
نور بصت للدكتور شريف، وبعدين رجعت بصتلي.. شافتني وأنا منهار على الأرض تحت رجليها، راجل شيبته ماليها وشه ودموعه مغرقة لحيته ومذلول قدام ضناه.. قلب البنت الحنينة اللي ربيتها غلب قسوة الوجع.
إيديها التانية اتمدت بالراحة، وحطتها على كتفي.. لمسة خفيفة، بس رجعت الروح لجسمي.
“قوم يا بابا.. متوطيش كده، قوم عشان خاطري”.
قمت وقفت بضعف، وبصيت في عينيها وأنا مش مصدق: “هتيجي معايا يا نور؟ هترجعي لبيتك؟”.
نور مسحت دموعها بكف إيدها الصغير، وهزت راسها بنعم، بس قالت بصوت واثق ومختلف عن البنت الصغيرة بتاعة زمان:
“هرجع معاك يا بابا.. بس بشروطي. الشقة دي شقة أمي، وأنا مش هرجع فيها غير وإنتي كاتبلي نصيبي فيها رسمي، عشان محدش في يوم من الأيام ييجي يقولي ده مش بيتك ويطردني منه.. ومفيش ست هتدخل البيت ده تاني طول ما أنا عايشة.. ودراستي خط أحمر، هكمل كليتي وهتفضل واقف في ضهري لحد ما تشوفني دكتورة زي ما كانت أمي بتحلم”.
ابتسمت من بين دموعي، وضحكة مكسورة طلعت من قلبي: “البيت كله باسمك من بكرة الصبح، الشقة والفلوس اللي في البنك، وكل حاجة تحت رجلك.. وأنا مش عايز من الدنيا دي غير إني أخدمك وأشوفك مبسوطة وناجحة، والله ما هتدخل ست بيتي غيرك إنتي لحد ما أموت، أنتي بنتي وأمي وصاحبتي وكل دنيتي”.
نور فتحت دراعاتها، وارتمت في حضني..
حضنتها بكل ما أوتيت من قوة، كنت ماسك فيها كأني ماسك في حبل النجاة وسط بحر هائج، ريحة شعرها رجعتلي روحي، وبكاءها في حضني غسل الوجع اللي كان ساكن في صدري تلت شهور. الدكتور شريف كان واقف بيبتسم بارتياح، وعيونه بتلمع بدموع الفرحة.
أخدت بنتي من إيدها وخرجنا من المستشفى.
ركبنا تاكسي، وطول الطريق مكنتش سايب إيدها من إيدي، كنت خايف أسيبها تختفي تاني زي الحلم. روحنا على مطعم نضيف، طلبتلها كل الأكل اللي بتحبه، وقعدت أأكلها بإيدي زي ما كنت بعمل وهي عندها خمس سنين، وهي تاكل وتبتسم في وشي ابتسامة رجعت النور لملامحها من جديد.
وصلنا العمارة، وأول ما البواب شافها نازلة معايا هلل وكبر: “يا ألف حمد وحمد لله على السلامة يا ست البنات! والله العمارة نورت بيكي يا دكتورة نور!”.
نور ردت عليه بابتسامة راضية: “الله يسلمك يا عم إبراهيم، ربنا يخليك”.
طلعنا الشقة..
فتحت الباب بالمفتاح، ودخلنا. الشقة كانت فاضية، مفيهاش أي أثر لسميرة غير شوية كراكيب رمتهم وراها. دخلت نور أوضتها، لقت صورتها وصورة أمها محطوطين على سريرها ومسحت عنهم التراب، بصتلي وابتسمت ابتسامة هادية:
“أنا هرتاح شوية يا بابا.. ومن بكرة هرجع أحضر محاضراتي”.
“نامي يا قلب أبوكي.. نامي وأنا قاعد هنا برة حارسك، ومفيش هوى يقدر يمسك بسوء تاني أبداً”.
عدت الأيام، والشهور، والسنين..
نفذت كل وعد وعدته لنور. كتبت نص الشقة باسمها رسمي في الشهر العقاري، والفلوس اللي كانت معايا حطيتها في حساب مقفول باسمها لمصاريف كليتها وماجستيرها. سميرة حاولت بعد سنة ترجع، توسط ناس، وتبعث رسايل اعتذار وتقول إنها ندمت وإنها عرفت قيمتي.. بس أنا كنت قفلت الباب ده ورميت المفتاح في أعمق بحر. مسحت رقمها، وطردت اللي اتوسطولها، وقولت لروحي: اللي يبيع ضناه عشان وهم، ملوش أمان يعيش مع بني آدمين تاني.. وأنا كفاني درسي لحد ما أموت.
فضلت عايش لخدمة بنتي وبس. أصحى الصبح أعملها الفطار، أستناها ترجع من المستشفى والكلية بأكل سخن، أسمع منها حكايات الدكاترة والعمليات والمرضى، وأشوف لمعة الفخر في عينيها.
ولحد اليوم ده.. يوم ما وقفت في القاعة الكبيرة بتاعة قصر العيني، وسط آلاف الناس، أهالي وطلبة ودكاترة، والميكروفون بينادي:
“والآن.. تكريم الدكتورة الأولى على دفعة الجراحة العامة.. الدكتورة نور مجدي عبد الرحمن!”.
القاعة كلها قامت تسقف، وصوت الزغاريد ملى المكان..
شوفت نور طالعة على المسرح، لابسة البالطو الأبيض نضيف ومكوي، ورافعة راسها لفوق.. بصت في وسط الزحمة كلها، عينها لفت لحد ما شافتني وأنا واقف في نص الصف الأولاني، البدلة القديمة بتاعتي اللي كويتها مخصوص عشانها، والدموع مغرقة وشي كله.
نزلت من على المسرح بعد ما استلمت درع التكريم، ومشت وسط الناس ومراحتش لأي حد.. مشيت لحد ما وصلت عندي، حطت الدرع في إيدي، ووطت على راسي باسته قدام الدكاترة والعميد وكل الدفعة، وقالت في الميكروفون الصغير اللي كان في إيدها:
“الدرع ده، والنجاح ده كله، مش ليا لوحدي.. الدرع ده لـ بابا.. الراجل اللي علمني إن السند الحقيقي ممكن يضعف لحظة، بس لما بيقوم.. بيبني جبال.. شكراً يا بابا إنك رجعتلي ضهري من تاني”.
حضنتها، والناس كلها فضلت تسقف بحرارة..
في اللحظة دي، حسيت بروح مراتي الله يرحمها بترفرف حوالينا ومبتسمة.. وعرفت إن ربنا سامحني، وإن الحساب اتقفل، وإن النعمة لما بنحافظ عليها برموش عينينا، ربنا بيجازينا بأكتر بكتير مما نستاهل.
تمت بحمد الله.


