
حسيت إن الأرض بتلف بيا. جوزي شال القناع من على وشه وجري ناحيتي، لكن أول ما ابني شافه من غير القناع رجع يصرخ. “ابعدوه! ابعدوه عني!”
جوزي وقف مكانه. المرة دي ما حاولش يقرب. بس عينيه كانت على الصورة. وبصلي وقال بصوت متقطع: “نادية… أنا مش فاهم حاجة.”
أنا كنت لسه ماسكة الصورة بإيدي، ولقيت في قاع العلبة ظرف صغير. الظرف كان مقفول بشمع أحمر. ومكتوب عليه: “إلى أم الطفل فقط.”
إيدي بدأت تترعش. فتحت الظرف بسرعة. جواه ورقة واحدة. قرأتها مرة. ومقدرتش أكمل. قرأتها تاني. وفي آخر سطر حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
كان مكتوب: “لو عايزة تعرفي ابنك شاف إيه في الليلة اللي اختفت فيها كاميرات البيت… روحي للمخزن القديم الموجود في العمارة رقم ١٢، الدور الأرضي، واسألي عن الصندوق الأسود.”
رفعت عيني لجوزي. هو كان واقف قدامي مش فاهم. قلتله: “إنت تعرف العمارة رقم ١٢؟”
وشه اتغير. اتوتر بشكل مفاجئ. وسكت. أنا كررت السؤال: “يا أسعد… إنت تعرف المكان ده؟”
فضل ساكت ثواني طويلة. وبعدين قال: “أيوه.”
الكلمة دي كانت كفيلة إنها تخليني أحس إن كل اللي عشته خلال السنة اللي فاتت كان مجرد جزء صغير من مصيبة أكبر. قلتله: “إنت رحت هناك قبل كده؟” ما ردش.
قربت منه وقلت بصوت أعلى: “رد عليا يا أسعد!”
بصلي في عيني وقال: “أنا ما رحتش هناك لوحدي.”
سكت. قلت: “كنت مع مين؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت حاجة وقعت من ناحية باب الشقة. الكل بص ناحية الباب. كان فيه راجل واقف برا. راجل غريب محدش من الموجودين يعرفه.
وأول ما عينه قابلت عين أسعد، وشه اصفر. لكن اللي حصل بعدها كان أغرب. ابني فجأة سكت عن العياط. وبص للراجل الغريب. وبدأ يحدق فيه كأنه بيحاول يفتكر حاجة. وبعدين قرب مني وهمس: “ماما…”
حطيته في حضني وقلت: “نعم يا حبيبي؟” مسك في رقبتي جامد وقال: “ده كان موجود.”
بصيت للراجل. وبصيت لأسعد. وبعدين سألت ابني: “كان موجود فين؟”
الولد غمض عينيه، وبدأ جسمه كله يرتعش. وبصوت مكسور قال: “في الأوضة اللي بابا قفلني فيها.”
أنا حسيت إن قلبي وقف. أسعد نفسه رجع خطوة لورا. والراجل اللي على الباب حاول يجري. لكن قبل ما يتحرك، أخويا كان أسرع منه ومسكه.
الناس كلها بدأت تتجمع. وأنا مش قادرة أستوعب. قلت لابني: “بابا قفلك في أوضة؟”
هز راسه بالنفي بسرعة. وقال: “مش بابا…” سكت لحظة. وبعدين بص على أسعد وقال: “الراجل اللي كان لابس هدوم بابا.”
ساعتها محدش اتكلم. ولا نفس اتاخد في المكان. أسعد قرب مني خطوة، لكنه وقف لما شاف ابنه بيرتجف. وقال: “نادية… أنا لازم أحكيلك حاجة.”
بصيتله وأنا حاسة إن الحقيقة اللي هنسمعها بعد اللحظة دي ممكن تغير حياتنا كلها. قال: “قبل سنة… في اليوم اللي ابننا بدأ يخاف مني… أنا ماكنتش في البيت.”
اتجمدت. قلت: “يعني إيه؟” قال: “كنت في الشغل.”
بصيت للصورة. وبعدين بصيت لابني. وبعدين للراجل اللي أخويا ماسكه. وسألته: “لو إنت ماكنتش في البيت… مين كان هنا؟”
أسعد بص ناحية الراجل. والراجل حاول ينزل عينه في الأرض. أسعد قال بصوت مخنوق: “هو.”
وقتها ابني شد في هدومي وقال: “ماما… هو اللي قاللي لو حكيتلك… هيأذي بابا.”
أنا حسيت إن جسمي كله اتجمد. بصيت للراجل. ولأول مرة من سنة كاملة فهمت إن ابني ماكانش خايف من أبوه أصلًا… ابني كان خايف على أبوه.
لكن السؤال اللي قتلني وقتها كان: مين الراجل ده؟ وليه كان لابس هدوم جوزي؟ والأخطر من كل ده… مين اللي بعت الهدية في عيد ميلاد ابني بعد سنة كاملة من الصمت؟
وفجأة موبايل أسعد رن. بص في الشاشة. وشه اتغير. مد إيده بالموبايل ناحيتي وقال: “نادية… الرقم ده اتصل بيا قبل كده بنفس اليوم اللي حصلت فيه الحكاية.”
بصيت على الشاشة. وكانت الرسالة الجديدة بتقول: “عرفتوا الصندوق؟”
وتحتها مباشرة رسالة تانية: “لو فتحته… هتعرفوا مين كان السبب الحقيقي في كل اللي حصل لابنكم.”
وبعدها بثواني وصلت صورة جديدة… صورة لينا إحنا التلاتة. متاخدة من بعيد. في نفس عيد الميلاد. يعني الشخص اللي بعت الهدية… كان موجود وسطنا.



