
صوت الحديدة وهي بتنخر في كالون باب الشقة البراني كان زي دبوس بيغرز في ودني. تكة.. وراها عتلة خفيفة.. وصوت حماتي برة بتوشوش برعب وتقول لمعتز:
— براحة يا معتز، الجيران في التالت سامعين، الهامش ده هيلم علينا الناس!
ومعتز يرد عليها بنرفزة وهو بينفخ:
— اخرسي إنتي! لو الواد طارق وصل قبل ما نسحب الليلة دي، مش هنعرف نلمها.. بتك دي حرباية ومصورة كل حاجة، لازم الشنطة تخرج والورق يتحرق الليلة!
أنا جوة أوضة النوم المقفولة، الضلمة حواليا خانقة بعد ما قطعوا النور من تحت، بس الحواس كلها كانت صاحية على الآخر. إيدي اليمين كانت ماسكة السكينة من تحت كم الإسدال، وصوابعي الشمال دايسة على زرار التسجيل في الموبايل.
أيوة.. مكنتش قاعدة بعيط ولا بندب حظي. شغلت مسجل الصوت ورميت الموبايل قريب من عتبة باب الأوضة من جوة عشان يلقط كل حرف، ورجعت قعدت على الأرض جنب كرتونة المصايب.
فجأة، طرقعة جامدة خلت قلبي ينط.. الكالون البراني نطر!
سمعت صوت الباب بيتفتح ويزيق، وخطوات معتز التقيلة وهو بيدخل الصالة، تزييق الجزمة الجلد على السيراميك، ووراه شبشب حماتي بيجرجر في الأرض بخوف وتردد.
— هي فين؟ في الأوضة دي؟ صوت معتز كان طالع من الصالة، بارد وفيه غل.
— أيوة، أوضة النوم.. بس البت مغيرّة القفل بتاعها، مش هتعرف تفتحه بالسهل.
معتز مقطعش وقت، قرب من باب أوضة النوم ورزع عليه رزعة بإيده الشمال خلت الخشب يرن في دماغي:
— افتحي يا نورهان بدل ما أكسر الباب فوق دماغك! متفكريش الحركة القرعة دي هتدخل عليا.. هاتي اللي جوة الكرتونة بالذوق، واطلعي منها، وإلا والله ما طالعة من الشقة دي على رجليكي!
قومت وقفت على حيلي بهدوء تام، قربت من الباب لدرجة إني بقيت سامعة نفسه العالي من ورا الخشب، واتكلمت بصوت واطي بس فيه ثبات كأنه صخر:
— اكسر يا معتز.. اكسر يا شريك المهربين. اكسر عشان بصماتك تيجي على خشب شقتي، والنيابة لما ترفع البصمات وتلاقي التسجيل اللي بصوتك وإنت بتهددني وتتكلم عن الدهب المهرب والجمارك.. ساعتها متلومش إلا غباءك.
السكوت اللي حل في الصالة كان عامل زي التلج.
معتز وقف مكانه. حماتي برة شهقت شهقة مكتومة:
— تسجيل إيه؟! البت بتسجل لك يا معتز؟! قولتلك من الأول بلاش الشغل ده، البت دي مش سهلة!
معتز اتعصب وصوته وطي لفحيح تعبان:
— بتسجلي؟ فاكرة البوليس هينجدك؟ ده أنتي أول واحدة هتتسحبي في القضية دي، الكراتين باسم عيلتك وفي شقتك، والدهب ده لما يتمسك هيروح في بطنكم كلكو!
لسه هرد عليه، وسمعت صوت عربيات بتقف تحت في الشارع بفرملة حامية وصوت كوتشات بتصرخ على الأسفلت. وراها مباشرة، صوت رزع أبواب عربيات، وصوت رجالي بيهز عمارة السكن كلها من المدخل تحت:
— افتح يا سييييد! افتح الأسانسير يا حيوان، مين اللي قاطع النور عن شقة أختي؟!
صوت حسام أخويا!
قلبي رجع يدق، بس المرة دي بنار الأمان والعزوة.
