
قال:
«أيوه طبعًا.»
سألته:
«حضرتك قلت لأحمد إن سليم محتاج يخس؟»
صمت ثواني.
وبعدين قال:
«لا.»
بصيت لأحمد.
قلت:
«قالك؟»
الدكتور كمل:
«أنا كنت قايل إن وزنه محتاج متابعة فقط وإن الأهم في سنه هو النمو الصحي وعدم استخدام الحمية القاسية.»
قفلت المكالمة.
بصيت لأحمد.
«إنت كذبت عليا.»
قال:
«أنا ما كنتش أقصد…»
«كذبت عليا.»
سكت.
«واستخدمت كلام الدكتور عشان تبرر اللي عملته.»
قال:
«كنت خايف.»
«الخوف مش مبرر إنك تأذي ابنك.»
بدأ يعيط.
أول مرة أشوف أحمد بالشكل ده.
قال:
«أنا غلطت.»
قلت:
«أيوه.»
«أنا مستعد أصلح كل حاجة.»
قلت:
«إنت مش هتصلحها بكلمتين.»
سألني:
«هتسيبيني؟»
ما جاوبتش.
لأن السؤال ده ما كانش أهم حاجة وقتها.
الأهم كان سليم.
دخلت أوضته.
كان قاعد على السرير وبيمسك عربية لعبة.
أول ما شافني ابتسم.
«ماما.»
قعدت جنبه.
«حبيبي.»
بصلي.
«بابا زعلان؟»
حطيت إيدي على شعره.
«بابا محتاج يتعلم حاجة مهمة.»
سأل:
«إيه؟»
«إنك مش لازم تخاف من حد عشان تسمع كلامه.»
بصلي باستغراب.
قلت:
«ولو حد قالك تعمل حاجة بتوجعك أو تخوفك لازم تقول لماما.»
قال:
«حتى لو تيتا؟»
بلعت دموعي.
«حتى لو أي حد.»
سكت.
وبعدين قال:
«أنا كنت فاكر لو قلتلك هتزعقيلي.»
حضنته.
«أنا عمري ما هزعل منك عشان قلتلي الحقيقة.»
فضل ساكت في حضني.
وبعدين همس:
«أنا كنت جعان قوي يا ماما.»
الجملة دي كسرتني.
حضنته أكتر.
وقلت:
«من النهارده لما تجوع هتاكل.»
سألني:
«حتى لو بسكوت؟»
ابتسمت رغم دموعي.
«حتى لو نفسك في بسكوت.»
ضحك ضحكة صغيرة.
لكن الضحكة دي كانت أول مرة أحس إن ابني رجع لي.
—
تاني يوم الصبح بدأنا الإجراءات الطبية.
مش بس عشان العلامات.
لكن عشان نتأكد إن اللي حصل ما سببش له مشكلة تانية.
الدكتور سأله أسئلة بسيطة.
وسليم كان بيرد.
ولما الدكتور سأله:
«مين كان بيقولك ما تاكلش؟»
سليم بص لي.
أنا ما اتدخلتش.
قال:
«تيتا.»
الدكتور ما ضغطش عليه.
وسأله:
«كانت بتعمل إيه؟»
قال:
«بتقولي لو كلت هكبر.»
وبعدين سكت.
الدكتور قال:
«خلاص كفاية.»
وبص لنا.
«مهم جدًا ما نخليش الطفل يعيد التفاصيل كتير.»
هزيت رأسي.
بعد الكشف خرجنا.
أحمد كان مستنينا.
قال:
«الدكتور قال إيه؟»
قلت:
«قال إننا لازم نحافظ على أمان سليم النفسي والجسدي.»
أحمد هز رأسه.
«أنا موافق.»
قلت:
«ومش أنت اللي هتحدد إيه اللي يحصل بعد كده.»
سكت.
لأن الحقيقة كانت واضحة.
الثقة اتكسرت.
