
الجزء الاخير
مشيت ورا الدكتور شريف في الطرقة الطويلة، والخطوة كانت بتسحب روحي معاها. المستشفى كان زحمة، ناس رايحة وناس جاية، سراير بتجري عليها مرضى بيتألموا، وصوت أجهزة الإنذار بيصفر في الودان، بس أنا مكنتش سامع غير صوت دقات قلبي المكتومة، وصوت تزييق الشبشب في الأرضية البلاط.
وصلنا لآخر الطرقة عند باب حديد مقفول، متعلق عليه يافطة صغيرة مكتوب عليها “إدارة الأمن الإداري والشؤون القانونية”. عسكري واقف برة حاطط إيده ورا ضهره، بص للدكتور شريف وفتحله الباب باحترام: “اتفضل يا دكتور”.
دخلت وراه، الأوضة كانت كئيبة، ريحة السجاير الرخيصة قالباها، وفيها مكتب قديم مدهون بني مقشر، قاعد وراه راجل لابس بدلة رمادي شكله وكيل الشؤون القانونية، وجنبه ظابط مباحث شاب وشه مبيضحكش للرغيف السخن، وست في أواخر الأربعينات لابسة بالطو أبيض بس مبهوق وشعرها طالع منه طرحة مايلة، قاعدة على كرسي في الجنب وبتفرك إيديها بعصبية وغل.
وفي الركن.. في الركن البعيد خالص، كانت قاعدة.
نور.
حتة مني، بنتي، لحمي ودمي.. قاعدة على كرسي خشب واطي، ساندة ضهرها للحيطة، ورافعة ركبتها لصدرها وحاضناهم بإيديها الاتنين. كانت لابسة بالطو أبيض متبهدل ومكرمش، وطرحة بيضا باهتة ملفوفة بإهمال على شعرها. وشها اللي كان زمان زي البدر في تمامه، بقى أصفر وشاحب كأنه ورقة شجر ناشفة في الخريف. عينيها غرقانة في سواد عميق تحتها، وخدودها داخلة لجوة من قلة الأكل، وشفايفها متشققة وناشفة.
بس أكتر حاجة دمرتني.. كانت عينيها.
عينيها مكنتش بتبكي، مكنتش بتصرخ، كانت باصة في الفراغ بنظرة ميتة.. نظرة واحد اتعود على الخذلان لحد ما مبقاش مستني نجاة من حد.
أول ما شوفتها، رجلي شالتني وجريت عليها. نسيت الدكتور، نسيت الظابط، نسيت المحقق وكل اللي واقفين، ورميت نفسي على ركبي قدام الكرسي بتاعها، مسكت إيديها التلج اللي كانت بتترعش، وحطيت راسي على رجلها وبكيت.. بكيت عياط راجل عجوز انهد كل كبريائه وتاه منه أغلى ما يملك:
“نور.. يا نور عيني.. يا حبيبتي، يا بنتي.. سامحيني.. حقك عليا، أبوس تراب رجلك يا بنتي سامحيني!”.
نور اتخضت في الأول، جسمها كله اتخشب، وبصت لتحت. لما شافت وشي، عينيها وسعت بصدمة للحظة واحدة بس.. ثانية واحدة شوفت فيها نور بنتي القديمة، لكن بسرعة غريبة، الوش ده رجع يبرد، وبقى زي لوح التلج. سحبت إيديها من بين إيديا بقسوة، ودارت وشها الناحية التانية، ومردتش بحرف واحد.
الست أم بالطو أبيض اللي قاعدة على جنب قامت وقفت وصرخت بصوت مسرسع: “هو مين ده يا فندم اللي داخل يقطع في درامات علينا؟ إحنا في جهة تحقيق رسمية ولا في مسلسل عربي؟! المتهمة دي سرقت أدوية ومسكنات من جدول المخدرات بآلاف الجنيهات، ومسؤوليتها واضحة على الدفاتر، جايبين حد يضغط عليها عشان تهرب من العقاب؟!”.
الدم غلي في عروقي، وقفت على حيلي ومسحت دموعي بكم قميصي، ولفيت للست دي وعيني كانت بتطلع شرار. الظابط حس بالخطر فوقف بسرعة بيني وبينها: “اهدى يا حج.. إنت مين الأول؟ وإيه صلتك بالموضوع؟”.
الدكتور شريف اتدخل بهدوء بس بلهجة تقيلة ومسموعة: “ده الأستاذ مجدي، والد الطالبة نور.. وأنا اللي طلبت حضوره، بصفتي أستاذها والمشرف العام على النبطشيات في قسم الجراحة.. وعشان ننهي المهزلة دي قبل ما تتحول لمحضر رسمي يودي الناس البريئة في داهية ويخرج الحرامي الحقيقي زي الشعرة من العجين!”.
المشرفة وشها اتخطف، واللون هرب من خدودها وقالت بتلعثم: “مهزلة إيه يا دكتور شريف؟! الدفاتر واضحة، الكروت بتاعة صرف الأمبولات متوقعة باسم نور، والأمبولات مش موجودة في التلاجة ولا في دولاب السموم!”.
الدكتور شريف طلع فلاشة سودا صغيرة من جيب البالطو بتاعه، وحطها على مكتب وكيل النيابة ورزع إيده فوقها: “الفلاشة دي، عليها تفريغ كاميرات الممر الخلفي لمخزن العمليات في الدور التالت.. الكاميرا اللي أنتي يا مدام سوسن كنتي فاكرة إنها عطلانة، بس الإدارة صلحوها من أسبوعين ومحدش بلغ التمريض بالخبر ده”.
الأوضة كلها سكتت تماماً. سوسن المشرفة فتحت بقها وعينيها جحظت، وإيديها بدأت تترعش بطريقة مفضوحة.
الدكتور كمل وهو بيبص للمحقق وللظابط: “الكاميرا مصورة المدام سوسن، الساعة تلاتة إلا ربع الفجر، بعد ما نور سلمت النبطشية ودخلت أوضة الاستراحة تنام ساعتين قبل ميعاد كليتها.. سوسن دخلت المخزن، بمفتاح نسخة غير المفتاح الأصلي اللي كان في جيب نور، وشالت تلات علب مورفين وكيتامين في شنطة هدومها السودة، وخرجت بيهم من باب الطوارئ الخلفي وسلمتهم لواحد كان مستنيها بموتوسيكل في الشارع.. وبعدها رجعت، ووقعت باسم نور على أذونات صرف وهمية لمرضى مخرجوش أصلاً من العمليات!”



