
لكن أول ما الدكتور مشي، فاتن بصتلي وقالت: ـ هتتابع إزاي يا محمود؟ إنت حتى العلاج اللي ناقص ماجبتوش.
قلت بعصبية: ـ هو أنا كنت أعرف إنها هتتعب بالشكل ده؟ ما أنا عندي مسؤوليات برضه!
ردت: ـ كلنا عندنا مسؤوليات، بس الفرق إن فيه ناس بتشيل مسؤوليتها، وفيه ناس بتدور على حد يشيلها مكانها.
كنت هرد عليها، لكن الممرضة خرجت من الأوضة وقالت إن أمينة عايزة تشوفنا.
دخلنا لقيناها نايمة على السرير، ووشها مرهق، لكن أول ما شافتني حاولت تبتسم.
قالت: ـ إنت جيت يا محمود؟
قربت منها وقلت: ـ أيوه يا أمي، أنا هنا.
مسكت إيدي وقالت: ـ متزعلش فاتن مني، دي تعبت معايا كتير.
بصيت لفاتن، لقيتها بتبص في الأرض.
أمينة كملت: ـ أنا عارفة إني جيت عليها، وعارفة إن عندها عيال، بس والله يا ابني لو كنت أقدر أخدم نفسي ماكنتش رضيت أكون حمل على حد.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت: ـ ماتقوليش كده يا أمي، إنتي مش حمل على حد.
لكن أمينة هزت راسها بحزن وقالت: ـ الكلام سهل يا محمود، إنما اللي بيشيل الهم هو اللي يعرف معناه.
وبعدها بصت لفاتن وقالت: ـ يا بنتي، أنا عايزة أقولك حاجة، بس مش عايزاكي تزعلي مني.
فاتن قربت منها وقالت: ـ قولي يا حاجة.
أمينة مدت إيدها تحت المخدة، وطلعت ظرف بني صغير.
قالت: ـ الظرف ده معايا من يوم ما خرجت من بيتي، وكنت ناوية أديه لبنتي غزل، لكن بعد اللي حصل، حسيت إني لازم أتكلم قبل ما الوقت يفوت.
مدت الظرف ناحيتي.
أخدته وأنا مستغرب، وفتحته.
جواه ورق رسمي قديم، وصورة عقد، وورقة مكتوب عليها اسم غزل كامل.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألتها: ـ إيه الورق ده؟
أمينة غمضت عينيها لحظة، وبعدها قالت: ـ دي أوراق شقة أبو غزل الله يرحمه، الشقة اللي بنتي فاكرة إنها اتباعت من سنين، واللي أنا كنت بقول لها إن مفيش حاجة فاضلة من ميراث أبوها.
بصيت لفاتن، لقيتها هي كمان اتفاجئت.
كملت أمينة بصوت ضعيف: ـ الشقة مااتباعتش يا محمود. أنا كنت مأجراها، والفلوس اللي كانت بتدخل منها كنت بحوش جزء كبير منها لبنتي، عشان لو الأيام ضاقت بيها تلاقي حاجه تسندها.
فضلت باصص للورق، ومش فاهم.
سألتها: ـ طب ليه ماقولتيش لغزل؟
قالت: ـ عشان أبوها قبل ما يموت كان مستلف مبلغ كبير من واحد، وأنا كنت خايفة الراجل ده ييجي ياخد الشقة أو يضغط على بنتي. فضلت أسدد الدين سنة ورا سنة، ولما خلصته، كنت ناوية أقول لها. لكن صحتي اتدهورت، والدنيا اتلخبطت، والورق فضل عندي.
قلبت الورق بإيدي، ولقيت إيصالات قديمة، وعقود إيجار، وكشوف حساب.
وفجأة لقيت ورقة تانية مكتوب فيها مبلغ كبير.
سألتها: ـ وإيه ده كمان؟
أمينة اتنهدت وقالت: ـ ده حساب الإيجار اللي اتحوش على مدار السنين، بعد المصاريف والدين. مش مبلغ خرافي، لكنه يكفي إن غزل تقدر تعيش في أمان، وتربي ابنها من غير ما تحس إنها محتاجة لحد.
حسيت بصدمة كبيرة.
غزل اللي أنا كنت بصرف عليها كل جنيه معايا، واللي كنت شايل هم مصاريفها ليل ونهار، كان ليها حق في شقة ومبلغ مدخر، وأنا ماكنتش أعرف أي حاجة.
لكن اللي صدمني أكتر كان كلام أمينة اللي جه بعد كده.
قالت: ـ فيه شرط واحد يا محمود. الشقة دي باسم غزل، ومحدش له حق يتصرف فيها غيرها، وأنا كنت محتفظة بالورق عشان أسلمهولها بنفسي. بس قبل ما أعمل كده، لازم أكون مطمنة إن اللي معاها مش هيستغلها أو يضغط عليها عشان ياخد منها حاجة.
