
الساعة كانت عشرة وسبعة وأربعين دقيقة بالليل في ليلة من ليالي أكتوبر العاصفة. بنتي اللي عندها خمس سنين دخلت مكتب أخطر زعيم مافيا في لونج آيلاند وطلبت منه تستعير كلب الحراسة الشرس اللي وزنه حوالي خمسة وأربعين كيلو.
ولما سألها عايزاه ليه همست وقالتله:
ـ عشان الراجل اللي بيخبط على شباكي مش بييجي غير لما ماما تكون في الشغل لوقت متأخر.
ولما عرفت اللي بنتي قالته كانت حاجة بدأت تتحرك بالفعل جوه حيطان القصر.
رجعت من شيفتي وأنا غرقانة من المطر لدرجة إن الميه كانت بتقطر من هدومي وجزمتي بتعمل صوت وهي بتخبط في أرضية الكوخ الصغير اللي عايشين فيه.
لكن أول ما وقفت عند باب أوضة بنتي اتجمدت مكاني ومقدرتش أصدق اللي عيني شايفاه.
برونو، كلب الحراسة الأسود الضخم بتاع دانتي موريتي من فصيلة كاني كورسو، كان مفرود على سرير صوفي الصغير. خطمه اللي مليان ندوب كان مستريح جنب بطنها، وهي نايمة وحاضنة رقبته السميكة بدراعيها الاتنين.
برونو كان ملك دانتي، وكل اللي عايشين في القصر كانوا عارفين إن الكلب ده مبيسمعش كلام أي حد غيره.
همست وأنا بقرب من السرير:
ـ صوفي؟
فتحت عينيها بنعاس وقالت:
ـ ماما؟
بصيت للكلب وبعدين بصيت لها وسألتها:
ـ إيه اللي جاب كلب مستر موريتي على سريرك يا حبيبتي؟
ردت بكل بساطة:
ـ أنا استعرته.
بصيت لها بذهول وقلت:
ـ إنتِ عملتي إيه؟
قالت وهي بتبتسم:
ـ هو وافق.
بقالّي تلات سنين بشتغل عند عيلة موريتي وعايشة على قاعدة واحدة بس، وهي إني أفضل بعيدة عن الأنظار.
كنت بنضف القصر الضخم بتاعهم، وأبعد عن الأوض المقفولة بالمفتاح، وأتجاهل الزوار اللي بييجوا بعد نص الليل، وأحاول بكل طاقتي أبعد صوفي عن عالمهم الخطير.
جوزي ميجيل اتقتل قدام مخبز في بروكلين، وقت ما كانت صوفي لسه مكملتش سنتين.
الشرطة قالت إن اللي حصل كان حادث مأساوي بسبب تشابه في الهويات، وإن جوزي اتقتل بالغلط بدل شخص تاني.
وساعتها كان كل اللي فاضل في حسابي البنكي تلاتة وتسعين دولار بس، وكنت مرعوبة لدرجة إني مقدرتش حتى أسألهم أسئلة أكتر عن اللي حصل.
بعد جنازته بتلات أيام، ظهرت قدامي تيريزا، والدة دانتي موريتي، وعرضت عليا شغل عندهم وتأمين صحي وكوخ صغير أعيش فيه أنا وبنتي جوه أرض القصر.
وافقت على طول، رغم إني عمري ما فهمت هي عرفت إزاي بموت ميجيل بالسرعة دي.
دلوقتي كنت قاعدة جنب صوفي وقلبي بيدق بعنف.
سألتها بهدوء:
ـ حبيبتي، إنتِ طلبتي برونو من مستر موريتي ليه؟
ردت وهي بتضم الكلب أكتر:
ـ عشان كنت خايفة.
حسيت بقلبي بينقبض وسألتها:
ـ خايفة من إيه يا روحي؟
همست:
ـ من الخبط.
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي:
ـ خبط إيه؟
رفعت صباعها الصغير وخبطت بيه على لوح السرير اللي ورا راسها.
تك.
تك.
تك.
وقالت:
ـ تلات خبطات يا ماما. كل مرة نفس العدد.
حسيت إن نفسي بدأ يضيق وأنا بسألها:
ـ بقاله كام ليلة بيحصل كده؟
ردت بكل هدوء:
ـ ست ليالي.
ست ليالي وأنا برجع متأخر من الشغل عشان كنت بجهز للعشا السنوي الكبير بتاع عيلة موريتي، الحفلة الفخمة اللي كان المفروض يحضرها حوالي خمسين شخص من أصحاب النفوذ والسلطة.