ومش هترجع بكلمتين.
—
بعد يومين اتصلت نادية.
ما كنتش عايزة أرد.
لكن رديت.
قالت:
«أنا عايزة أشوف سليم.»
قلت:
«مش دلوقتي.»
قالت:
«أنا أمه التانية.»
قلت:
«لا.»
سكتت.
وبعدين قالت:
«مريم أنا ندمت.»
قلت:
«الندم مهم.»
قالت:
«يعني هتسامحيني؟»
قلت:
«المسامحة حاجة.»
«وإن الطفل يبقى آمن حاجة تانية.»
سكتت.
وبعدين قالت:
«أنا مستعدة أقول الحقيقة كلها.»
قلت:
«لما ييجي وقتها.»
قفلت.
لكن بعدها بدقايق جالي واتساب.
رسالة من رقم نادية.
كانت صورة.
فتحتها.
كانت صورة لورقة قديمة.
في أسفلها توقيع أحمد.
وتاريخ من حوالي سنة.
قرأت السطر.
واتجمدت.
كان مكتوب:
«أوافق على متابعة وزن الطفل وفق التعليمات المتفق عليها مع والدته وجدته.»
لكن تحت الجملة كان فيه شيء إضافي مكتوب بخط اليد.
«ويُسمح باتخاذ إجراءات صارمة عند رفض الطفل.»
بصيت للصورة مرة تانية.
مين كتب الجملة دي؟
أحمد؟
نادية؟
ولا حد تالت؟
اتصلت بنادية فورًا.
قالت:
«شفتيها؟»
«مين كتب آخر سطر؟»
سكتت.
«نادية!»
قالت:
«مش أحمد.»
قلبي دق بسرعة.
«مين؟»
قالت:
«الشخص اللي كان بيتابع سليم زمان.»
«الدكتور؟»
«لا.»
«مين؟»
قالت:
«واحدة كانت بتيجي البيت.»
سألت:
«مين؟»
قالت:
«أخصائية تخسيس.»
سكت.
«إنتي جايبة أخصائية تخسيس لطفل عنده خمس سنين؟»
قالت:
«هي اللي قالت لأحمد إن لازم نسيطر على أكله بدري.»
«اسمها إيه؟»
قالت الاسم.
وساعتها افتكرت.
أنا أعرفها.
كانت واحدة بتشتغل مع نادي رياضي قريب من بيتنا.
وكانت قابلت أحمد مرة.
لكن ليه؟
—
واجهت أحمد.
قلت له الاسم.
وشه اصفر.
«مين دي؟»
قال:
«ما أعرفهاش.»
قلت:
«أمي قالت إنها كانت بتيجي البيت.»
قال:
«أمي بتكدب.»
«يبقى مين اللي كتب الورقة؟»
سكت.
قلت:
«أحمد.»
قال:
«أنا هقولك.»
قعد.
وقال:
«أنا قابلتها فعلًا.»
«إمتى؟»
«من حوالي سنة.»
«ليه؟»
«كنت بدور على طريقة أساعد بيها سليم.»
«من غير ما تسألني؟»
هز رأسه.
«أيوه.»
«وبعدين؟»
قال:
«قالتلي إن الأطفال اللي وزنهم بيزيد لازم يتعودوا من بدري على تقليل الأكل.»
«وصدقتها؟»
«للأسف.»
«وجبتها البيت؟»
قال:
«مرة واحدة.»
«ليه؟»
«عشان تشوف سليم.»
«وشافته؟»
«أيوه.»
«وقالت إيه؟»
سكت.
وبعدين قال:
«قالت إنه محتاج يتابع أكله.»
«بس؟»
«بس.»
قلت:
«والورقة؟»
قال:
«أنا مضيت على الجزء الأول.»
«والجملة الأخيرة؟»
«ما كتبتهاش.»
«يبقى مين كتبها؟»
سكت.
