
قلت له بصوت واطي وأنا بقرب منه:
«إنت عرفتني إزاي يا حاج محمود؟»
بص ناحية باب الأوضة بسرعة، وبعدها مسك دراعي بإيده المرتعشة وقال:
«اقفلي الباب يا مريم… أرجوكي اقفليه قبل ما أدهم يرجع.»
ما اتحركتش.
كنت محتاجة أفهم إزاي راجل زي محمود الشناوي، اللي اسمه لوحده كان كفاية يفتح أبواب مقفولة في البلد كلها، عرف اسمي الحقيقي من أول نظرة، وعرف الرمز اللي حاولت أخفيه طول السنين دي.
قلت له:
«أنا مش هقفل الباب ولا هسمع كلمة واحدة قبل ما أفهم. إنت عندك صورة للوشم بتاعي في خزنتك ليه؟ وإيه حكاية إن عيلة الشناوي ماكانش المفروض تعرف إني عايشة؟»
غمض عينيه، وظهر على وشه تعب مش تعب المرض بس، ده كان تعب واحد شايل سر أكبر من قدرته على الاحتمال.
قال:
«أنا كنت مستني اليوم ده من تمن سنين.»
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
«مستنيه؟ إنت مستني إيه بالظبط؟ إني أرجعلكم عشان تكملوا اللي بدأتوه؟»
هز راسه بسرعة.
«والله العظيم يا بنتي، أنا ما أذيتكيش.»
كلمة بنتي نزلت على قلبي زي الحجر.
رجعت خطوة لورا، ورفعت إيدي أوقفه.
«ما تقولش الكلمة دي.»
بصلي بحزن.
«عارف إن من حقيش أقولها، وعارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس فيه حاجات حصلت إنتِ ما تعرفيهاش.»
قلت له بحدة:
«أنا أعرف أكتر مما تتخيل. أعرف إني في ليلة واحدة خسرت بيتي وشغلي واسمي والناس اللي كانوا بيعتبروني بنتهم. أعرف إني صحيت في مكان غريب، ولما سألت عن أهلي محدش رضي يرد عليا. وأعرف إني فضلت شهور مش عارفة إذا كنت هعيش لبكرة ولا لأ.»
دموعه نزلت على خده، لكنه ما حاولش يمسحها.
«أنا عارف.»
بصيت له باستغراب.
«عارف إيه؟»
قال بصوت مكسور:
«عارف إنك اتظلمتي.»
كنت هرد عليه، لكن الباب اتفتح فجأة، وظهر أدهم الشناوي واقف على العتبة.
كان لسه لابس نفس القميص الغالي، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا. مابقاش الشاب المغرور اللي كان بيهدد الدكتورة سارة من شوية. كان واقف حائر، وعينيه بتتنقل بيني وبين أبوه.
قال:
«بابا… إنت تعرف الممرضة دي منين؟»
محمود شد الغطا على رجله وقال بسرعة:
«أدهم، اطلع بره.»
أدهم عقد حواجبه.
«أنا بسألك سؤال.»
رد أبوه بصوت أقوى من اللي توقعت إنه يقدر يطلعه:
«وأنا بقولك اطلع بره.»
أدهم ما اتحركش، وبصلي وقال:
«إنتِ مريم كمال فعلًا؟»
بصيت له من غير ما أرد.
طلع موبايله، وفتح صورة قديمة، ومده ناحيتي.
كانت صورة لورقة مصورة، عليها تاج أسود بطرف مكسور، وتحته اسم واحد مكتوب بخط واضح.
مريم كمال.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي، ماكانش اسمي.
كان الكلام المكتوب تحت الاسم.
«آخر شاهدة على اتفاق ليلة الخميس.»
إيدي بردت، وفضلت باصة للصورة لحد ما أدهم نزل الموبايل.
سألني:
«إيه اتفاق ليلة الخميس؟»
رديت وأنا بحاول أثبت صوتي:
«لو أبوك ما حكاهاش ليك طول السنين دي، يبقى أكيد عنده سبب.»
محمود ضرب بإيده على المرتبة.
«كفاية! محدش هيتكلم عن الليلة دي هنا.»
بصيت له وقلت:
«لأ يا حاج محمود. الليلة دي انتهت بالنسبة لكم من تمن سنين، لكن بالنسبة لي أنا عشتها كل يوم. كل مرة أصحى من النوم وأفتكر صوت الباب وهو بيتكسر، وكل مرة أفتكر إني كنت بنادي على ناس محدش ردوا عليا، وكل مرة أبص على العلامة اللي في دراعي وأفتكر إني كنت فاكرة إنها شرف، لحد ما اكتشفت إنها بقت تهمة.»
أدهم بصلي، ولأول مرة ما لقيتش في عينيه غرور ولا تحدي.
كان فيه سؤال واحد.
مين أنا؟
ومين الست اللي وقفت قدامه من شوية، وقدرت توقفه في مكانه في ثواني، واسمها موجود في صورة جوه خزنة أبوه؟
لكن قبل ما حد فينا ينطق، موبايل محمود رن.
بص للشاشة، وفجأة سحب نفس طويل، كأنه اتلقى ضربة في صدره.
أدهم قرب منه.
«مين يا بابا؟»
محمود قفل المكالمة من غير ما يرد، وحط الموبايل تحت الغطا.
قال بصوت واطي:
«هو عرف.»
سألته:
«مين؟»
رفع عينيه ليا وقال:
«الرجل اللي خلاني أسكت تمن سنين.»
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة في الممر، وبعدها صوت الدكتورة سارة بتنادي على الممرضين.
الباب اتفتح، ودخلت سارة وهي بتقول:
«يا جماعة، فيه تعليمات من الإدارة إن محدش يدخل أوضة الحاج محمود غير الفريق الطبي المسؤول عنه.»
وبصتلي باستغراب.
«مريم، إنتِ هنا ليه؟ المفروض تكوني في الدور التاني.»
كنت لسه هرد، لكن محمود مسك إيدي فجأة وقال قدامهم كلهم:
«محدش يخرج مريم من الأوضة دي.»
سارة اتفاجئت.
وأدهم وقف مكانه.
أما أنا، فبصيت لمحمود وقلت:
«أنا مش هفضل هنا عشان حضرتك طلبت. أنا هفضل عشان أعرف الحقيقة. وبعدها كل واحد هيتحاسب على اللي عمله.»
محمود هز راسه ببطء.
«وده حقك.»
وبعدها بص لابنه وقال:
«اقفل الباب يا أدهم، وتعالى اقعد. اللي هقوله دلوقتي كان لازم تعرفه من زمان.»
أدهم قفل الباب، لكنه فضل واقف.
محمود أشار للكرسي اللي جنب السرير.
«اقعد يا ابني.»
أدهم قعد، وعينيه ما فارقتش وشي.