وفي كل ليلة من الليالي دي، كنت بسيب صوفي نايمة في الكوخ بتاعنا وأنا مطمنة إن وجودنا جوه أرض القصر وتحت حراسة رجالة موريتي هيخلينا في أمان أكتر من أي مكان تاني.
بصيت لبنتي وقلبي بيتقطع وسألتها:
ـ طب ليه مقولتيليش يا حبيبتي؟
همست وهي بتبص في الأرض:
ـ أنا قلتلك يا ماما. قلتلك إني مش بحب الليل.
حسيت بغصة كبيرة وقفت في زوري.
هي فعلًا قالتلي.
مرتين.
وفي المرتين كنت ببوسها على جبينها وأجري على شغلي وأنا فاكرة إنها مجرد طفلة بتخاف من الضلمة.
لكن فجأة برونو رفع راسه.
وعينيه العسليتين مكانوش بيبصولنا.
كان مركز نظره على الشباك الصغير اللي بيطل على الممر المسقوف اللي بيوصل الكوخ بالقصر.
وفجأة سمعنا الصوت.
تك.
تك.
تك.
ظهر ظل اتحرك قدام الإزاز.
لمحت طرف بالطو غامق وكتف شخص واقف بره، لكن قبل ما أقدر أشوف ملامحه، برونو انفجر بنباح عنيف لدرجة إن صوفي صرخت من الرعب.
اندفع الكلب ناحية باب الكوخ وخبط فيه بكل قوته، لحد ما القفل القديم اتخلع، وبعدها جري بكل سرعته ناحية الممر.
صرخت في بنتي:
ـ صوفي، خليكي مكانك!
لكنها كانت جريت وراه بالفعل، وهي حاضنة مخدتها اللي على شكل نجمة.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
جريت وراهم في ممر الخدم، وعدينا من قدام غرفة الغسيل ومخزن الفضيات، لحد ما برونو وقف فجأة قدام حيطة قديمة من خشب الجوز، محفور عليها أشكال نباتات متشابكة.
نزل راسه وبدأ يزمجر بصوت مخيف.
وفجأة سمعت صوت من ورايا بيقول بحدة:
ـ ابعدي عن الحيطة.
لفيت بسرعة، ولقيت دانتي موريتي واقف ورانا حافي القدمين، لابس بنطلون أسود وقميص أبيض كُمامه مرفوع لحد دراعه.
كان فيه مسدس متعلق عند جنبه، لكن اللي شد انتباهي فعلًا مكانش السلاح.
كانت ملامح وشه.
لأول مرة من تلات سنين، شفت على وش أخطر راجل في القصر حاجة عمري ما تخيلت إني ممكن أشوفها.
الخوف.
بصلي وقال بصوت حاسم:
ـ خدي صوفي وابعديها من هنا.
شدّيت بنتي ورايا، بينما برونو كان بيحك مخالبه في الخشب بعنف.
وفجأة، قطعة نحاس صغيرة مثبتة في الحيطة اتحركت تحت رجل الكلب.
دانتي مد إيده وضغط عليها بحذر.
سمعنا صوت تكة خفيفة.
وبعدها ظهر فتحة سوداء رفيعة في الحيطة.
اندفع هوا بارد ورطب جوه الممر، وخلاني أضم صوفي لصدري من غير ما أحس.
دانتي زق اللوح الخشبي على جنب، وظهر قدامنا نفق ضيق مبني بالطوب، ممتد لجوه الضلمة لدرجة إننا مكناش قادرين نشوف نهايته.
مسكت دراعه قبل ما ياخد أول خطوة لجوه وقلتله برجاء:
ـ أرجوك، متدخلش.
نزل بعينيه على إيدي اللي كانت بتترعش وهي ماسكة دراعه.
وبعدين بصلي وسألني بصوت هادي بشكل مخيف:
ـ إنتِ فاكرة إني خايف من الشخص اللي جوه؟
قبل ما أقدر أرد عليه، صوفي شدت طرف البلوفر بتاعي وهمست بكلمتين خلوا جسم دانتي كله يتجمد في مكانه.
قالت وهي بتشاور ناحية النفق المظلم:
ـ ماما… هو ده المكان اللي الراجل بيدخل منه بعد ما بيخبط على الشباك.😱😱😱😱
ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي W A A D 👉🏻 مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك ❤❤❤
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
دانتي موريتي وقف قدام فتحة النفق، وعينيه متعلقة بالضلمة اللي جواه، كأنه شاف شبح من الماضي كان فاكر إنه دفنه بإيده من سنين.
