
ـ بس أم غزل لما تدخل بيتي، هتدخل كضيفة مريضة ليها كرامتها، مش كخدامة لحد، ومش هسمح لحد من ناحيتك أو ناحيتها يقلل منها. وأنا هساعد على قد ما أقدر، إنما مش هقدر أشيل كل حاجة لوحدي.
هزيت راسي بسرعة وقلت: ـ طبعًا، طبعًا، وأنا هبعتلك مصاريفها كل شهر.
فاتن ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت: ـ ربنا يسهل يا محمود.
الكلمة دي ضايقتني، لأنها ماقالتش إنها مصدقاني، ولا قالت إنها مطمنة.
لكن أنا كنت مستعجل أمشي، وكل اللي شاغل بالي إني لقيت مكان أحط فيه حماتي وأريح دماغي من مسؤوليتها.
قمت سلمت عليها، ولما وصلت عند الباب سمعتها بتقول: ـ محمود!
لفيت ناحيتها.
قالت: ـ فيه حاجة واحدة عايزاك تعرفها قبل ما تمشي. أنا مش هسمح إن ولادي يدفعوا تمن قراراتك طول عمرهم.
قولتلها بعصبية: ـ هو أنا عملت إيه يعني؟ هو الجواز بقى جريمة؟
ردت بهدوء: ـ الجواز مش جريمة، لكن الظلم جريمة، وإنك تنسى عيالك عشان ترضي مراتك جريمة في حقهم، وإنك تفتكرني بس لما تحتاج مني خدمة، دي حاجة عمري ما هنساهالك.
خرجت من البيت وأنا متضايق، وفضلت طول الطريق أقول لنفسي إن فاتن بتكبر المواضيع، وإنها المفروض تكون مبسوطة إني لسه برجع البيت وبسأل على ولادي.
وصلت شقتي، ولقيت غزل قاعدة على الكنبة، حاطة مخدة ورا ضهرها، وإيدها على بطنها، وأول ما شافتني قالت بلهفة: ـ ها يا محمود؟ وافقت؟
رميت نفسي على الكرسي وقلت: ـ وافقت، أمك هتيجي تقعد عند فاتن لحد ما تتحسني وتولدي.
وشها نور، وقالت: ـ بجد؟ يعني ماما هتروح عندها؟ طب الحمد لله، أنا كنت خايفة ترفض وتعملي مشكلة.
بصيتلها وقلت: ـ فاتن وافقت، بس طبعًا كان لازم تسمعيني كلمتين عن المسؤولية والفلوس والعيال.
غزل ضحكت وقالت: ـ ما هي دي عادتها، بتحب تحس إنها صاحبة فضل على الناس. المهم إنها وافقت، وإحنا كده ارتحنا.
الكلمة الأخيرة وقفت عند ودني.
يعني إيه إحنا ارتحنا؟ أنا اللي كنت بدور على مكان أحط فيه أمها، وهي شايفة إن الموضوع خلص بمجرد ما لقت حد يشيل المسؤولية عنها.
قلت: ـ طب وإنتي مش هتروحي تزوري أمك كل يومين؟ الست تعبانة ومحتاجة بنتها.
غزل اتنهدت وقالت: ـ يا محمود، إنت ناسي إني حامل؟ الدكتور قايللي أقلل حركة، وبعدين الطريق متعب، وأنا مش ناقصة ضغط. إنت روح اطمن عليها، وخلي فاتن تهتم بيها.
بصيتلها، وحسيت إن الموضوع بدأ يكبر أكتر من اللي كنت متخيله.
لكن سكت، لأني كنت عارف إن أي نقاش معاها ممكن ينتهي بعيط وزعل، وأنا من ساعة ما حملت بقيت بخاف من أي كلمة تضايقها.
تاني يوم الصبح، رحت جبت حماتي من شقتها.
كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب، وجنبها شنطة صغيرة فيها هدومها وأدويتها. أول ما شافتني حاولت تقوم، لكن رجليها ما ساعدوهاش، فرجعت قعدت وهي بتتنفس بصعوبة.
جريت عليها وقلت: ـ إيه اللي بتعمليه ده يا أمي؟ خليكي قاعدة، أنا هساعدك.
بصتلي بحزن وقالت: ـ معلش يا محمود، تعبتك معايا.
الكلمة وجعتني للحظة، لكن سرعان ما قلت لنفسي إن أنا بعمل اللي عليا وزيادة.
ساعدتها تلبس، وجمعت الأدوية والتحاليل، ونزلنا بالعربية. طول الطريق كانت ساكتة، وباصة من الشباك، وكل شوية تسألني: ـ غزل عاملة إيه؟ لسه تعبانة؟
أقولها: ـ الحمد لله، كويسة، بس الحمل متعبها شوية.
