
حطيت الخاتم في علبته واحتفظت بيه في درج مكتبي من غير ما ألبسه، لكني لأول مرة ما حسيتش إن الماضي كله لازم يفضل مقفول.
بعد فترة وصلت نتيجة فحص الفلاشة، وكانت فيها نسخ من مراسلات قديمة بين موظفين في شركة الشحن وبين شخص مسؤول عن مراجعة الحسابات، وفي إحدى الرسائل طلب واضح بتغيير بيانات شحنة بعد تسجيلها رسميًا.
المستندات ما كانتش كافية وحدها لإثبات مسؤولية كل شخص، لكنها ساعدت المحققين في تحديد أسماء وشركات لازم يتم سؤال أصحابها.
وبعد مراجعة سجلات الورشة القديمة وصلوا للميكانيكي اللي كان فحص عربية بابا قبل الحادثة.
كان اسمه عم صبري، ولما اتواصلوا معاه وافق يدلي بشهادته.
قال إنه وقتها لاحظ إن فيه جزء في نظام الفرامل اتعرض لتدخل غير طبيعي، وإنه كتب ملاحظة في سجل الورشة، لكنه اتعرض لضغط من صاحب المكان عشان ما يذكرش الملاحظة في التقرير النهائي.
احتفظ عم صبري بنسخة من السجل القديم لأنه كان خايف في يوم من الأيام يتحمل مسؤولية حاجة ما عملهاش.
لما المحامي وراني صورة السجل حسيت إن دموعي بتنزل من غير ما أقدر أمنعها.
دي كانت أول مرة يظهر فيها دليل ملموس يدعم شكوكنا إن حادثة بابا ما كانتش مجرد حادثة عادية.
لكن التحقيق استمر، لأن إثبات وجود عطل متعمد مش معناه تلقائيًا إننا عرفنا الشخص اللي أمر بيه.
وبعد مراجعة التحويلات المالية والمراسلات وشهادة عم صبري بدأت الصورة تتضح تدريجيًا.
فؤاد الدمنهوري كان بيحاول يخفي مخالفات مالية كبيرة، وكان محتاج يوصل للمستندات اللي جمعها بابا، ولما فشل في الحصول عليها بدأ يضغط على كل شخص يعتقد إنه يعرف مكانها.
أما عمتي فثبت إنها قابلته فعلًا وأخدت منه مبلغًا من المال، لكنها ما قدرتش تثبت إنها كانت تعرف بخطته لإيذاء بابا أو إنها شاركت في تدبير الحادثة.
ومع ذلك اتحملت مسؤولية اللي عملته في حقي، لما قدمت أوراقًا غير صحيحة واحتفظت بحاجات تخص بابا ومنعتني من الوصول ليها.
أما التوقيع اللي على التنازل فتمت إحالته للفحص، واتضح إن فيه اختلافات مهمة عن توقيعي الحقيقي، وإن الورقة محتاجة تحقيق مستقل في ظروف إعدادها واستخدامها.
ولأول مرة حسيت إن الحق ممكن ياخد وقت طويل، لكنه مش لازم يضيع للأبد.
وفي يوم كنت راجعة من الجامعة لقيت أدهم واقف عند البوابة ومعاه ظرف أبيض.
قال لي: وصلنا استدعاء رسمي لفؤاد الدمنهوري عشان يدلي بأقواله في بعض الوقائع المتعلقة بالشركة.
سألته: يعني خلاص اتقبض عليه؟
قال: لأ يا سلمى، الاستدعاء للتحقيق مش حكم بالإدانة، وإحنا لازم نسيب الإجراءات تاخد مجراها.
هزيت راسي وقلت له: أنا بس عايزة أعرف مين اللي تسبب في وفاة بابا.
قال: وأنا نفسي أعرف الحقيقة أكتر من أي حد، لكن لازم نستنى الدليل النهائي.
في اليوم المحدد للتحقيق كنت قاعدة في مكتب المحامي وبحاول أركز في الكلام اللي بسمعه من غير ما أسيب خوفي يسبقني.
وصل خبر إن فؤاد أنكر علاقته بالحادثة، وقال إن التحويلات المالية كانت معاملات تجارية، وإنه ما يعرفش حاجة عن عطل العربية.
