
وقفت مكاني وأنا ماسكة الموبايل بإيدي، وعيني مش قادرة تفارق الصورة. الصورة كانت لينا إحنا التلاتة. أنا، وأسعد، وابننا. ابني كان واقف قدامي وهو ماسك بالونة زرقا، وأنا كنت منحنياله وبضحك، وأسعد كان واقف على بعد خطوات مننا بالقناع الكرتوني.
الصورة متاخدة من زاوية عالية شوية، كأن اللي صورها كان واقف وسط الناس. لكن اللي خلاني أحس بقشعريرة في جسمي مش الصورة نفسها. كان فيه تفصيلة صغيرة في الخلفية. انعكاس شخص واقف في زجاج الشباك. وشه مش ظاهر. بس إيده كانت مرفوعة بالموبايل. يعني الشخص اللي صورنا كان قريب جدًا. وكان بيتفرج علينا من جوه الحفلة.
قلت بصوت مرتعش: “إنت شايف اللي أنا شايفاه؟”
أسعد خد الموبايل من إيدي وبص للصورة. فضل ساكت. قلت: “أسعد، رد عليا.” قال: “أيوه.”
“يعني الشخص اللي بعت الصورة كان هنا؟” هز راسه. “غالبًا.”
بصيت حواليا. الأطفال كانوا لسه بيجروا ويلعبوا، وبعض قرايبنا واقفين في مجموعات صغيرة، وكل واحد فيهم بيتكلم عن اللي حصل. لكن أنا فجأة بقيت شايفة كل وش قدامي بشكل مختلف. كل شخص بقى احتمال. كل حد كان ممكن يكون واقف قريب من ابني. كل حد ممكن يكون شافه. وكل حد ممكن يكون هو الشخص اللي دخل حياتنا من سنة وخلّى ابني يعيش في رعب.
بصيت ناحية الراجل اللي أخويا ماسكه. كان واقف مطأطئ راسه. قربت منه وقلت: “إنت اسمك إيه؟” ما ردش. أخويا زقه وقال: “رد عليها.”
رفع عينه وبصلي. قال: “اسمي شريف.” “شريف إيه؟” سكت.
صرخت فيه: “إنت كنت بتعمل إيه في بيتنا من سنة؟”
بدأ يبلع ريقه. وبعدين قال: “أنا مكنتش عايز أأذيه.”
صرخت: “مين؟ ابني؟” هز راسه. “ولا جوزي؟” سكت.
قربت منه أكتر. “إنت كنت لابس هدوم أسعد ليه؟”
هنا بص ناحية أسعد. أسعد كان واقف متسمّر مكانه. شريف قال: “عشان الولد يفتكر إن أبوه هو اللي موجود.”
حسيت إن وداني بتطن. قلت: “إنت بتقول إيه؟” رد: “أنا ماكنتش أعرف إن الطفل هيفتكر كل حاجة.”
أسعد اندفع ناحيته، لكن أخويا وقفه. قال أسعد: “إنت عملت إيه في ابني؟” شريف بدأ يتراجع. “أنا ما عملتش حاجة.”
“كداب!” صوت أسعد كان لأول مرة في حياتي أسمعه بالشكل ده. مش غضب عادي. كان وجع. وجع أب شايف حد لعب في ابنه.
ابني كان مستخبي ورايا. وفجأة قال: “هو كان بيقوللي إن بابا زعلان مني.”
سكتنا كلنا. الولد كمل: “وكان بيقوللي لو قلت لماما إن بابا جه هنا… بابا هيموت.”
أسعد وقع على الكنبة. حط إيده على وشه. وأنا حسيت إن قلبي بيتقطع.
قلت لابني: “حبيبي، بصلي.” بصلي. “الراجل ده هو اللي كان بيقولك الكلام ده؟” هز راسه. “أيوه.”
“وكان بيعمل إيه غير كده؟” الولد بدأ يرتعش. ما ضغطتش عليه. حضنته وقلت: “خلاص يا حبيبي، مش لازم تتكلم.”
لكن شريف فجأة قال: “هو مش فاكر كل حاجة.” بصيتله. “إنت تعرف هو فاكر إيه؟” قال: “أنا أعرف.” “إزاي؟” سكت. وبعدين قال: “لأني كنت واحد من الناس اللي كانوا هناك.”
