روايات وقصص

رمت الشوربه حكايات صافي هاني

بعد ما رمت الشوربة من قدام بنتي، أمي أشارتلي على باب الشقة وقالتلي: — لما متقدريش تدفعي إيجار، هترجعي تاني تترجيّنا نرجعك. أبويا فضل ساكت، وأختي كانت بتبتسم وهي مقتنعة إني من غيرهم مش هعرف أعيش. أنا شلت بنتي، وخرجت من غير ما أجادلهم.

لكن تاني يوم، كنت واقفة قدام المحامي، وبحط قدامه عقد ملكية مُمضي بإيد أبويا وأمي.
العقد ده كان فيه حاجة ممكن تخلّيهم يخسروا البيت كله.

الجزء الأول

— إنتي عندك أربعة وتلاتين سنة، ولسه عايشة معانا؟ كفاية بقى! شوفيلك مكان تاني تعيشي فيه إنتي وبنتك.
أمي قالت الجملة دي وهي ماسكة طبق الشوربة بتاع بنتي اللي عندها سنتين.
قبل ما ألحق حتى أمد إيدي آخده منها، راحت ناحية حوض المطبخ وقلبته كله.
الشوربة نزلت في الحوض، والمكرونة اتعلقت حوالين البلاعة، وحتة جزر صغيرة فضلت تلف تحت الميه.
بنتي سارة فضلت باصة للطبق الفاضي وهي مش فاهمة حصل إيه.
وقالت بصوتها الصغير:
— تيتة… الشوربة بتاعتي…
الصوت ده وجعني أكتر من أي كلمة قالتها أمي.
أختي مريم كانت قاعدة جنب الشباك ماسكة موبايلها، بتقلب في فيسبوك، كأن اللي حصل مالهاش دعوة بيه.
بصتلي وقالت:
— ماما عندها حق. كفاية بقى قعدة هنا كأن البيت فندق. كلنا عندنا التزامات.
بصيتلها من غير ما أرد.
مريم عندها تسعة وعشرين سنة، وعندها شقة في مدينة نصر، ومن حوالي أربع سنين أنا اللي كنت بساعدها في قسط الشقة كل شهر.
ولا مرة قالت قدام حد إني أنا اللي بدفع.
ولا مرة حتى اعترفت بده.
لكن أنا سكت.
أبويا كان قاعد ماسك الجرنال.
طواه بهدوء، وافتكرت للحظة إنه ممكن يتكلم ويدافع عني.
لكنه ماقالش حاجة.
قام من مكانه، مسك عربية بنتي، فتح باب الشقة، وطلعها بره وحطها على السلم.
وبعدين رجع قعد مكانه.
بس.

من ست شهور كنت اتطلقت.
جوزي السابق سابني وراح اتجوز واحدة تانية، وأنا فضلت لوحدي مع سارة.
كنت شغالة في دار نشر، ومرتبي بالعافية مكفيني أنا وبنتي، وكل اللي معايا من فلوس كان يكفيني أبدأ بيهم حياتي من جديد.
وقتها أبويا وأمي هما اللي قالولي:
— تعالي اقعدي معانا مؤقتًا لحد ما تقفي على رجلك.
وأمي وقتها قالتلي:
— البيت ده بيتك يا بنتي، ومحدش هيقدر يقولك غير كده.
في الأول كنت بحط فلوس في البيت.
أجيب طلبات، أدفع فاتورة النت، أجيب علاج أبويا، وأنضف الشقة في الويك إند.
لكن واحدة واحدة، الموضوع اتحول من مساعدة لواجب مفروض عليا.
أجيب لبن، أمي تقول:
— بس مفيش بيض.
أدفع النور، تسألني:
— والغاز مين هيدفعه؟
أجيب فراخ، مريم تيجي تاكل وتاخد معاها علب للبيت.
وفي الآخر أنا اللي بقيت عايشة معاهم وكأني عبء.
سارة بدأت تعيط.
وأنا ماجادلتش.
مسحت بوقها، لبستلها الجاكت الأصفر، حطيت الكوباية بتاعتها في شنطتها، وشيلتها.
وبصيت لأمي وقلت بهدوء:
— شكرًا على الأكل يا أمي.
أمي ضحكت بسخرية وقالت:
— ماتعمليش فيها كرامة. أول ما تعرفي الإيجارات والمصاريف بقى، هترجعيلي تترجيكي أرجعك.
خرجت.
وأنا على السلم، قعدت أحط سارة في العربية.
فضلت طول الطريق تسألني:
— ماما… هو ليه تيتة رمت الشوربة؟
ماعرفتش أقولها إيه.

وصلنا لبيت صغير للإيجار قريب من محطة مترو رمسيس.
أوضة واحدة، سرير، حمام مشترك، ومطبخ صغير جدًا.
صاحبة المكان، ست كبيرة اسمها الحاجة أمينة، وافقت تأجرلي بالأسبوع لحد ما أشوف هعمل إيه.
بالليل، بعد ما سارة نامت، طلعت موبايلي.
فتحت نوت كنت محتفظة بيها من سنين.
اسمها كان:
الخطة البديلة.
كتبت تحتها:
“الأحد… اتفعلت.”
وبعدين فتحت تطبيق البنك.
دورت على التحويل الشهري اللي كان بيخرج من حسابي يوم 15 لحساب مريم.
٩٢٠٠ جنيه.
فلوس كنت بحولها لها كل شهر من غير ما حد يعرف.
مريم كانت دايمًا بتقول لجوزها إنها هي اللي بتدفع قسط شقتها لوحدها.
ضغطت على:
إلغاء التحويل المتكرر.
وأكدت الإلغاء مرتين.