وأنا فجأة حسيت إن القصة لسه ما خلصتش.
لأن نادية ما كانتش وحدها.
وأحمد ما كانش وحده.
كان فيه شخص دخل حياة ابني من غير علمي.
وترك وراءه ورقة.
تعليمات.
وخوف.
وأنا لازم أعرف الحقيقة.
—
بدأت أدور في أوراق أحمد القديمة.
مش عشان أفتش وراه.
لكن عشان الورقة كانت دليل إن فيه حاجة حصلت من ورايا.
لقيت ملف.
جواه إيصالات.
مواعيد.
ورقة من النادي.
ورسالة بريد إلكتروني مطبوعة.
في الرسالة كان أحمد بيسأل عن برنامج لإنقاص وزن الأطفال.
وفي الرد كانت فيه عبارة:
«لازم الأسرة كلها تلتزم حتى لو الطفل رفض في البداية.»
تحتها ملاحظة بخط أحمد:
«هحاول.»
قفلت الملف.
حسيت إني كنت عايشة مع شخص مختلف.
مش لأن أحمد كان وحشًا من البداية.
لكن لأنه سمح لخوفه يتحول لقرارات غلط.
وسمح لأمه تتدخل.
وسمح لطفل صغير يدفع الثمن.
—
بعد أسبوع جلسنا أنا وأحمد قدام مستشار أسري.
مش عشان نرجع لبعض بأي شكل.
لكن عشان نفهم إزاي حصل ده.
المستشار قال:
«الموضوع الأساسي مش الوزن.»
بص لأحمد.
«الموضوع إن الطفل اتعلم إن الأكل شيء يخوف.»
وبص لي.
«وكمان اتعلم إن الكبار ممكن يطلبوا منه يخبي أسرار عن أمه.»
قال أحمد:
«أنا ما طلبتش منه يخبي.»
قلت:
«لكن وجود السر حصل بسببك.»
سكت.
المستشار قال:
«سليم محتاج يسمع منكم جملة واحدة باستمرار.»
بصيت له.
قال:
«إن جسمه مش سبب للعقاب.»
رجعنا البيت.
وفي نفس الليلة دخل أحمد أوضة سليم.
قعد على الأرض جنبه.
وقال:
«أنا عايز أقولك حاجة يا سليم.»
الولد بص له.
«إيه؟»
أحمد قال:
«بابا غلط.»
سليم سكت.
«أنا كنت فاكر إني بحميك.»
سليم قال:
«بس أنا كنت بخاف.»
أحمد دمعت عينه.
«عارف.»
«كنت بخاف من تيتا.»
أحمد سكت.
«وكنت بخاف تقول لماما.»
أحمد بصلي.
وبعدين رجع لسليم.
«وماما عمرها ما هتزعقلك عشان تقول الحقيقة.»
سليم قرب منه.
وبعد لحظة حضنه.
لكن أنا لاحظت إن الحضن كان مختلف.
سليم حضن أبوه.
لكن بحذر.
والحذر ده ما بيتشالش في يوم.
—
مر شهر.
سليم بدأ يرجع لطبيعته.
بقى يطلب الأكل من غير ما يبص على وشي.
وبقى ياكل الحلو من غير ما يسأل:
«هو ده هيخليني أكبر؟»
وفي يوم كنت بعمل له سندوتش.
دخل المطبخ وقال:
«ماما.»
«نعم؟»
«أنا عايز اتنين.»
ضحكت.
«اتنين إيه؟»
«اتنين سندوتش.»
قلت:
«حاضر.»
ابتسم.
وبعدين قال:
«ممكن كمان بسكوتة؟»
قلت:
«ممكن.»
ضحك.
الجملة كانت بسيطة.
لكن بالنسبة لي كانت انتصارًا صغيرًا.
مش على نادية.
ولا على أحمد.
على الخوف اللي دخل قلب ابني.
—
لكن في نفس الأسبوع جالي اتصال.