الكلمة دي نزلت علينا زي الصاعقة. أسعد رفع عينه. “واحد من مين؟” شريف ما ردش.
سمعنا صوت باب الشقة بيتقفل. لفيت بسرعة. الدكتور اللي كان متابع حالة ابني من شهور كان واقف عند الباب. اتصلت بيه قبل الحفلة بساعات عشان لو حصل أي شيء يكون قريب.
قرب مني وقال: “نادية، لازم الولد يبعد عن كل الكلام ده دلوقتي.”
قلت: “دكتور، ابني عاش سنة كاملة وهو ساكت. النهارده بدأ يتكلم. مش هقدر أسكته تاني.”
قال: “أنا مش بطلب منك تسكتيه. أنا بطلب منك تحميه.” بص لابني. وبعدين قال: “أي سؤال مباشر ممكن يرجعه للحالة اللي كان فيها.”
أنا فهمت كلامه. لكن الحقيقة كانت قدامنا. قلت: “طيب نعمل إيه؟” قال: “نخليه يحكي بطريقته.”
بصيت لابني. قعد على الأرض، ولسه ماسك البالونة. قلتله: “حبيبي، فاكر العلبة اللي فتحتها؟” هز راسه. “فاكر الصورة؟” هز راسه.
“مين حط الصورة دي في العلبة؟” الولد سكت. بص للعلبة. وبعدين قال: “الست.” قلبي دق بسرعة. “ست مين؟” قال: “الست اللي كانت بتعيط.”
أنا وأسعد بصينا لبعض. قلت: “فين كانت؟” الولد رفع إيده ناحية الشباك. “هنا.” “في بيتنا؟” هز راسه. “كانت بتستخبى ورا الستارة.”
جسمي كله اتنفض. لأن الستارة دي تحديدًا كانت في غرفة المكتب. غرفة أنا وأسعد كنا بنقفلها طول الوقت. أسعد قال: “مستحيل.”
بصيتله. “إيه؟” قال: “المكتب كان مقفول.”
شريف ضحك ضحكة صغيرة. ضحكة خلتني أكرهه أكتر. قال: “كان مقفول بالمفتاح اللي معايا.” أسعد بصله. “إنت كان معاك مفتاح بيتنا؟” شريف سكت.
أخويا شدّه من هدومه. “رد!” قال: “المفتاح اتعمل من غير ما تعرفوا.”
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس. سنة كاملة وأنا عايشة في بيتي وأنا فاكرة إنه أكتر مكان آمن لابني. طلع حد تاني كان بيدخل ويخرج من غير ما أعرف.
قلت: “مين الست؟” شريف قال: “أنا معرفش اسمها الحقيقي.” “بس تعرفها؟” “أيوه.” “فينها؟” سكت.
“فينها؟!” قال: “آخر مرة شفتها كانت يوم الحادثة.”
أسعد وقف. “حادثة إيه؟” شريف بصله. “إنت لسه فاكر إن ابنك بدأ يخاف منك فجأة؟” أسعد ما ردش. شريف كمل: “الحقيقة إن اللي حصل في الليلة دي بدأ قبل ما تدخل بيتك.”
أنا حسيت إن فيه جزء ناقص. قلت: “قول كل حاجة.” شريف بص للباب. وبعدين قال: “الصندوق.” “صندوق إيه؟” “الصندوق الأسود اللي مكتوب عليه في الورقة.”
قلت: “فينه؟” قال: “في المخزن.” “إنت تعرف مكانه؟” “أيوه.”
أسعد قرب منه. “خدنا ليه؟” شريف بصله وقال: “عشان اللي جواه هو السبب إن ابنك اتعرض لكل ده.”
خرجنا من البيت بعدها بوقت قصير. أنا وأسعد وأخويا والدكتور، وشريف اضطر يمشي قدامنا ويدلنا على الطريق. لكن قبل ما نخرج، وقفت قدام ابني. ركعت على الأرض ومسكت وشه بين إيديا.
قلت: “أنا هارجعلك بسرعة.” قال: “ماما، متروحيش.” “ليه؟” مسك إيدي بقوة. “عشان الست قالتلي إن لو روحتوا للمخزن… مش هترجعوا.”