الكلام نزل عليا كأنه اتهام مباشر.
قلت بسرعة: ـ إنتي تقصدي إيه يا أمي؟ أنا جوز بنتك، ومش ممكن أعمل كده.
أمينة بصتلي بعينين تعبانتين وقالت: ـ أنا مش باتهمك يا محمود، أنا بس أم، وخايفة على بنتي. شفتها وهي بتتعب في حملها، وشفتها وهي بتستند عليك في كل حاجة، وعارفة إن الفلوس لما تدخل بيت فيه مشاكل ممكن تقلب الدنيا.
فاتن كانت ساكتة، لكن نظراتها اتغيرت.
قامت من مكانها وقالت: ـ يا حاجة أمينة، الورق ده لازم يتراجع عند محامي عشان نطمن إن كل حاجة سليمة، وحق غزل محفوظ. والأهم إن محدش يضغط عليها أو ياخد منها قرار وهي تعبانة.
أمينة مسكت إيدها وقالت: ـ عشان كده أنا مرتاحة لك يا بنتي.
أما أنا، فكنت بفكر في حاجة واحدة.
لو غزل عرفت إن عندها شقة وفلوس، هتحتاجني في إيه؟
حاولت أطرد الفكرة من دماغي، وقلت لنفسي إن دي مراتي، وإن اللي يخصها يخصني، وإن أنا أولى من أي حد إني أساعدها أتصرف في أملاكها.
لكن وأنا بحط الورق في الظرف، فاتن قالتلي فجأة: ـ محمود، الورق ده هيفضل مع أمينة لحد ما تخرج من المستشفى، وبعدها هنسلمه لغزل قدام محامي، عشان كل حاجة تبقى واضحة.
رفعت عيني عليها وقلت: ـ وإنتي مالك بالموضوع ده يا فاتن؟
ردت بثبات: ـ ماليش، وده حقك وحق غزل. لكن بما إن أمينة سايبة الورق عندي أمانة، فأنا مسؤولة أحافظ عليه لحد ما يرجع لصاحبته.
كنت على وشك أعترض، لكن أمينة قالت: ـ أنا اللي طلبت منها كده يا محمود، ومش عايزة حد يزعل من التاني بسببي.
سكت.
خرجت من المستشفى بعد ما اتفقنا إن فاتن هتفضل معاها لحد ما حالتها تستقر، وأنا هجيب العلاج وأتابع مع الدكتور.
وفي الطريق، تليفوني رن.
غزل.
رديت، فسمعت صوتها متوتر: ـ إنت فين يا محمود؟ بقالي ساعات برن عليك! وماما عاملة إيه؟
قلت: ـ في المستشفى، ضغطها ارتفع شوية، والدكتور بيطمن عليها.
صرخت: ـ في المستشفى؟ وإنت سايبني هنا لوحدي؟ طب وأنا أعمل إيه لو حصل لي حاجة؟ إنت عارف إني حامل!
قلت وأنا بحاول أهدّيها: ـ اهدي يا غزل، مفيش حاجة، وأنا هاجي لك أول ما أطمن عليها.
سكتت لحظة، وبعدها سألت: ـ طيب، ماما معاها فلوس؟ دفعتوا الكشف والتحاليل؟
قلت: ـ لسه هتصرف.
ردت بضيق: ـ طب ما تخلّي فاتن تدفع دلوقتي، وإنت ابقى رجعلها الفلوس بعدين. المهم ماما ماتتعبش.
كنت هقول لها إن فاتن دفعت بالفعل مصاريف كتير، لكني افتكرت الورق اللي معايا، وقلت لنفسي إن الموضوع كله هيتحل لما نعرف حقيقة الشقة والفلوس.
رجعت البيت، ولقيت غزل قاعدة على الكنبة، وأول ما دخلت سألتني: ـ الدكتور قال إيه؟ وماما هتخرج إمتى؟
حكيت لها اللي حصل، لكن ماجبتش سيرة الشقة ولا الفلوس.
ولما خلصت كلامي، لقيتها بتقول: ـ على فكرة يا محمود، أنا فكرت في موضوع ماما، ومش عايزة أفضل حاسة إني مقصرة معاها. أنا عايزاها ترجع بيتها أول ما تتحسن، ونجيب لها ممرضة تقعد معاها.
استغربت.
ـ ممرضة؟ وإحنا هنجيب فلوس الممرضة منين؟
بصتلي وقالت: ـ إنت مش بتقول إنك هتتصرف؟ وبعدين دي أمي، وأنا مش هقدر أسيبها عند فاتن طول الوقت.
قلت: ـ طب ما إنتي اللي كنتي موافقة إنها تقعد عند فاتن!
ردت بسرعة: ـ كنت فاكرة إنها هتكون مرتاحة، لكن واضح إن الموضوع عامل مشكلة، وأنا مش عايزة حد يمنّ علينا.
الكلمة ضايقتني، لأن فاتن فعلًا ماقصرتش مع أمها، ومع ذلك غزل كانت بتتكلم وكأنها بتدافع عن كرامتها.
قلت: ـ فاتن عمرها ما منّت على حد.
غزل بصتلي باستغراب، وبعدها قالت: ـ إنت بتدافع عنها ليه؟ هو أنا قلت حاجة غلط؟
حاولت أغيّر الموضوع، لكن غزل فضلت تسأل عن أمها، وعن المصاريف، وعن العلاج، لحد ما حسيت إن أي كلمة زيادة ممكن تعمل مشكلة.
وفي آخر الليل، وأنا قاعد لوحدي، طلعت الظرف من جيبي وفضلت أبص للورق.
كنت عارف إن غزل لازم تعرف الحقيقة، لكني كنت بفكر أستنى لحد ما أمينة تخرج من المستشفى، ويمكن أقدر أرتب الأمور بشكل يضمن إن الفلوس تكفي احتياجاتنا كلنا.
وقبل ما أنام، جتلي رسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت صورة لورقة من عقد الشقة، وتحتها جملة واحدة:
«قبل ما تتصرف في أي حاجة تخص أمينة، اسأل غزل عن آخر مرة شافت فيها أبوها قبل ما يموت.»
فضلت باصص للرسالة وأنا حاسس إن قلبي هيقف.
مين اللي بعت الرسالة دي؟
وإيه علاقة غزل بآخر يوم في حياة أبوها؟
وليه الشخص ده عارف إن الورق معايا؟
حاولت أتصل بالرقم، لكنه كان مقفول.
صحيت غزل من نومها وسألتها: ـ يا غزل، إنتي فاكرة آخر يوم شوفتي فيه باباكي قبل ما يموت؟
غزل فتحت عينيها باستغراب، وبعدها قعدت على السرير وقالت: ـ أيوه، فاكرة طبعًا. كنت صغيرة، بس عمري ما نسيت اليوم ده. ليه بتسأل؟
قلت: ـ مجرد سؤال، عايز أعرف حكايات عنه.
وشها اتغير، وفضلت باصة لي شوية، وبعدها قالت: ـ هو إنت عرفت حاجة عن بابا؟
اتلخبطت وقلت: ـ لأ، ليه؟
غزل نزلت عينيها، وبعدها قالت بصوت واطي: ـ عشان ماما طول عمرها بتقول إن فيه حاجات حصلت يومها، وإنها مش قادرة تحكيها لي غير لما أكبر وأكون قادرة أستحمل الحقيقة.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
سألتها: ـ يعني إيه حاجات حصلت؟
غزل هزت راسها وقالت: ـ مش عارفة، بس فاكرة إن بابا قبل ما يموت بيومين كان متخانق مع حد، وبعدها اختفى شوية ورجع البيت تعبان جدًا. وماما كانت بتعيط، ولما سألتها قالتلي إن بابا عنده مشكلة في الشغل.
سكتت لحظة، وبعدها بصتلي في عيني وقالت: ـ محمود، إنت ليه بتسأل عن الموضوع ده دلوقتي؟ فيه حاجة إنت مخبيها عني؟
ماعرفتش أجاوب.
كنت عارف إن لو قلت لها على الشقة والرسالة، الدنيا كلها ممكن تتقلب، ولو كدبت عليها، هبقى دخلت نفسي في حكاية أكبر مني.
وفي اللحظة دي، جالي اتصال من فاتن.
رديت بسرعة.
قالتلي بصوت متوتر: ـ محمود، لازم تيجي المستشفى حالًا. أمينة فاقت، وطلبت تشوف غزل، وقالت إن فيه سر لازم تعرفه قبل ما تخرج من المستشفى.
سألتها: ـ سر إيه يا فاتن؟
قالت: ـ مش راضية تتكلم غير لما بنتها تيجي. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
قلبي بدأ يدق بعنف.
ـ إيه هي؟
فاتن سكتت ثواني، وبعدها قالت: ـ الشخص اللي بعتلك الرسالة، بعتلي أنا كمان رسالة، وفيها صورة ورقة تانية من ملف أمينة.
سألتها بلهفة: ـ مكتوب فيها إيه؟
قالت: ـ مكتوب فيها اسمك يا محمود.
حسيت إن الدم نشف في عروقي.
ـ اسمي أنا؟ إزاي يعني؟
فاتن ردت: ـ مش عارفة، بس لازم تيجي وتشوف بنفسك. والأهم إنك ماتتصرفش في أي ورقة قبل ما نفهم الحكاية كلها.




