روايات وقصص

اتجوزت غصب عني حكايات صافي هاني

رجعت أدرس بانتظام، واشتغلت ساعات أقل في شغل يناسب مواعيد الجامعة، وبقيت أحتفظ بمرتبي لنفسي وأصرف على احتياجاتي من غير ما حد يجبرني أدفع ديونه.

وفي كل مرة كنت أحقق فيها حاجة صغيرة كنت أفتكر كلام بابا عن إن الخوف ما ينفعش يقرر حياتي.

أما أدهم ففضل ملتزم بوعده إنه ما يضغطش عليا.

كان أحيانًا يوصلني للجامعة لو طلبت منه، وأحيانًا يسيب لي العربية مع السواق لو الجو متأخر، وأحيانًا كنت أرفض كل ده وأروح مع صحابي، وكان بيقبل قراري من غير ما يحسسني بالذنب.

ومع الوقت بدأت ألاحظ إنني بقيت أستنى كلامه في آخر اليوم، وإن وجوده في المكان ما بقاش بيخوفني زي الأول.

كنت لسه فاكرة اللي حصل بينا ولسه زعلانة من الطريقة اللي بدأ بيها جوازنا، لكني بدأت أشوف إن الإنسان ممكن يعترف بغلطه ويحاول يصلحه من غير ما يطلب من اللي اتأذى منه إنه ينسى بسرعة.

وفي يوم رجعت القصر بعد محاضرة طويلة، ولقيت الحاجة فاطمة مستنياني في المطبخ وبتقول لي: أدهم مستنيكي في الحديقة.

سألتها: في حاجة؟

ابتسمت وقالت: مش عارفة يا بنتي، بس شكله متوتر من الصبح.

خرجت للحديقة ولقيته واقف جنب الشجرة الكبيرة اللي كانت موجودة من يوم ما اتجوزنا.

أول ما شافني قال: سلمى، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.

قلبي اتقبض وقلت له: خير؟

قال: أنا عارف إن جوازنا بدأ بطريقة ما كانتش عادلة ليكي، وعارف إنك لحد دلوقتي بتدفعي تمن حاجات ما اخترتيهاش، وأنا مش عايز أطلب منك ترجعي ليا لمجرد إننا متجوزين على الورق.

بصيت له من غير ما أتكلم.

كمل: أنا بدأت إجراءات قانونية عشان وضعنا يبقى واضح قدام القانون، ولو إنتي قررتي تنهي الجواز أنا هحترم قرارك وهساعدك في كل الإجراءات من غير ما أطلب منك أي مقابل.

حسيت إن الكلام وجعني بطريقة ما توقعتهاش، رغم إني كنت دايمًا بقول لنفسي إني عايزة أكون حرة.

قلت له: إنت بتقول كده عشان مش عايزني أفضل معاك؟

هز راسه وقال: لأ، أنا بقول كده عشان مش عايزك تفضلي معايا وإنتي حاسة إنك مجبرة زي أول مرة.

نزلت عيني للأرض وفضلت أفكر في كل اللي حصل بينا من يوم الفرح لحد النهارده.

قلت له: وأنا عندي تمنتاشر سنة ما كنتش فاهمة حاجة عن الدنيا، وكنت خايفة منك ومن كل اللي حواليا، لكن دلوقتي أنا بقيت أعرف أقول لأ وأعرف أختار لنفسي.

قال: وده حقك.

قلت له: أنا مش عايزة أخد قرار النهارده.

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: خدي وقتك.

بصيت له وقلت: بس عايزة أقولك حاجة.

قال: قولي.

قلت له: أنا بدأت أحب وجودك في حياتي يا أدهم، مش عشان إنت غني ولا عشان عندك قصر ولا عشان الناس بتخاف منك، لكن عشان بقيت بتسمعني حتى لما كلامي بيكون ضد رغبتك.

فضل ساكت للحظة وكأنه خايف يصدق اللي سمعه.

قلت له: بس ده مش معناه إننا نرجع زي الأول.

قال: أنا مش عايز نرجع زي الأول، أنا عايز لو فيه فرصة تكون حياتنا الجديدة مبنية على اختيارنا إحنا الاتنين.

ابتسمت لأول مرة من قلبي من يوم ما رجع لحياتي وقلت له: يبقى خلينا نبدأ نتعرف على بعض من جديد.

ابتسم هو كمان وقال: دي أحسن بداية ممكن أتمناها.

عدت الشهور بعدها، وكل يوم كان بيعدي بيأكد لي إن البداية الجديدة مش كلمة حلوة تتقال وخلاص، لكنها أفعال صغيرة بتتكرر لحد ما تبني ثقة حقيقية.

كنا بنتكلم عن طفولتنا وعن أحلامنا اللي ضاعت وعن الحاجات اللي كنا بنحبها وإحنا صغيرين.

عرفت إنه كان بيحب الرسم لكنه سابه لما دخل عالم الشغل بدري، وإنه كان بيقضي ساعات طويلة في مكتبه لأنه ما كانش عنده حد يثق فيه ويحكيله عن تعبه.

وهو عرف إني كنت بحب القراءة من وأنا صغيرة، وإن حلمي كان أدرس الأدب وأكتب قصص عن الناس اللي بتبدأ من جديد بعد ما الدنيا تقفل كل الأبواب في وشها.

في يوم جاب لي دفتر جديد وقلم وقال لي: اكتبي فيه كل اللي نفسك تقوليه من غير ما تفكري إذا كان حد هيعجبه أو لأ.

ضحكت وقلت له: وإنت مالك بالكتابة؟

قال: عشان نفسي أشوفك تعملي حاجة بتحبيها من غير ما حد يقولك لأ.

احتفظت بالدفتر وبدأت أكتب فيه كل ليلة عن حياتي وعن بابا وعن الخوف اللي عشته وعن الطريق اللي كنت بحاول أمشيه عشان أوصل لنفسي.

وبعد فترة قصيرة وصلنا خبر إن التحقيق في قضية وفاة بابا وصل لمرحلة مهمة، وإن فيه أدلة كافية لإحالة بعض الوقائع للجهات القضائية المختصة.

تم توجيه اتهامات لفؤاد الدمنهوري في وقائع مالية وتزوير مرتبطة بالشركة بعد مراجعة المستندات والشهادات، لكن قضية وفاة بابا احتاجت وقتًا أطول عشان تتحدد المسؤوليات فيها بدقة.

أما الراجل اللي كان صاحب العلامة فوق حاجبه فقد ثبت من خلال سجلات واتصالات وشهادات إنه كان على تواصل مع أشخاص مرتبطين بالتحقيقات، وإنه قدم معلومات متناقضة عن تحركاته وقت الحادثة.

كل ده كان جزءًا من ملف القضية، وما كانش حكم نهائي على كل الوقائع، لكني لأول مرة حسيت إن اسم بابا ما بقاش مجرد ذكرى حزينة محدش يعرف حقيقتها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى