روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

أبوه أخد نفس طويل وبدأ يحكي.

«من تمن سنين، كنت داخل في شراكة كبيرة مع راجل اسمه فؤاد الدمنهوري. وقتها كنت لسه في بداية توسع شركاتي، وفؤاد كان صاحب نفوذ وعلاقات كتير. كان بيعرف يوصل لأي مكان، ويعرف أي معلومة عن أي حد، وكنت فاكره راجل يقدر يعتمد عليه.»

سكت شوية، وبعدها كمل:

«دخلنا في مشروع كبير، وكان فيه ناس كتير حاطة فلوسها فيه. في البداية كل حاجة كانت ماشية كويس، لكن بعد فترة اكتشفت إن فيه مبالغ بتخرج من حسابات المشروع من غير موافقة الشركاء. بدأت أسأل، وأراجع الحسابات، لحد ما لقيت مستندات بتثبت إن فيه تلاعب حصل.»

أدهم سأله:

«وإيه علاقة مريم بالموضوع؟»

محمود بصلي.

«مريم وقتها كانت بتشتغل في إدارة الحسابات والمراجعة الداخلية في شركة تابعة للمشروع. كانت شاطرة جدًا، وبتلاحظ التفاصيل اللي محدش بياخد باله منها. هي اللي اكتشفت إن فيه مبالغ ناقصة، وهي اللي أصرت إننا نراجع كل حاجة من الأول.»

قلت وأنا باصة للأرض:

«أنا ماكنتش براجع عشان أوقع حد. كنت بعمل شغلي.»

قال محمود:

«عارف. وده اللي خلاهم يخافوا منك.»

أدهم مال بجسمه لقدام.

«مين اللي خاف منها؟»

رد محمود:

«فؤاد الدمنهوري.»

وبعدها سكت لحظات، قبل ما يقول الجملة اللي خلتني أرفع عيني له.

«لكن فؤاد ماكانش لوحده.»

من تمن سنين، كنت مريم كمال مختلفة تمامًا عن الست اللي واقفة دلوقتي في أوضة مستشفى.

كنت عندي تمانية وعشرين سنة، وعندي بيت صغير في مصر الجديدة، وشغل بحبه، وأم اسمها نادية كانت بتعتبرني كل حياتها.

أبويا مات وأنا صغيرة، وأمي هي اللي ربتني وعلمتني أعتمد على نفسي. كانت دايمًا تقول لي إن الفلوس ممكن تروح، والشغل ممكن يتغير، لكن سمعة الإنسان لو ضاعت صعب ترجع.

كنت بفتكر كلامها كل يوم وأنا بروح شغلي.

في الفترة دي، اتنقلت لإدارة الحسابات في شركة كبيرة، وكان اسمي معروف وسط الموظفين بسبب إني ما كنتش بقبل أمضي على حاجة مش فاهمها.

زمايلي كانوا بيقولوا إني عنيدة، لكن مديري كان بيقول إني أمينة.

وأنا كنت شايفة إن ده أقل واجب.

لحد ما في يوم، لقيت فرق غريب في حسابات مشروع جديد.

المبلغ ماكانش صغير، لكنه كان متوزع على معاملات كتير، وكل معاملة لوحدها شكلها طبيعي. اللي كشف الموضوع إن التواريخ كانت متقاربة، والتوقيعات متشابهة بطريقة مش مريحة.

فضلت أراجع الحسابات يوم ورا يوم.

كنت بروح البيت متأخرة، وأمي تستناني بالعشا، وتفضل تسألني عن سبب شحوب وشي.

وفي ليلة، وأنا قاعدة على السفرة قدامها، قالت لي:

«مالك يا مريم؟ بقالك أسبوعين مش بتنامي كويس.»

قلت لها:

«فيه شغل متراكم يا أمي.»

بصتلي بقلق.

«الشغل اللي يخلي بنتي تنسى تاكل مش شغل عادي.»

ابتسمت وحاولت أغير الموضوع.

«خلاص يا ستي، أول ما أخلص المراجعة دي هرتاح.»

قالت وهي بتحط قدامي طبق الأكل:

«خلي بالك من نفسك. أنا ماليش غيرك.»

الجملة دي فضلت ترن في ودني لسنين.

لأني في الوقت ده ماكنتش أعرف إن ناس كتير قررت إن وجودي نفسه بقى خطر.

بعد أيام، طلب مني فؤاد الدمنهوري أحضر اجتماع معاه.

دخلت مكتبه وأنا شايلة الملف اللي فيه الملاحظات، ولقيته قاعد وراه المكتب، مبتسم ابتسامة هادية.

قال:

«اتفضلي يا أستاذة مريم.»

قعدت، وحطيت الملف قدامه.

«دي الملاحظات اللي طلبتوها يا فندم.»