صوفي كانت مستخبية في حضني، ودراعاتها الصغيرين ملفوفين حوالين رقبتي، وبرونو واقف قدام الفتحة، شعر ضهره مرفوع، وصوته طالع من صدره كأنه تحذير أخير لأي حد يفكر يقرب.
دانتي رفع إيده وأشار لحارس كان ظهر فجأة في آخر الممر.
ـ محدش يدخل الممر ده غير لما أرجع. اقفلوا كل الأبواب الخارجية، وخلوا اتنين من الرجالة يراقبوا الكوخ من بعيد. محدش يقرب من البنت ولا أمها من غير أمري، مفهوم؟
الحارس هز راسه بسرعة واختفى.
بصيت لدانتي وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل.
ـ مستر موريتي، أنا مش فاهمة حاجة. إيه النفق ده؟ وإزاي فيه حد بيدخل منه لحد شباك بنتي؟ وإنت كنت عارف بوجوده؟
دانتي سكت لحظات، وبعدها بصلي.
ـ لأ. مكنتش أعرف إن حد بيستخدمه.
ـ يعني إيه؟ إنت صاحب القصر ده!
ـ وده بالظبط اللي مخليني عارف إن فيه حد من جوا بيساعده.
الكلام وقع على قلبي زي الحجر.
حد من جوه القصر؟
يعني الشخص اللي كان بيخوف بنتي كل ليلة ممكن يكون واحد من الناس اللي بشوفهم كل يوم؟ واحد بيسلم عليا في المطبخ، أو بيعدي من قدامي في الممر، أو حتى بيبتسم لصوفي لما يشوفها بتلعب قدام الكوخ؟
دانتي قرب من بنتي وانحنى على ركبته، لكنه حافظ على مسافة صغيرة بينها وبينه عشان ميخوفهاش.
ـ صوفي، يا شاطرة، ممكن أسألك سؤال؟
بصت له من فوق كتفي، وبعدها هزت راسها.
ـ الراجل اللي بيخبط على الشباك، قالك اسمه إيه؟
فكرت شوية وبعدين ردت:
ـ هو مقالش اسمه، بس كان بيقول إنه يعرف بابا.
قلبي وقف.
دانتي رفع عينيه ليا بسرعة.
ـ بابا مين يا صوفي؟
ـ بابا ميجيل. الراجل قال إنه كان صاحب بابا، وإنه عايز يوريني حاجة تخصه.
حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.
ميجيل.
جوزي اللي مات من تلات سنين.
الراجل اللي الشرطة قالت إنه اتقتل بالغلط، واللي قضيت سنين بحاول أتقبل غيابه من غير ما أعرف الحقيقة كاملة.
نزلت لمستوى بنتي ومسكت كتفيها برفق.
ـ حبيبتي، هو ورّاكي حاجة فعلًا؟
هزت راسها.
ـ مرة واحدة بس. كان معاه صورة قديمة لبابا، وقال لي إنه هييجي ياخدني عنده عشان ماما متبقاش لوحدها.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
ـ وإنتِ رديتي عليه بإيه؟
ـ قلتله إني مش هروح مع حد من غير ما أقولك. زعل ومشي، وبعدها فضل يخبط كل ليلة.
دانتي قام واقف ببطء، وملامحه اتغيرت تمامًا.
كان واضح إنه مش مجرد شخص دخل القصر من غير إذن. كان فيه حاجة أكبر بكتير، حاجة متعلقة بماضي جوزي، وبسبب وجودي أنا وبنتي في المكان ده.
مديت إيدي ومسكت كم قميص دانتي.
ـ أنا عايزة أمشي من هنا. دلوقتي. هاخد بنتي وأمشي، ومش عايزة أعرف أي حاجة عن عالمكم ولا أسراركم. أنا كل اللي عايزاه إن بنتي تنام من غير خوف.
بص لإيدي، وبعدها رفع عينيه لوشي.
ـ لو خرجتي من القصر دلوقتي، الشخص ده ممكن يكون مستنيكي بره.
ـ ولو فضلت، هفضل عايشة وسط ناس مش عارفة مين فيهم ممكن يأذينا!
ـ عندك حق.
ردّه فاجأني لدرجة إني سكت.
كنت متوقعة إنه يأمرني أفضل، أو يهددني، أو يفكر إن خوفي مبالغ فيه.
لكنه كمل بهدوء:
ـ عندك حق تخافي، وعندك حق تطلبي إجابات. وأنا هديكي الاتنين. بس الأول، بنتك لازم تبقى في مكان آمن.
خلع جاكته وحطه على كتف صوفي، وبعدها أشار ليا أمشي وراه ناحية الجناح الداخلي للقصر.
