تتعلق بحالة المريضة.
مريم بصت لنهى.
— هو كان بيخطط لإيه؟
نهى ما ردتش.
لأن في اللحظة نفسها، موبايل مريم رن.
رقم مجهول.
ردت.
جالها صوت رجل هادي:
— مدام مريم؟
— أيوه.
— أنا كنت شغال في إدارة الملفات الطبية في المستشفى.
مريم سكتت.
الرجل قال:
— أنا عندي معلومة لازم تعرفيها قبل الجلسة.
— إيه؟
— ملفك الطبي الأصلي مش هو الملف اللي شوفتيه أول مرة.
قلب مريم وقع.
— يعني إيه؟
— النسخة الأصلية اتعمل لها استرجاع من النظام.
— واسترجاعها أظهر إيه؟
الرجل سكت ثواني.
وبعدين قال:
— أظهر إن فيه ملاحظة اتحذفت.
— إيه الملاحظة؟
— مكتوب فيها إنك قبل دخول العمليات بساعات طلبتي بنفسك إن زوجك مايتدخلش في علاجك.
مريم اتصدمت.
— أنا؟
— أيوه.
— أنا عمري ما قلت كده!
الرجل قال:
— عارف.
— إنت عارف منين؟
قال:
— لأن الملاحظة مكتوبة بصياغة مختلفة عن باقي ملاحظات التمريض.
مريم قامت من مكانها.
— يعني حد كتبها باسمي؟
الرجل رد:
— ده اللي التحقيق لازم يثبته.
وبعدين قال جملة واحدة قبل ما يقفل:
— بس فيه حاجة أهم.
— إيه؟
— الملاحظة اتحطت على ملفك قبل دخولك العمليات بساعة واحدة.
المكالمة انتهت.
مريم فضلت واقفة مكانها.
نهى بصتلها.
— مريم؟
مريم رفعت عينيها وقالت:
— أنا دلوقتي مش بس عايزة أخلع من كريم.
وسكتت.
— أنا عايزة أعرف هو كان بيحاول يحميني من إيه، ولا كان بيحاول يحمّي نفسه من حاجة حصلتلي.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد على موبايلها.
رسالة من رقم مجهول.
كان فيها صورة واحدة فقط.
صورة لكريم واقف قدام غرفة العمليات في نفس الليلة اللي مريم دخلت فيها الجراحة.
لكن اللي شد انتباهها مش وجوده.
كان الشخص الواقف جنبه.
مريم قرّبت الصورة من عينيها.
واتجمدت.
لأن الرجل اللي واقف جنب كريم كان هو نفس الطبيب اللي كتب أمر الدواء اللي سبب لها الأزمة.
ومريم كانت متأكدة إنها شافته قبل كده.
لكن مش في المستشفى.
كانت شافته في مكتب كريم نفسه.
قبل مرضها بأسبوع.
ساعتها فقط فهمت إن خيط القصة كله كان موجود قدامها من البداية.
لكنها كانت بتدور على سبب غياب جوزها عنها.
وما كانتش تعرف إنها على وشك تكتشف إن غيابه عنها كان أقل جزء مخيف في الحكاية.
مريم فضلت باصة للصورة، وإيديها بتترعش.
قالت لنهى:
— أنا عايزة أعرف مين الراجل ده.
نهى قربت الصورة منها.
وبعد ثواني قالت:
— ده دكتور سامح، مش كده؟
مريم هزت راسها.
— أيوه.
— بس إنتِ قولتي إنك شوفتيه في مكتب كريم؟
— أيوه، قبل ما أتعب بأسبوع تقريبًا.
نهى فتحت اللابتوب بسرعة، وبدأت تدور في المستندات اللي جمعوها.
بعد حوالي ساعة، ظهر اسم دكتور سامح في أكتر من مستند.
كان مستشارًا طبيًا في المشروع اللي كريم كان شغال فيه.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما راجعوا سجل التواصل بينه وبين كريم.
كان فيه عشرات المكالمات.
أغلبها في الأسبوع السابق لدخول مريم المستشفى.
نهى قالت:
— لازم نعرف كانوا بيتكلموا في إيه.
وبالفعل، التحقيق الرسمي طلب سجلات العمل والمراسلات المتعلقة بالمشروع.
بعد أيام، ظهرت الحقيقة.
دكتور سامح كان مسؤولًا عن توريد بعض الأدوية المستخدمة في المشروع.
وكان فيه خلاف مالي كبير داخل الشركة المتعاقدة مع المستشفى.
كريم كان اكتشف إن فيه مخالفات في تسجيل بعض الأدوية والكميات.
وكان قد بدأ يجمع مستندات لإبلاغ الإدارة.
لكن قبل ما يعمل كده، اكتشف إن اسم مريم ظهر بالصدفة في مستندات المشروع.
ليه؟
لأن أحد العاملين استخدم رقم ملفها الطبي كرقم مرجعي في طلب دواء.
وده معناه إن بيانات مريم دخلت في الموضوع من غير ما يكون لها أي علاقة.
كريم خاف إن الموضوع يوصل لها أو يستخدم اسمها ضده.
لكن بدل ما يقول لها الحقيقة، عمل أسوأ حاجة ممكن يعملها.
دخل على ملفها بنفسه.
حاول يعدل بيانات مرتبطة بالدواء.
وحاول يخلي وجوده بعيد عن علاجها ما يبانش.
ولما اكتشف إن حالتها دخلت في أزمة فعلًا، خاف أكتر.
فكتب ملاحظة توحي إن مريم لا تريد تدخله في علاجها.
كان بيحاول يحمي نفسه من المسؤولية.
لكن تصرفه نفسه فتح باب تحقيق أكبر.
مريم لما سمعت كل ده، فضلت ساكتة.
نهى قالت:
— يعني هو ماكانش بيكرهك؟
مريم ردت بهدوء:
— يمكن.
— ويمكن كان بيحاول يحمي نفسه.
مريم بصت لها.
— بس في الحالتين هو اختار الكذب.
وده كان أكتر شيء وجعها.
بعد أسبوع، انعقدت جلسة التحقيق النهائية.
كريم كان موجود.
أول ما شاف مريم، حاول يقرب منها.
— مريم، استني.
وقفت.
قال بصوت منخفض:
— أنا كنت بحاول أحميكي.
مريم بصتله طويلًا.
— تحميني؟
— أيوه.
— وإنت حميتني إزاي وإنت سبتني شهر كامل من غير ما تيجي تشوفني؟