فتح الملف، وبدأ يقلب في الصفحات، وبعدها رفع عينيه ليا.

«إنتِ متأكدة من الكلام ده؟»

قلت:

«راجعت الأرقام أكتر من مرة.»

ابتسامته اختفت للحظة، وبعدها رجعت.

«بصي يا مريم، إنتِ بنت شاطرة، ومستقبلك قدامك. ساعات الواحد بيكون فاهم الأرقام صح، لكن مش فاهم الصورة كاملة.»

رديت بهدوء:

«عشان كده كتبت الملاحظات، وطلبت مراجعة مستقلة.»

قفل الملف.

«أنا مش شايف إننا محتاجين نكبر الموضوع.»

قلت:

«لو فيه خطأ، لازم يتصلح.»

اتسند لورا في كرسيه، وبصلي نظرة ما نسيتهاش أبدًا.

«وإنتِ مستعدة تخسري شغلك عشان شوية أرقام؟»

وقتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ في الحسابات.

قمت، وخدت الملف.

«أنا مستعدة أخسر شغلي، لكن مش مستعدة أشارك في حاجة غلط.»

خرجت من مكتبه، وأنا حاسة إن فيه حاجة اتغيرت.

في نفس اليوم، جالي اتصال من رقم مجهول.

صوت راجل قال لي:

«إنتِ مريم كمال؟»

قلت:

«أيوه.»

قال:

«ابعدي عن الحسابات اللي بتراجعيها.»

قفلت المكالمة.

بعدها بدقايق، جالي اتصال تاني.

«إنتِ فاكرة إنك لوحدك اللي فاهمة اللي بيحصل؟»

قفلت برضه.

لكن لما وصلت البيت، لقيت أمي واقفة قدام الباب، ووشها أصفر.

قالت:

«فيه راجلين كانوا بيسألوا عليكي.»

حسيت بقلبي بيقع.

«مين يا أمي؟»

«ماعرفش. قالوا إنهم من الشركة، لكن أنا ما ارتحتلهمش.»

دخلت معاها وقفلت الباب، وفضلت أبص من الشباك لحد ما اتأكدت إن الشارع فاضي.

في الليلة دي، اتصلت بمحمود الشناوي.

كنت اتعرفت عليه من خلال المشروع، وكان الوحيد من الشركاء اللي وافق يسمع ملاحظاتي من غير ما يقاطعني.

حكيت له عن المكالمات والناس اللي سألوا عليا.

سمعني للآخر، وبعدها قال:

«مريم، إنتِ لازم تاخدي الموضوع بجدية. ما تقابليش أي حد لوحدك، وما تروحيش الشركة بكرة قبل ما أكلمك.»

سألته:

«هو فيه حاجة أنا ما أعرفهاش؟»

سكت شوية، وبعدين قال:

«فيه حاجات كتير بدأت تظهر، وأنا بحاول أتأكد منها.»

ما ضغطتش عليه.

كنت لسه فاكرة إن المشكلة ممكن تتحل بالقانون، وإن الحقيقة لو ظهرت، كل حاجة هترجع مكانها.

لكن الحقيقة ما كانتش بالسهولة دي.

بعد يومين، استدعاني مدير الإدارة وقال لي إن فيه شكوى ضدي بسبب تسريب معلومات مالية.

اتصدمت.

«أنا ما سربتش أي معلومات.»

قال ببرود:

«التحقيق هيحدد.»

طلبت أشوف المستندات اللي بيستندوا عليها، لكنه رفض.

خرجت من الشركة، واتصلت بمحمود، لكن تليفونه كان مقفول.

رجعت البيت، لقيت أمي مجهزة الغدا، وكانت مستنياني بابتسامة صغيرة.

«تعالي كلي يا مريم.»

حاولت أبتسم، لكن أول ما قعدت، عيني دمعت.

أمي قامت من مكانها وقعدت جنبي.

«فيه إيه يا حبيبتي؟»

حكيت لها كل حاجة.

سمعتني من غير ما تقاطعني، وبعدها مسحت دموعي بطرف طرحتها.

«إنتِ عملتي الصح يا بنتي. مهما حصل، ما تندميش إنك كنتي أمينة.»

حضنتها بقوة، وماكنتش أعرف إن دي هتبقى آخر ليلة أقضيها في بيتنا.

في ليلة الخميس، الساعة كانت قربت من عشرة، لما جالي اتصال من رقم محمود الشناوي.

صوته كان متوتر.

«مريم، إنتِ فين؟»

قلت:

«في البيت.»

قال بسرعة:

«اسمعيني كويس. لازم نتقابل الليلة. فيه حاجة حصلت، ولازم أقولك عليها بنفسي.»

سألته:

«إيه اللي حصل؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى