
أدهم عرض إنه ييجي معايا، لكني قلت له عايزة أروح مع المحامي بس.
وافق من غير اعتراض.
دخلت المبنى وأنا ماسكة الملف بإيدي، وحسيت لأول مرة من سنين إنني مش مجرد بنت مستنية حد ينقذها، أنا صاحبة حق وبحاول أوصل له بالطريقة الصحيحة.
قدمت كل اللي عندي وشرحت علاقتي ببابا والمستندات اللي لقيتها والظروف اللي اتعرضت لها بعد وفاته، وطلبت مراجعة التوقيعات اللي ظهرت على أوراق التنازل المنسوبة ليا.
بعد ما خلصت خرجت وأنا حاسة براحة صغيرة، لأن جزء من الحقيقة بقى في مكان يقدر يتراجع فيه رسميًا.
لكن وأنا نازلة السلم شفت راجل واقف بعيد عند البوابة.
كان لابس بدلة رمادي وبيتكلم في التليفون، ولما شافني سكت فجأة.
ما كنتش أعرفه، لكن كان فيه حاجة مألوفة في ملامحه.
وقفت لحظة أحاول أفتكر أنا شفته فين قبل كده، وفجأة افتكرت كلام عمتي عن الراجل اللي كان واقف عند بيت بابا في الليلة اللي مات فيها.
كان عنده علامة واضحة فوق حاجبه اليمين.
نفس العلامة اللي كانت في وش الراجل اللي واقف قدامي.
حسيت إن قلبي هيخرج من صدري.
لف الراجل بسرعة ومشي ناحية عربية واقفة في الشارع.
كنت هاجري وراه، لكن المحامي مسك دراعي وقال لي: استني يا سلمى، ما تعمليش أي حاجة لوحدك.
قلت له: ده هو الراجل اللي عمتي قالت عليه.
المحامي اتصل بالجهة المختصة وبلغهم باللي شوفناه، وبعدها فضلنا واقفين لحد ما وصل شخصان من المسؤولين وبدأوا يسألوني عن أوصاف الراجل واتجاه مشيه.
ما قدرتش أعرف إذا كانوا وصلوا له ولا لأ، لكني عرفت إن القضية أخيرًا خرجت من دايرة الخوف والتهديد وبقت في إيد ناس تقدر تحقق فيها.
لما رجعت القصر لقيت أدهم واقف عند الباب مستنيني.
أول ما شافني عرف إن فيه حاجة حصلت.
حكيت له عن الراجل والعلامة اللي فوق حاجبه.
ملامحه بقت جادة وقال: لازم تبلغي المحامي بكل تفصيلة فاكرها.
قلت له: عملت كده.
سألني: وإنتي كويسة؟
هزيت راسي، لكن فجأة حسيت إن الدموع بتتجمع في عيني.
قال لي: مالك؟
قلت له: أنا تعبت يا أدهم، تعبت من إني أفضل مستنية خبر يخوفني أو ورقة تقلب حياتي أو حد يظهر فجأة ويقولي إن كل اللي صدقته كان كذب.
ما قالش إن كل حاجة هتبقى بخير، ولا وعدني إن الدنيا هتتغير في يوم وليلة، لكنه قرب كرسي وحطه قدامي وقال: اقعدي شوية وخدي وقتك.
قعدت وفضلت أعيط لحد ما هديت، وبعدها قال لي: إنتي مش مطالبة تكوني قوية كل دقيقة يا سلمى، من حقك تتعبي، ومن حقك تخافي، ومن حقك تطلبي مساعدة.
بصيت له وقلت له: أنا خايفة أصدقك وبعدين أكتشف إنك زيهم.
قال: عشان كده ما تصدقينيش بالكلام، صدقيني بالوقت وبالأفعال.
مرت أسابيع من التحقيقات والمراجعات، وخلال الفترة دي رجعت أشتغل على نفسي من جديد.
قدمت أوراقي للجامعة في برنامج يناسب ظروفي، وبدأت أراجع المواد اللي كنت بحلم أدرسها من زمان، وخصصت جزء من الفلوس اللي كنت بكسبها عشان أقدر أبدأ حياة مستقلة.
أدهم عرض يساعدني في مصاريف الدراسة، لكني قلت له إني مش عايزة أحس إن أي حاجة في حياتي بقت دين في رقبتي.
قال لي: حقك، وأنا ممكن أساعدك في أي وقت تطلبي فيه المساعدة، لكن مش هفرض عليكي حاجة.
ومع مرور الوقت بدأت أشوف جانب مختلف منه.
كان بيخلص شغله ويرجع يقعد في الحديقة أحيانًا ويقرأ كتاب أو يتكلم معايا عن يومي، من غير ما يسألني كل شوية أنا كنت فين ومع مين.
ولما كنت برفض أخرج معاه كان بيقبل من غير زعل.
ولما كنت بطلب أروح مكان لوحدي كان بيكتفي إنه يسألني إذا كنت محتاجة توصيلة أو لأ.
حاجات بسيطة، لكنها بالنسبة ليا كانت جديدة، لأنني اتعودت طول عمري إن كل حد يقرر عني بحجة إنه بيحميني.
وفي يوم كنا قاعدين في المكتبة الصغيرة في القصر، لقيته بيطلع صندوق مخملي من درج المكتب.
قلبي دق بسرعة لما شفته.
حطه قدامي وفتحه، فظهر جواه خاتم بسيط من الفضة.
بصيت له باستغراب وقلت: ده إيه؟
قال: ده الخاتم اللي كنتي بتبصي عليه في محل المجوهرات يوم ما خرجنا قبل الفرح.
افتكرت اليوم ده كويس، كنت واقفة قدام واجهة محل صغيرة وشفت خاتم فضة بسيط وعجبني، لكنه كان أغلى من المصروف اللي معايا وقتها فمشيت من غير ما أشتريه.
قلت له: إنت فاكر اليوم ده؟
قال: فاكره كويس، واشتريته بعدها، لكن لما اتجوزنا ما قدرتش أديهولك لأن كل حاجة حصلت بسرعة، وما كنتش عايزك تحسي إني بشتري رضاكي بهدية.
بصيت للخاتم وقلت له: ليه بتديني إياه دلوقتي؟
قال: مش عشان أطلب منك ترجعي ليا، ولا عشان أفتكرك بجوازنا القديم، أنا بديهولك عشان ده كان اختيارك إنتي قبل ما حد يختارلك أي حاجة.
مسكت الخاتم بين صوابعي وحسيت إن فيه معنى أكبر من قيمته.
قلت له: أنا مش جاهزة أرجع مراتك يا أدهم.
قال: أنا عارف.
قلت له: ومش جاهزة أوعدك إني هحبك.
قال: وأنا مش هطلب منك وعد.
بصيت له وقلت: بس أنا بدأت أحس إنك بقيت شخص أقدر أتكلم معاه من غير ما أخاف.
ابتسم ابتسامة هادية وقال: دي بداية كفاية عندي.