من رقم غريب.
رديت.
صوت ست قال:
«حضرتك والدة سليم؟»
قلت:
«أيوه.»
قالت:
«أنا محتاجة أقابلك.»
«مين حضرتك؟»
قالت اسمها.
نفس الاسم اللي كان مكتوب في الملف.
الأخصائية.
قلت:
«خير؟»
قالت:
«أنا عرفت إن حضرتك عرفتي بالموضوع.»
«أي موضوع؟»
«اللي حصل مع سليم.»
قلت:
«إنتي كنتي عارفة؟»
قالت:
«مش بالشكل اللي حصل.»
«إنتي كتبتي الجملة الموجودة في الورقة؟»
سكتت.
«جاوبيني.»
قالت:
«أيوه.»
اتصدمت.
«ليه؟»
قالت:
«لأني كنت غلطانة.»
«غلطانة إزاي؟»
قالت:
«أنا اتعلمت بعدها إن الطريقة دي غير صحيحة.»
«وبعدين؟»
قالت:
«أنا حاولت أكلم أحمد.»
«إمتى؟»
«من شهور.»
«وقالك إيه؟»
قالت:
«قاللي إن كل شيء تحت السيطرة.»
سكت.
«ليه ما كلمتينيش؟»
قالت:
«لأني ما كنتش أعرف إن الوضع وصل للدرجة دي.»
سألتها:
«وعايزة تقابليني ليه؟»
قالت:
«عشان أديكي حاجة.»
«إيه؟»
قالت:
«نسخة من الرسائل اللي كانت بيني وبين أحمد.»
—
قابلتها في مكان عام.
وأول ما قعدنا أخرجت ملفًا صغيرًا.
وقالت:
«أنا مش جاية أبرر.»
فتحت الملف.
كانت فيه رسائل.
واحدة منهم من أحمد:
«مريم مش هتوافق على أي نظام غذائي لسليم.»
وردها:
«يبقى لازم الأسرة التانية تساعدك.»
قلبي انقبض.
رسالة تانية من أحمد:
«أمي ممكن تتولى الموضوع.»
وردها:
«المهم الالتزام وعدم الاستسلام لبكاء الطفل.»
قفلت الملف.
بصيت لها.
«إنتي فاهمة إن الكلام ده ممكن يكون سبب في اللي حصل؟»
قالت:
«عشان كده أنا جيتلك.»
«ليه دلوقتي؟»
قالت:
«لأني سمعت إنه اتأذى.»
سألت:
«من مين؟»
قالت:
«من جدته.»
«إنتي متأكدة؟»
قالت:
«أحمد قاللي إن أمه هتساعده.»
سكت.
وقلت:
«أنا هاحتفظ بالرسائل.»
قالت:
«ده حقك.»
قمت.
لكن قبل ما أمشي قالت:
«في حاجة لازم تعرفيها.»
بصيت لها.
«إيه؟»
قالت:
«أحمد ما كانش عايز سليم يخس بس.»
«أمال كان عايز إيه؟»
قالت:
«كان عايز يثبت لك إن طريقته في التربية صح.»
اتجمدت.
«يعني إيه؟»
قالت:
«كان شايف إنك بتدلعّي سليم.»
سكت.
«وكان بيقول إنك مش هتتغيري غير لما تشوفي النتيجة.»
رجعت البيت وأنا حاسة إني مش قادرة أفكر.
واجهت أحمد بالرسائل.
المرة دي ما أنكرش.
قال:
«أنا كنت غلطان.»
قلت:
«إنت ما كنتش بتربي سليم.»
سكت.
«إنت كنت بتحاول تثبت إنك صح.»
قال:
«أيوه.»
«حتى لو على حسابه.»
«أيوه.»
«ليه؟»
قال:
«كنت شايف إنك مش سامعاني.»
قلت:
«كان ممكن تتكلم معايا.»
«خفت.»
«من إيه؟»
قال:
«خفت أكون أب فاشل.»
بصيت له.
«فحولت خوفك على نفسك لخوف عند ابنك.»
ما ردش.
—
في اليوم التالي أخذنا قرارًا واضحًا.
سليم مش هيروح بيت نادية في الوقت الحالي.
ولا هي هتشوفه لوحدها.
وأحمد مش هيكون مسؤول عن أي قرار يخص أكله أو وزنه من غير اتفاق واضح معايا والطبيب.
والأهم…
ما حدش هيستخدم جسم سليم كوسيلة للعقاب أو السخرية أو الضغط.
لكن كنت عارفة إن القصة مش هتخلص بمجرد وضع القواعد.
لأن الطفل ممكن ينسى الكلام.
لكن الجسم والذاكرة أحيانًا بياخدوا وقت أطول.
—
بعد شهرين كان سليم بيلعب في الحديقة.
كنت قاعدة أراقبه.
أحمد كان واقف بعيد.
سليم جري ناحيتي.
«ماما!»
«نعم؟»
«أنا وقعت.»
«اتعورت؟»
هز رأسه.
«لا.»
وبعدين ابتسم.
«بس بصي!»
ورفع إيده.
كان ماسك بسكوتة.
ضحكت.
«إيه ده؟»
قال:
«خالو جابهالي.»
ضحكت.
«صحة وهنا.»
بص لي باستغراب.
«مش هتزعقي؟»
قربته مني.
«لأ.»
قال:
«حتى لو أكلتها كلها؟»
«حتى لو أكلتها كلها.»
ضحك وجري.
وأنا بصيت لأحمد.
كان واقف ساكت.
قلت له:
«شايف؟»
قال:
«شايف.»
«هو محتاج يحس إن البيت أمان.»
قال:
«عارف.»
—
أما نادية…
فبعد فترة طويلة بعثت رسالة.
كانت قصيرة.
قالت فيها إنها بدأت جلسات علاجية وتربية أسرية وإنها فهمت حجم الخطأ.
ما رديتش وقتها.
بعد أسبوع بعتت تاني.
«أنا مش بطلب أشوف سليم. بس عايزة أقوله إني آسفة.»
قريت الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين عرضتها على أحمد.
قال:
«القرار ليكي.»
قلت:
«مش ليا.»
بص لي.
«لمريم؟»
قلت:
«لا.»
«لمين؟»
قلت:
«لسليم لما يكبر شوية ويكون قادر يفهم ويختار.»
سكت.
وأنا لأول مرة حسيت إن القرار ده هو الصح.
مش كل اعتذار لازم يتبعه دخول مباشر لحياة الطفل.
ومش كل علاقة عائلية لازم تستمر بنفس الشكل لمجرد إنها عائلية.
الأمان الأول.
وبعده كل شيء.
—
بعد ست شهور…
كان سليم في المدرسة.
وفي يوم رجع وهو شايل ورقة رسم.
قال:
«ماما شوفي.»
كانت رسمة بيت.
أنا وهو وأحمد.
وثلاثة أشخاص.
قلت:
«مين دول؟»
قال:
«إحنا.»
«طب ليه رسمت باب كبير؟»
قال:
«عشان البيت عندنا بابه بيتقفل.»
ضحكت.
«ليه؟»
قال:
«عشان محدش يدخل غير لما نخبط.»
وقتها فهمت إن الرسمة مش مجرد رسمة.
كانت طريقته في التعبير عن حاجة اتعلمها.
البيت مكان له حدود.
والطفل له حق يقول لأ.
وله حق يحكي.
وله حق يطلب المساعدة.
وله حق ياكل لما يجوع.
وله حق يعيش من غير ما يخاف من جسمه.
حضنته.
وقلت:
«أنا فخورة بيك.»
قال:
«أنا كمان فخور بنفسي.»
ضحكت.