وبعدين فتحت فولدر تاني على موبايلي.
كان جواه صور عقد ملكية، وإيصالات، وإثباتات فلوس كنت دفعتها في علاج أبويا، ومستندات قديمة أهلي تقريبًا نسوها.
وقتها افتكرت حاجة حصلت من خمس سنين.
اليوم اللي أبويا وأمي، بمزاجهم ومن غير ما أطلب، مضوا على عقد نقل ملكية الشقة اللي كانوا عايشين فيها.
الشقة اللي طردوني منها النهارده.
الشقة كانت قانونيًا باسمي.
هم كانوا فاكرين إني نسيت الموضوع.
لكن أنا ما نسيتش.
ولا لحظة.

قفلت الموبايل وبصيت لسارة وهي نايمة جنبي.
كان نفسها منتظم ووشها الصغير هادي لأول مرة من ساعة ما خرجنا من بيت جديها.
مديت إيدي وعدلت لها البطانية وبعدين قعدت على طرف السرير وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت في يوم واحد.
من ست شهور بس كنت خارجة من بيت جوزي وأنا شايلة هدومي في شنطة صغيرة وبنتي في حضني.
وقتها كنت فاكرة إن أصعب حاجة ممكن تحصل لي هي الطلاق.
ماكنتش أعرف إن الأصعب مش إن جوزي يسيبني.
الأصعب إن أهلي نفسهم يسيبوني في أكتر وقت كنت محتاجة فيه حضنهم.
لكن اللي حصل النهارده خلاني لأول مرة أبطل أخاف.

طلعت النوت اللي على موبايلي تاني.
“الخطة البديلة.”
كنت كاتبة فيها حاجات كتير على مدار سنين.
مبالغ دفعتها.
تحويلات عملتها.
أقساط سددتها.
علاجات أبويا.
مصاريف مريم.
حتى فلوس كانت أمي بتاخدها مني وتقول لي إنها “سلفة”.
كنت محتفظة بكل حاجة.
مش عشان كنت مستنية يوم أنتقم فيه منهم.
بالعكس.
أنا طول عمري كنت بحاول أحميهم.
كنت فاكرة إن العيلة لما تحتاجك بتقف جنبها.
لكن النهارده اكتشفت إن في فرق كبير بين إنك تساعد أهلك وبين إنك تسمح لهم يعتادوا على إنك آخر واحدة في حساباتهم.

تاني يوم الصبح صحيت بدري.
سارة كانت نايمة.
لبست بسرعة ونزلت أجيب لها لبن وعيش وجبنة.
لما رجعت لقيت الحاجة أمينة قاعدة قدام باب البيت.
قالتلي:
— صحيتي بدري يا بنتي.
ابتسمت وقلت:
— معلش يا حاجة أمينة لو كنت دوشتك إمبارح.
هزت راسها وقالت:
— إنتي ما دوشتينيش ولا حاجة. وبعدين أنا شفتك امبارح وإنتي داخلة. شكلك كان مكسور.
سكت.
قالت:
— جوزك ضايقك؟
بصيت لها بسرعة.
— لأ.
— أهلك طردوكي؟
ماعرفتش أرد.
هي فهمت.
قالت:
— ادخلي يا بنتي. وإوعي تفتكري إن اللي طردك من بيته يقدر يطردك من الدنيا.
دخلت وأنا مش عارفة ليه الكلمة دي أثرت فيا.

بعد ما سارة صحيت وأكلت، لبستها وخرجت.
كنت رايحة مكتب المحامي.
الأستاذ حسام.
محامي كنت أعرفه من دار النشر اللي كنت شغالة فيها.
كان راجل هادي، في أواخر الأربعينات، وكل مرة كنت بشوفه كان كلامه قليل لكن محسوب.
لما دخلت مكتبه، قام وسلم عليا.
بص لسارة وقال:
— دي سارة؟
ابتسمت.
— أيوه.
قعدت قدامه.
حطيت الملف على المكتب.
هو بص للملف وبعدين بص لي.
— حصل إيه؟
قلت:
— أنا محتاجة حضرتك تراجعلي الورق ده.
فتح أول ملف.
قرأ.
وبعدين قلب الصفحة.
قرأ تاني.
سكت.
قال:
— إنتي متأكدة إن والدك ووالدتك وقعوا هنا بإرادتهم؟
— أيوه.
— والعقد ده اتعمل إمتى؟
قلت له التاريخ.
رفع عينه وبص لي.
— إنتي عارفة إن العقد ده معناه إيه؟
هزيت راسي.
— عارفة إن الشقة باسمي.
— مش بس كده. لازم نراجع التسجيل والإجراءات كلها عشان نعرف وضع الملكية النهائي ونشوف إذا كان في أي تصرفات حصلت بعد العقد.
قلت:
— أنا مش عايزة أعمل مشكلة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— المشكلة بدأت من عندهم من زمان. إنتي بس قررتي تشوفيها.
فضل يقلب في الورق.
وبعدين سأل:
— ليه ساكتة كل السنين دي؟
بصيت ناحية سارة.
— عشان كانوا أهلي.
سكت شوية.
وبعدين قلت:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى