
الظابط بص لسوسن بنظرة صقر: “الكلام ده صحيح يا سوسن؟”.
المشرفة صوتها راح، وركبها خبطت في بعضها: “أنا.. ده كذب.. ده افتراء، أنا بشتغل هنا من عشرين سنة.. البت دي هي اللي…”.
الظابط شاور للعسكري اللي واقف على الباب: “هاتها يا ابني، وحط الكلبشات في إيدها، وخدوها على مكتب المباحث تحت.. واطلب رئيس قسم التفتيش الصيدلي ييجي فوراً”.
العسكري مسكها وسوسن بدأت تصوت وتولول وهي بتتسحب في الطرقة، وصوتها بيبعد تدريجياً لحد ما المكان رجع هادي زي القبر تاني.
وكيل النيابة بص للدكتور شريف وهز راسه بامتنان: “تمام يا دكتور، طالما التسجيلات موجودة، إحنا هنفرغ الفلاشة رسمياً ونسقط أي شبهة عن الطالبة نور، تقدر تاخد بنتك وتمشي يا حج، ونعتذر عن أي تعطيل أو سوء تفاهم”.
لفيت ضهري وبصيت لنور..
كنت فاكر إنها لما تسمع براءتها هتفرح، هتقوم تجري عليا وتحضنني وتقولي “الحمد لله يا بابا إن الحقيقة ظهرت”.. بس نور فضلت قاعدة مكانها. نفس القعدة، نفس الضمة لرجليها، وعينيها باصة في الأرض بس المرة دي دموعها كانت بتنزل ساكتة، من غير صوت، دموع وجع أكبر من تهمة سرقة، وأكبر من بهدلة مستشفى.
قربت منها براحة، وطيت على ركبي تاني جنبها، ومديت إيدي بالراحة ومسكت صوابعها الساقعة، وحطيت عليها راسي:
“نور.. سامعاني يا حبيبتي؟ الحقيقة بانت يا بنتي، محدش يقدر يلمس منك شعرة، إنتي نضيفة وطاهرة زي ما ربيتك.. قومي معايا يا نور، قومي نروح بيتنا.. سميرة مشيت، طلقتها ورميتها برة حياتي وبرة بيتي، والله العظيم طلقتها ومش هتشوف وشها تاني أبداً.. البيت بتاعك، وكل اللي أملكه بتاعك.. قومي يا ضنايا متبهدليش نفسك وتبهدليني أكتر من كده، أنا بموت في اليوم ألف مرة من غيرك!”.
نور رفعت عينيها في عينيا لأول مرة من تلت شهور.
النظرة دي، عمري ما هنساها لحد ما أموت. نظرة عتاب حارقة، نظرة بنت انكسر فيها السند اللي كانت فاكراه حيطة متتهدش. صوتها طلع مبحوح وواطي، بس كان بيضرب في قلبي زي المطارق:
“طلقتها عشان طلعت وحشة؟ ولا طلقتها عشان عرفت إنك خسرتني؟
لو مكنتش سيبتلك البيت يا بابا، وكنت فضلت عايشة معاك، مكنتش هتطلقها.. كنت هتفضل تصدقها وتكدبني، كنت هتفضل تضربني بالقلم كل ما هي تعيط.. صح ولا أنا غلطانة؟”.
كلامها خلاني أبلع ريقي بصعوبة والدموع تحرق عيني: “كنت أعمى يا بنتي! شيطان ودخل بيني وبينك.. والله كنت مسحور بغبائي وبوهم قديم، قولت أعوض سنين الوحدة، ومعرفتش إني بدوس على روحي وعلى بنتي الوحيدة.. أنا ندلت معاكي، واعترفت بغلطي، وعقابي من ربنا شفته في كل ليلة عدت وإنتي مش في حضني.. متقسيش عليا يا نور، أنا مليش غيرك في الدنيا، ولو مت من غير ما تسامحيني هموت كافر بنعمة ربي!”.
نور عيطت، وبدأت تشهق بصوت مقهور، الكلام اللي كان محبوس جوة صدرها أربع شهور انفجر فجأة:
“أنا مكنتش خايفة من السجن يا بابا! والله ما كنت خايفة.. لما مسكوني وقالوا سرقتي ووقعتي على مخدرات، كنت قاعدة هنا وبقول في بالي: خليهم يحبسوني.. السجن أهون بكتير من إني أرجع أعيش في بيت أبويا وأنا حاسة إني غريبة، حاسة إني عبء وتقيلة على قلبه! إنت عارف يعني إيه تنام بالليل في الشارع وأنت مش لاقي تاكل عشان خايف تطلب من أبوك؟ عارف يعني إيه أقف على رجلي أربعتاشر ساعة في الطوارئ وأنضف دم وجروح الناس الغريبة عشان أجمع تمن مذكرات كليتي وممدش إيدي ليك؟ كل قلم وجعني في الدنيا دي، مكنش بيوجعني قد القلم اللي نزل من إيدك على وشي قدام مرتك!”.
نزلت على الأرض أكتر، وبقيت ببوس إيديها الاتنين، وببوس راسها، ودموعي بتغرق هدومها:
“حقك عليا.. اضربيني إنتي، خدي حقك مني.. هاتي إيدك واضربيني بالقلم قدام الناس دي كلها، مش هقولك لأ.. بس متسيبنيش.. متحرمنيش منك يا نور، أمك في قبرها مش مسمحاني، وأنا ضميري بياكل في لحمي كل دقيقة.. اديني فرصة واحدة بس، فرصة واحدة أثبتلك إني لسه أبوكي اللي بيحبك أكتر من روحه!”.
الدكتور شريف قرب مننا، وطى وحط إيده على كتف نور، وقالها بصوت أبوي حنين:
“يا نور.. أنا شوفتك في أصعب أوقاتك، وشوفت أد إيه أنتي بنت بمليون راجل.. بس أبوكي، رغم كل اللي عمله، جه هنا وهو بيجري على لحم بطنه، كان مستعد يدفع عمره كله عشان يخرجك من المحنة دي.. البني آدم بيغلط يا بنتي، وأكبر غلطة بيعملها الإنسان إنه ينعمي عن النعمة اللي في إيده.. وأبوكي اتعمى، بس ربنا فتح بصيرته بالوجع اللي عاشه.. متقفليش الباب في وش التوبة، عشان متفضليش إنتي كمان عايشة بقلب مجروح طول عمرك.. اديله فرصة، وادي لنفسك فرصة تعيشي في أمان وتكملي كليتك وترفعي راس أمك”.