وأنا ماشية، كنت حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن الحياة البسيطة اللي حاولت أحافظ عليها سنين، وبتقربني من سر يمكن يغير كل حاجة كنت مصدقاها.
لكن اللي مكنتش أعرفه إن أخطر سر في القصر مكانش مستخبي جوه النفق.
كان مستخبي في درج مقفول بالمفتاح في مكتب دانتي نفسه.
وكان المفتاح معايا أنا من غير ما أعرف.
لما دخلنا الجناح الداخلي، لقيت ست كبيرة في السن اسمها روزا، مدبرة القصر، مستنيانا عند باب أوضة واسعة فيها سرير كبير وكنبة وستاير تقيلة.
روزا كانت أكتر واحدة بحس ناحيتها بالأمان في القصر. ست في أواخر الستينات، شعرها أبيض، وملامحها طيبة، وكانت دايمًا بتخبّي لصوفي قطع الشوكولاتة في جيب المريلة بتاعتها.
أول ما شافتنا، جريت ناحية البنت.
ـ يا روح قلبي، إيه اللي حصل؟ مالك يا صوفي؟
صوفي مدت إيديها لها، لكن قبل ما روزا تشيلها، البنت بصت وراها ناحية الممر وقالت:
ـ تيتا روزا، هو الراجل اللي بيخبط هييجي هنا كمان؟
روزا اتجمدت.
ثانية واحدة بس، لكنها كانت كفاية إني ألاحظ إن وشها اتغير.
بصت لدانتي، وبعدها بصتلي، وابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ لأ يا حبيبتي، محدش هيقربلك.
لكن صوتها كان بيرتعش.
دانتي لاحظ ده برضه.
ـ روزا، عايزك تفضلي مع صوفي الليلة دي. ومتخرجيش من الأوضة مهما حصل، إلا لما أجي بنفسي.
روزا هزت راسها، لكن عينيها فضلت معلقة بيه، وكأنها بتحاول توصله رسالة من غير ما تتكلم.
أنا قربت من صوفي وبوست جبينها.
ـ هتنامي هنا الليلة يا حبيبتي، وأنا هفضل جنبك.
البنت مسكت إيدي بقوة.
ـ إنتِ مش هتروحي الشغل تاني وتسيبيني لوحدي، صح؟
السؤال كان بسيط، لكن وجعني أكتر من أي حاجة تانية حصلت الليلة دي.
ـ مش هسيبك لوحدك تاني يا روحي.
دانتي سمعني، وسكت لحظات، وبعدها قال:
ـ خدي وقتك معاها. أنا لازم أشوف حاجة.
خرج من الأوضة، ولما الباب اتقفل وراه، روزا قربت مني بسرعة.
ـ يا بنتي، إنتِ لازم تسمعي كلامي كويس.
بصتلها باستغراب.
ـ في إيه يا روزا؟
مسكت إيدي، وكانت كفوفها باردة بشكل غريب.
ـ لو دانتي سألك عن أي مفتاح قديم أو ورقة تخص جوزك، متديش حاجة لحد قبل ما تعرفي الحقيقة.
حسيت إن قلبي دق بعنف.
ـ إنتِ تعرفي ميجيل؟
روزا بصت ناحية الباب، وبعدها رجعت بصتلي.
ـ أعرف عنه أكتر مما تتخيلي.
ـ طيب ليه مخبية عني؟ ميجيل مات من تلات سنين، وأنا عشت كل يوم فيهم وأنا مش فاهمة إيه اللي حصل له. لو عندك أي معلومة، لازم تقوليها لي.
روزا نزلت عينيها، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
ـ مش كل حقيقة بتظهر في وقتها بتكون نجاة يا بنتي. ساعات الحقيقة لو ظهرت قبل ما نعرف مين نقدر نثق فيه، بتبقى خطر أكبر من الكدبة نفسها.
ـ أنا تعبت من الخوف يا روزا.
ـ عارفة. وعشان كده لازم تعرفي، بس مش الليلة. الليلة دي فيه حد جوه القصر مستعد يعمل أي حاجة عشان السر اللي في النفق يفضل مدفون.
بصتلها وأنا مش قادرة أصدق.
ـ إنتِ تقصدي إن الراجل اللي كان بيخبط على شباك بنتي موجود هنا؟
روزا ضغطت على إيدي.
ـ أنا مش عارفة هو مين. لكن فيه شخص واحد في القصر كان عارف إن ميجيل مات قبل ما الشرطة تعلن الخبر، وهو اللي رشحك للشغل هنا.
اتسعت عينيا.
ـ مين؟
روزا فتحت بقها عشان ترد، لكن صوت خبط خفيف جه من الباب.