«مين علمك تقول كده؟»
قال:
«المستر.»
ابتسمت.
وبعدين قرب من ودني وهمس:
«ماما.»
«نعم؟»
«أنا لسه فاكر الكيس.»
قلبي وجعني.
لكن ما بينتش.
قلت:
«فاكره؟»
هز رأسه.
«بس مش بخاف منه زي الأول.»
سألته:
«ليه؟»
قال:
«عشان إنتي عرفتي.»
حضنته بقوة.
وفي اللحظة دي عرفت إن دي كانت أهم جملة قالها من يوم ما رجع من عند جدته.
مش لأنه نسي.
لكن لأنه عرف إن السر لما يخرج للنور ما يبقاش أقوى منه.
—
بعد سنة كاملة كان سليم أكبر شوية.
وفي يوم كنا قاعدين على السفرة.
أحمد كان بيحط الأكل.
سليم قال:
«بابا.»
«نعم يا بطل؟»
«أنا عايز أقولك حاجة.»
أحمد ابتسم.
«قول.»
سليم قال:
«أنا بحب لما بتقعد تاكل معايا.»
أحمد سكت.
وبعدين قال:
«وأنا بحب آكل معاك.»
سليم ضحك.
«بس أنا هاكل أسرع منك.»
أحمد ضحك.
«اتفقنا.»
وأنا كنت بتفرج عليهم.
مش لأن كل شيء رجع زي الأول.
لأ.
في حاجات ما بترجعش زي الأول.
الثقة اتكسرت واتصلحت جزء جزء.
وأحمد اتعلم إن الأبوة مش سيطرة.
ونادية اتعلمت إن الجدة مش من حقها تستبدل دور الأب والأم.
وسليم اتعلم إن صوته مسموع.
وأنا اتعلمت حاجة عمري ما هنساهـا.
إن الطفل أحيانًا ما يعرفش يقول:
«أنا بتأذى.»
لكنه يقولها بطرق تانية.
في سكوته.
في خوفه.
في تغير نومه.
في أكله.
في جملة صغيرة يقولها وهو بيبص في الأرض:
«أنا وعدتها إني مش هقولك.»
وأحيانًا الجملة دي تكون إنذار.
مش سر.
—
بعد فترة رجعت نادية تبعت رسالة.
المرة دي ما كانتش بتطلب تشوفه.
كانت بتقول:
«أنا عارفة إن اللي عملته مش هيتصلح في يوم. بس لما سليم يبقى جاهز أنا مستعدة أعتذر له قدامك.»
قرأت الرسالة.
وما رديتش فورًا.
بصيت لسليم.
كان بيلعب بعربياته.
سألته:
«حبيبي لو في يوم تيتا قالتلك إنها عايزة تعتذرلك هتعمل إيه؟»
رفع عينه.
فكر شوية.
وقال:
«هسمعها.»
سألته:
«وبعدين؟»
قال:
«هقول لها أنا مش بحب الكيس.»
ضحكت رغم إن عيني دمعت.
قلت:
«بس؟»
قال:
«وهقول لها أنا بحب البسكوت.»
ضحكت.
«خلاص.»
رجع يلعب.
وأنا مسكت موبايلي.
كتبت لنادية:فتحت الورقة بإيد مرتعشة.
كانت ورقة من ملف طبي قديم.
في أولها اسم سليم كاملًا.
وتحت الاسم تاريخ ميلاده.
وتاريخ الكشف.
لكن اللي شد عيني فعلًا كان سطر مكتوب بخط دكتور واضح:
«يُمنع منعًا باتًا إخضاع الطفل لأي حمية قاسية أو إجباره على فقدان الوزن أو تعريضه للحرارة أو التعرق بغرض إنقاص الوزن.»
رفعت عيني لنادية.
قلت:
«إيه ده؟»
قالت وهي بتبصلي:
«اقري الباقي.»
رجعت عيني للورقة.