فتتنهد وتقول: ـ ربنا يقومها بالسلامة، نفسي أشوف حفيدي وأشيله بين إيديا.
وصلنا بيت فاتن بعد الضهر.
فاتن كانت واقفة على الباب، وأول ما شافت حماتي قربت منها، ومدت إيدها تسندها وقالت: ـ ألف سلامة عليكي يا حاجة أمينة، اتفضلي، البيت بيتك.
أمينة بصتلها بامتنان، وعينيها دمعت.
ـ ربنا يكرم أصلك يا بنتي، أنا عارفة إني تقيلة عليكي، بس والله غصب عني.
فاتن ردت عليها بسرعة: ـ متقوليش كده تاني، إنتي مش تقيلة على حد. إحنا كلنا معرضين للمرض، واللي يقدر يساعد حد محتاجه يبقى ربنا كرمه بنعمة كبيرة.
كنت واقف بتفرج عليهم، ومش عارف ليه حسيت بإحراج، خصوصًا لما فاتن دخلت أمينة أوضة كانت مجهزاها ليها، وحطت جنب السرير مية وأدويتها، وفتحت الشباك عشان يدخل الهوا.
وبعدها راحت المطبخ ورجعت بصينية فيها شوربة خفيفة ورغيف عيش، وقالت: ـ كلي لقمتين يا حاجة قبل الدوا، وبعدين ترتاحي.
أمينة مسكت إيدها وقالت: ـ ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطري.
فاتن ابتسمت، لكن ماقالتش حاجة.
أنا كنت مستني إنها تسألني عن الفلوس أو تطلب مني أجيب حاجات، لكنها ماطلبتش أي حاجة.
وده خلاني أرتاح، لأن في دماغي كانت الفكرة واضحة: أمينة بقت في أمان، وفاتن هتراعيها، وأنا أقدر أرجع لحياتي وأركز مع غزل والمولود.
قبل ما أمشي، فاتن خرجت معايا للصالة وقالت: ـ محمود، أدوية أمينة قربت تخلص، والدكتور كاتب لها علاج لازم يتجاب النهارده.
طلعت محفظتي، لقيت فيها مبلغ صغير، وكنت محتاجه عشان أجيب شوية حاجات لغزل.
قلت: ـ طيب يا فاتن، أنا هحاول أتصرف خلال يومين.
بصتلي وقالت: ـ العلاج مش هيستنى يومين يا محمود.
اتنهدت وقلت: ـ طب ما تشتريه إنتي دلوقتي وأنا أبقى أحاسبك.
قالت بهدوء: ـ حاضر، هتصرف.
خرجت من عندها وأنا مرتاح أكتر، لأني عرفت إنها مش هتسيب الست من غير علاج.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن فاتن كانت بدأت بالفعل تعمل حاجة تانية خالص.
حاجة أنا عمري ما توقعت إنها هتعملها.
بعد أسبوعين
كنت رايح البيت عند فاتن عشان أطمن على أمينة، ولما دخلت لقيت حماتي قاعدة على السرير، وشكلها أحسن شوية، وفاتن جنبها بتساعدها تاخد الدوا.
أول ما شافتني أمينة ابتسمت وقالت: ـ تعالى يا ابني، وحشتني.
قربت منها وبوست راسها، وبعدها سألتها: ـ عاملة إيه دلوقتي؟
قالت: ـ الحمد لله، فاتن مش مقصرة معايا في حاجة. دي حتى بتصحى بالليل لو احتجت أي حاجة، وبتساعدني في كل حاجة.
بصيت لفاتن وقلت: ـ ربنا يكرمك يا فاتن، أنا عارف إنك مش هتقصري.
ردت من غير ما تبصلي: ـ ربنا هو اللي بيجبر بخاطر الناس يا محمود.
قعدت شوية، وبعدها طلعت من جيبي ألف جنيه واديتهم لفاتن.
قلت: ـ دول تحت الحساب، ولما أقبض هبقى أجيبلك باقي المصاريف.
فاتن بصت للفلوس، وبعدها بصتلي وقالت: ـ ألف جنيه دول تمن إيه بالضبط يا محمود؟
استغربت السؤال.
ـ يعني إيه تمن إيه؟ مصاريف أمينة، وأهو أي حاجة ناقصة.
قالت: ـ العلاج اللي جبتهولها الأسبوع اللي فات لوحده كان بأكتر من كده، ولسه فيه كشف الدكتور والتحاليل والأكل والحاجات اللي بتحتاجها كل يوم.
اتضايقت وقلت: ـ يا فاتن، أنا مش معايا دلوقتي، وإنتي عارفة ظروفي.
قالت: ـ عارفة ظروفك كويس، وعشان كده أنا مش هطلب منك حاجة مش في استطاعتك. بس لازم تبقى عارف إن أمينة مش هتفضل هنا من غير مصاريف، وأنا عندي بيت وولاد ومسؤوليات.