لكن لما واجهوه بسجل الورشة وبعض المراسلات القديمة بدأ يغير أقواله، وقال إن فيه موظف سابق كان مسؤول عن نقل المستندات، وإنه ممكن يكون تصرف من نفسه.
المحققون ما اكتفوش بكلامه، وطلبوا مراجعة إضافية لسجلات الشركة واستدعوا الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في الأوراق.
وبعد أيام ظهرت شهادة جديدة من موظف سابق أكد إنه تلقى تعليمات بتغيير بعض سجلات الشحن، وإنه شاف فؤاد بيتكلم مع الراجل صاحب العلامة اللي فوق حاجبه قبل وفاة بابا بفترة قصيرة.
ما كانتش الشهادة لوحدها كفاية لإغلاق القضية، لكنها ربطت بين أسماء ظهرت في المستندات وبين الأشخاص اللي كانوا بيتحركوا وقت الحادثة.
ومع كل دليل جديد كان قلبي يرتاح شوية ويتوجع شوية، لأن الحقيقة كانت بتثبت إن بابا كان بيحاول يحمي ناس كتير، بينما أقرب الناس ليا كانوا بيخفوا عني كل حاجة.
وفي ليلة هادية كنت قاعدة في الحديقة، ولقيت أدهم جايب معاه كوبين شاي وقعد بعيد عني زي عادته.
قال لي: عمتك طلبت تشوفك.
بصيت للأرض وقلت له: مش عارفة أقدر أواجهها ولا لأ.
قال: من حقك ترفضي، ومن حقك تسمعيها لو حسيتي إنك جاهزة.
فكرت شوية وبعدين قلت له: هقابلها، لكن مش عايزة حد يتكلم بدالي.
تاني يوم قابلتها في مكتب المحامي.
كانت باينة عليها علامات التعب، ووشها فقد كتير من ملامحه القديمة، ولما شافتني حاولت تتكلم لكن صوتها خانها.
قعدت قصادها وقلت لها: أنا جيت عشان أسمعك، مش عشان أوعدك إني هسامحك.
هزت راسها وقالت: فاهمة.
قالت إنها باعت بعض حاجاتها الشخصية عشان تبدأ تسدد الديون اللي عليها، وإنها بدأت تتابع مع مختص يساعدها تبعد عن المشاكل المالية، وإنها مستعدة تتعاون في التحقيق وتقدم أي أوراق عندها تخص فؤاد أو الشركة.
قلت لها: كويس إنك بدأتي تصلحي حياتك، لكن ده مش معناه إن اللي حصل ليا اختفى.
قالت: عارفة يا سلمى، ومش هطلب منك تنسي، أنا بس عايزة أقولك إني ندمانة إني خليت الخوف والفلوس أهم من أمانتك وحقك.
بصيت لها فترة طويلة وبعدين قلت لها: أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك يومًا ما، لكني مش هخلي الكره ياكل باقي عمري.
عيطت وهي بتقول: ده كفاية عندي.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن جرح قديم بدأ يقفل ببطء، لكن أثره هيفضل موجود.
بعدها بأيام حصل تطور مهم في القضية، لما ظهر مستند أصلي من أرشيف الشركة يحمل توقيع مسؤول سابق وتفاصيل تحويلات مالية مرتبطة بالمعاملات اللي كان بابا بيحقق فيها.
المستند اتراجع رسميًا واتقارن بباقي الأدلة، وبدأت الجهات المختصة تتعامل مع الواقعة باعتبارها قضية فيها شبهة تزوير واختلاس واحتمال ارتباط بوفاة بابا.
وفي نفس الوقت تم استدعاء الراجل صاحب العلامة اللي فوق حاجبه، وبعد مواجهته ببعض التفاصيل أنكر في البداية معرفته بالحادثة، لكنه قدم أقوالًا متناقضة عن مكان وجوده في الليلة دي.
التحقيق ما انتهيش في يوم وليلة، لكن لأول مرة بقى فيه مسار واضح للوصول للحقيقة بدل ما نفضل ندور في دوائر من الشك والخوف.
أما أنا فبدأت حياتي تتغير بطريقة ما كنتش أتخيلها.