كان فيه كلام عن إن سليم كان وقتها عنده مشكلة بسيطة في الأكل والنوم بعد مرض شديد مر بيه وهو صغير.
وفي آخر الورقة كان فيه تنبيه مكتوب بخط عريض:
«أي محاولة لتقليل الطعام أو إجبار الطفل على ممارسة مجهود بهدف إنقاص وزنه دون إشراف طبي قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة.»
حسيت إن قلبي بيخبط.
رفعت الورقة في وشها.
«إنتي كنتي عارفة الكلام ده؟»
قالت:
«أيوه.»
«ومع ذلك عملتي اللي عملتيه؟»
نادية سكتت.
قلت:
«مين جابلك الورقة دي؟»
ردت:
«أحمد.»
كلمة واحدة.
لكنها كانت كفاية عشان الدنيا تلف بيا.
رجعت خطوة لورا.
«أحمد؟»
هزت رأسها.
«هو اللي جابهالي من زمان.»
«ليه؟»
نادية بصت للأرض.
وبعدين قالت:
«لأنه كان خايف.»
«خايف من إيه؟»
سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت:
«من إنك تعرفي إن سليم مش زي باقي الأطفال.»
عقدت حواجبي.
«يعني إيه مش زي باقي الأطفال؟»
قالت:
«أحمد كان شايف إنك بتدلعيه زيادة وإنك مش بتسمعي الكلام.»
ضحكت من الصدمة.
«دلوقتي أنا اللي بدلع ابني؟»
قالت:
«هو كان مقتنع إنك لو فضلتي تأكليه كل اللي نفسه فيه هتضريه.»
صرخت:
«وإيه علاقة ده بالحزام؟»
نادية ما ردتش.
قلت:
«إنتي قلتي إن أحمد طلب منك تربيه بالطريقة دي.»
«أيوه.»
«يعني هو قالك تضربيه؟»
نادية هزت رأسها ببطء.
«هو قاللي إن سليم لازم يخاف من الأكل.»
وقفت مكاني.
مش قادرة أستوعب.
«يخاف من الأكل؟»
قالت:
«كان شايف إن خوفه من زيادة الوزن أهم من أي حاجة تانية.»
بصيت لها كأني شايفة واحدة غريبة قدامي.
دي نفس الست اللي كنت بسيب ابني عندها وأنا مطمنة.
نفس الست اللي كانت بتقولي:
«ده عندي زي ابني.»
نفس الست اللي كنت ببعت لها هدومه وأكله وأدوية البرد بتاعته.
وفجأة فهمت حاجة.
أنا طول الفترة اللي فاتت كنت مركزة مع نادية.
لكن يمكن أحمد كان هو البداية.
قلت:
«هو قالك تعملي إيه بالضبط؟»
قالت:
«في الأول كان بيقول لي أمنعي عنه الحلويات.»
«وبعدين؟»
«وبعدين قاللي لو طلب أكل بين الوجبات ما أديهوش.»
«وبعدين؟»
نادية سكتت.
«وبعدين قاللي خليه يتحرك كتير.»
«يعني إيه يتحرك كتير؟»
«يمشي في البيت.»
«وبعدين؟»
ما ردتش.
صرخت:
«وبعدين يا نادية؟»
قالت:
«لما لقيته مش بيخس بسرعة قاللي أخليه يعرق.»
بصيت لها.
«إزاي؟»
نادية بلعت ريقها.
«في الأول كنت بخليه يلبس هدوم تقيلة.»
غمضت عيني.
«وبعدين؟»
«وبعدين الكيس.»
فتحت عيني وبصيت لها.
«والحزام؟»
قالت:
«الحزام كان لما يعاند.»
«يعاند في إيه؟»
قالت:
«لما يطلب أكل.»
حسيت إن جسمي كله برد.
