
كريم سكت.
— كنت خايف الموضوع يوصلك.
— فقررت تسيبني لوحدي؟
— كنت مرتبك.
— لا يا كريم.
هزت راسها.
— إنت كنت بتختار نفسك.
الكلمة وقعت عليه كأنها صفعة.
حاول يتكلم.
— أنا غلطت.
مريم ردت:
— غلطتك مش إنك ماعرفتش تحميني.
وسكتت لحظة.
— غلطتك إنك قررت إني مش من حقي أعرف الحقيقة.
في النهاية، انتهى التحقيق بإثبات وجود مخالفات في التعامل مع ملفها وتجاوزات في استخدام النظام، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة بحق المسؤولين عن تلك المخالفات.
أما كريم، فخسر منصبه الإداري داخل المشروع، واضطر لمواجهة التحقيقات المتعلقة بتصرفاته.
لكن مريم؟
كانت قد حسمت قرارها من البداية.
جلسة الخلع تمت.
وبعد فترة، حصلت على حقوقها القانونية، واتقسمت الممتلكات المشتركة بالطريقة القانونية.
خرجت من المحكمة في يوم مشمس.
نهى كانت ماشية جنبها.
وقالت:
— أخيرًا خلصت.
مريم ابتسمت.
— لأ.
نهى بصت لها.
— لأ إيه؟
مريم قالت:
— أنا ماخلصتش.
— أمال؟
بصت للسماء وقالت:
— أنا بدأت.
بعد شهور، رجعت مريم لشغلها.
وبسبب خبرتها في مراجعة الجودة، بدأت تشتغل على مشروع جديد لتحسين أنظمة توثيق الملفات الطبية ومنع التلاعب فيها.
وفي أول يوم لها في مكتبها الجديد، وصلها ظرف.
فتحته.
كان فيه صورة من تقرير قديم.
وفي أسفل الصفحة توقيعها.
مريم فضلت باصة للتوقيع.
وبعدين ضحكت.
لأنها اكتشفت إن التقرير ده كان أول مستند اتزوّر باسمها.
لكن دلوقتي، هي اللي كانت ماسكة الحقيقة كلها.
حطت التقرير في ملف، وقفلت الدرج.
وبصت لنهى وقالت:
— عارفة أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل؟
— إيه؟
مريم ابتسمت:
— إن الإنسان ممكن يخسر ناس كان فاكر إنه عمره ما يقدر يعيش من غيرهم، بس لما يخرج من عندهم، يكتشف إنه كان طول الوقت قادر يعيش.
بعدها بسنة، كانت مريم في المستشفى نفسها.
لكن المرة دي مش مريضة.
كانت بتقدم تدريبًا لمجموعة من العاملين عن أخطاء توثيق الملفات الطبية.
وفي آخر المحاضرة، واحدة من المتدربات سألتها:
— هو حضرتك اخترتي المجال ده ليه؟
مريم سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— عشان في يوم من الأيام، ملف طبي اتكتب فيه كلام مش حقيقي عني.
— وإيه اللي حصل؟
ابتسمت مريم وقالت:
— اتعلمت إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكن لازم تسيب وراها أثر.
خرجت من القاعة.
عدت قدام باب غرفة كانت قعدت فيها شهر بين الحياة والموت.
وقفت لحظة.
لمست مقبض الباب.
وبعدين سحبته.
لكنها ما دخلتش.
كملت طريقها.
لأن المكان اللي شهد أسوأ شهر في حياتها، ما بقاش له أي سلطة عليها.
وفي آخر اليوم، وهي راجعة بيتها، فتحت شنطتها.
لقيت دبلة جوازها القديمة.
فضلت تبص لها شوية.
وبعدين حطتها في صندوق صغير، وقفلت عليه.
مش لأنها لسه بتحبه.
ومش لأنها عايزة تفتكر الوجع.
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الحاجات لازم تتحط في مكانها الصحيح: الماضي.
ركبت عربيتها.
ابتسمت لنفسها.
ودارت المحرك.
المرة دي، ماكانش فيه مستشفى مستنياها.
ولا زوج مستني اعتذار.
ولا ملف مخبي سر.
كان فيه طريق جديد بس.
وطريقها كان لسه بيبدأ.