معتز سمع الصوت برة واتسمر. حماتي جريت على باب الشقة تبص من البلكونة، ورجعت بتصرخ بهستيريا:
— يا مصيبتي! يا مصيبتي السودة! دول جايبين رجالة معاهم، وعربيات واقفة قافلة الشارع.. الحقنا يا معتز هنعمل إيه؟!
— اسكتي جاتك مصيبة!
معتز اتلخبط، ضرب على باب الأوضة برجله ضربة عمياء:
— افتحي يا نورهان هاتي الورق بس! هاتي الدفتر وسيبك من الدهب والزفت!
وفوق صوت حسام اللي كان طالع السلم جري بنهجة غضب، سمعت صوت تالت.. صوت مألوف ومخنوق، صوت طارق وهو بينادي على السلم بنفَس مقطوع:
— يا حسام استنى! يا حسام افهم مني الأول، متدخلش الشقة كده!
— أفهم إيه يا ابن الـ…؟ أختي لو جرالها حاجة تحت إيد أمك هطربق العمارة دي على كراسيها!
في ثواني معدودة، باب الشقة البراني دخل منه إعصار.
حسام أخويا كان أول واحد يقتحم الصالة، ووراه خالي الحاج رشاد، راجل ستيني بس هيبته تهز بلد وراجل تاجر كبير في الغورية، ومعاهم اتنين من شباب العيلة، وطارق كان وراهم ببدلته المتشرمطة من الجري وكرافتته مفكوكة وعينه حمرا من الرعب.
الصالة بقت مسرح حرب في لحظة.
حسام أول ما لمح معتز واقف قدام باب أوضة نومي وفي إيده المفك والحديدة، محطش منطق ولا اتكلم.. هجم عليه زي الأسد وجابه من قفاه ورزعه في الحيطة اللي جنب الباب:
— إنت مين يا روح أمك؟! واقف على باب أوضة نوم أختي بتعمل إيه وبتهبب إيه في الضلمة؟!
معتز حاول يتفاصح ويزق حسام:
— نزل إيدك يا بني آدم إنت! أنا محامي وممكن أحبسك في مكانك، إنت مش عارف بتتكلم مع مين!
خالي رشاد دخل بخطوة هادية بس حازمة، مسك حسام من كتفه وقاله:
— اهدى يا حسام، نزل إيدك من عليه دلوقتي، الحساب مش بالعافية.. الحساب بالأصول والقانون.
بص خالي على حماتي اللي كانت كاشة في ركن الصالة ولابسة طرحتها بالمقلوب وبتترعش، وبص لطارق اللي واقف مسهم كأنه تايه، وبعدين خبط على باب أوضتي بهدوء:
— افتحي يا نورهان يا بنتي.. خروجتك في حمايتي، افتحي.
فتحت القفل.
المفتاح دار في الكالون وصوته طلع نقي في وسط الهدوء المتوتر. فتحت الباب وخرجت. كنت واقفة بإسدالي، رافعة راسي، الموبايل في إيدي الشمال والتسجيل لسه شغال، وعيني راحت على طارق مباشرة.
طارق أول ما شافني، وشه كان مليان خزي وكسوف وعجز عمري ما شفته فيه. نزل عينه في الأرض ومقدرش يثبت نظره عليا.
حماتي أول ما شافتني بدأت تولول بصوتها العالي المعتاد، فاكرة إن الشوشرة هتضيع الحقيقة:
— الحقني يا طارق! الحقني يا ابني، مراتك سارقة حاجات أختك ومستولية على أمانات المرحوم أبوك، وبتتبلى عليا وجايبة أهلها يتهجموا على بيتي في نصاص الليالي!
بصيت لها بنظرة شلّت لسانها، ومطلعتش كلمة زعيق واحدة. مديت إيدي، دوست على تليفوني وفتحت السبيكر، وصوت معتز الرنان وحماتي ملى الصالة بوضوح مفيهوش شك:
(اخرسي إنتي! لو الواد طارق وصل قبل ما نسحب الليلة دي، مش هنعرف نلمها.. بتك دي حرباية ومصورة كل حاجة، لازم الشنطة تخرج والورق يتحرق الليلة!)