بصيتلها بحدة: ـ يعني إنتي ندمانة إنك وافقتي؟
قالت: ـ لأ، مش ندمانة إني ساعدت ست مريضة. لكن ندمانة إني كل مرة أصدق إنك ممكن تحس بالمسؤولية من نفسك.
قمت وقلت: ـ خلاص، أنا هتصرف.
وقبل ما أخرج، أمينة نادت عليا.
ـ يا محمود، تعالى عايزاك في كلمة.
رجعت وقعدت جنبها.
قالت بصوت ضعيف: ـ يا ابني، أنا عارفة إن الظروف صعبة، وعارفة إن غزل حامل ومحتاجة مصاريف، بس أنا كمان أم، ومش بإيدي اللي حصلي. لو وجودي هنا عامل مشكلة، أنا ممكن أرجع شقتي وأشوف حد من الجيران يساعدني.
فاتن قربت منها وقالت: ـ لا يا حاجة، إنتي مش هتروحي في حتة. إحنا هنلاقي حل.
لكن أمينة كانت بتبصلي وأنا مش قادر أرفع عيني في عينيها.
حسيت لأول مرة إن الست دي اللي كنت شايفها مجرد مسؤولية زيادة، ممكن تكون في يوم من الأيام أمي أنا كمان لو الظروف اتغيرت.
ومع ذلك، ماوعدتهاش بحاجة.
خرجت من البيت، وركبت العربية، وبدل ما أروح أجيب العلاج الناقص، رحت محل مستلزمات أطفال أشتري سرير صغير وعربية أطفال لغزل.
كنت بقول لنفسي إن المولود قرب ييجي، وإن غزل من حقها تفرح وتجهز لابنها.
لكن وأنا واقف قدام المحل، تليفوني رن.
كانت فاتن.
ردت بضيق: ـ أيوه يا فاتن، فيه إيه تاني؟
سمعتها بتقول: ـ محمود، أمينة تعبانة أوي، والضغط عندها مش مظبوط، وأنا هوديها للدكتور دلوقتي.
اتخضيت وسألتها: ـ مالها؟ حصلها إيه؟
قالت: ـ من الصبح وهي حاسة بدوخة، ولما حاولت تقوم رجليها ما شالتهاش. أنا مش هقدر أوديها لوحدي، محتاجة تيجي تساعدني.
بصيت على السرير الصغير اللي كنت لسه هادفع تمنه، وبعدها بصيت للتليفون.
قلت: ـ طب استني شوية، أنا مشغول دلوقتي، هخلص اللي في إيدي وأجيلك.
فاتن سكتت لحظة، وبعدها قالت: ـ حاضر يا محمود، بس لو حصلها حاجة وإحنا مستنيينك، افتكر إنك كنت عارف انها تعبانة.
قفلت المكالمة، وفضلت واقف مكاني.
البياع كان مستنيني أدفع، وغزل كانت باعتالي رسالة بتسألني إذا كنت اشتريت الحاجات ولا لأ.
كتبتلها: «أيوه يا حبيبتي، بشتري دلوقتي».
وبعدها دفعت تمن السرير والعربية.
رجعت العربية ومشيت ناحية بيت فاتن، لكن لما وصلت لقيت البيت هادي بشكل غريب.
خبطت على الباب، وفاتن فتحتلي، ووشها كان شاحب.
سألتها بسرعة: ـ أمينة فين؟
قالت: ـ في المستشفى.
قلبي وقع في رجلي.
ـ المستشفى؟ وإنتي ماستنيتنيش ليه؟
ردت بحدة مكتومة: ـ عشان المريض لما يتعب ماينفعش نستناه لحد ما حضرتك تخلص مشترياتك.
ماقدرتش أرد.
قالت: ـ أنا خدت تاكسي ووديتها، والدكتور طلب تحاليل وأشعة، ولسه مستنيين النتيجة.
جريت على المستشفى، ولما وصلت لقيت فاتن قاعدة قدام أوضة الكشف، وإيديها متشابكة، وعينيها على الباب.
قعدت جنبها وسألتها: ـ طمنيني، قالوا إيه؟
قالت: ـ لسه.
فضلنا ساكتين، لحد ما الدكتور خرج، وسأل عن أهل المريضة.
قمت بسرعة وقلت: ـ أنا جوز بنتها.
الدكتور بصلي وقال: ـ المريضة محتاجة متابعة دقيقة، والضغط عندها مرتفع، وفيه علامات محتاجة فحوصات إضافية. إحنا هنحتفظ بيها شوية للملاحظة، ولازم حد من أهلها يكون معاها ويتابع العلاج.
هزيت راسي وقلت: ـ حاضر يا دكتور، أنا هتابع كل حاجة.