«إنتي كنتي بتضربي طفل عشان جعان؟»
قالت:
«ما كنتش بقصد أأذيه.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
«الكلام ده بتقوليه لنفسك؟»
سكتت.
أنا ما قدرتش أكمل.
لفيت ناحية الباب.
لكن قبل ما أخرج سمعتها بتقول:
«استني.»
وقفت.
قالت:
«إنتي لسه ما عرفتيش كل حاجة.»
بصيت لها.
«إيه تاني؟»
مدت إيدها ناحية الدرج.
«في حاجة تانية.»
«إيه؟»
قالت:
«فيديوهات.»
جسمي اتشد.
«فيديوهات إيه؟»
«أنا كنت بصور سليم أوقات.»
اتصدمت.
«ليه؟»
«عشان أبعتها لأحمد.»
«إنتي بتصوري ابني وهو بيتعاقب؟»
قالت بسرعة:
«مش كده.»
«أمال إيه؟»
«كان بيطلب مني أثبت له إني ملتزمة بتعليماته.»
حسيت إني هنهار.
مدت إيدها لموبايل قديم.
وقالت:
«الفيديوهات لسه عندي.»
مدت الموبايل ناحيتي.
لكن قبل ما آخده موبايلي رن.
كان أحمد.
بصيت للشاشة.
وبعدين بصيت لنادية.
قالت:
«ما ترديش.»
قلت:
«ليه؟»
قالت:
«لأنه هيعرف إني قلتلك.»
رديت.
«ألو؟»
صوته جه متوتر.
«إنتي فين؟»
«في بيت أمك.»
سكت.
قلت:
«إنت عارف أنا لقيت إيه؟»
قال:
«ارجعي البيت.»
«جاوبني الأول.»
«مريم…»
«أنا مش جاية أتشاجر معاك يا أحمد.»
سكت.
قلت:
«بس عايزة أعرف الحقيقة.»
قال بصوت منخفض:
«أي حقيقة؟»
قلت:
«إنك كنت عارف.»
سكت تمامًا.
ولا قال كلمة.
فقلت:
«كنت عارف إن سليم بيتضرب؟»
صوته اتغير.
«مين قالك؟»
ضحكت بمرارة.
«يعني صح.»
«مريم اسمعيني…»
قاطعته:
«كنت عارف إن أمك بتلبسه كيس؟»
سكت.
«كنت عارف إنها بتمنع عنه الأكل؟»
سكت.
«كنت عارف إنها بتضربه؟»
الصمت اللي حصل بعدها كان أقسى من أي اعتراف.
وبعدين قال:
«أنا ما كنتش عارف إنها وصلت للدرجة دي.»
صرخت:
«بس كنت عارف إنها بتعاقبه!»
قال:
«كنت فاكر إنها بتخليه يسمع الكلام.»
«والحزام؟»
«ما كنتش عارف عن الحزام.»
بصيت لنادية.
كانت واقفة قدامي ومش بتتكلم.
قلت لأحمد:
«أمك قالتلي إنك كنت بتطلب منها تخليه يخاف من الأكل.»
قال بسرعة:
«أنا كنت خايف عليه.»
«خايف عليه؟»
«أيوه.»
«فقررت تخليه يخاف من الأكل؟»
«أنا غلطت.»
الكلمة وقعت عليا.
غلطت.
ببساطة.
كأن اللي حصل كان مجرد قرار غلط في يوم عادي.
قلت:
«سليم كان بيثق فيك.»
قال:
«عارف.»
«وكان بيروح عند جدته عشان يحس بالأمان.»
سكت.
قلت:
«إنت عارف هو قال لي إيه لما رجع؟»
«إيه؟»
«قال لي: ماما أنا وعدتها إني مش هقولك.»
صوته انكسر.
«أنا ما طلبتش منه يخبي.»
«بس أنت خليته يخاف.»
ما ردش.
قلت:
«أنا راجعة البيت.»
قال بسرعة:
«مريم استني.»



