منوعات

بعد طلاقي حكايات صافي هاني

الظابط طلب مني أفضل معاه على الخط، وقال لي إن أقرب دورية هتتحرك ناحية البيت، وإن الأفضل ماحاولش أواجه مجدي أو مها بنفسي قبل ما يوصلوا.

قفلت صوت التلفزيون اللي كان شغال في مطبخ أختي ريم، وقعدت على الكرسي وأنا ماسكة الموبايل بإيدين بيترعشوا.

كنت شايفة كل حاجة بتحصل قدامي على الشاشة، لكن عقلي كان واقف عند لحظة واحدة بس.

لحظة ما مجدي كتب الرقم السري، والباب اتفتح له كأنه صاحب البيت.

مجدي ماكانش بيجرب أرقام عشوائية، ولا كان بيحاول يفتح الباب بالقوة. الراجل ده دخل وهو واثق من نفسه، واثق لدرجة إنه أول ما دخل حط مفاتيح عربيته على طاولة المدخل، وبص حواليه، وبعدها أشار لمها ناحية الصالة كأنه بيوريها شقة اتفقوا من زمان إنهم هيسكنوا فيها.

مها حطت الأباجورة النحاسية على الأرض، وخلعت الجاكيت بتاعها، وبعدها طلعت موبايلها وبدأت تصور المكان.

قالت له وهي بتلف الكاميرا على الحيطان:

“أنا مش مصدقة إننا أخيرًا بقينا هنا. المكان أوسع مما كنت متخيلة.”

مجدي ضحك وقال لها:

“قلت لك استني بس، وكل حاجة هتتحل. كان لازم أخلص موضوع البيت القديم الأول.”

وقفت عند الجملة دي.

البيت القديم.

بيتنا اللي عشنا فيه سبعة وعشرين سنة، واللي سبتُه بعد طلاق استنزف مني أعصاب وفلوس وكرامة أكتر مما كنت مستعدة أعترف بيه لأي حد.

كنت فاكرة إن مجدي بعد الطلاق أخد نصيبه ومشي في طريقه، وأنا أخدت حقي القانوني وبدأت أدور على مكان أعيش فيه بعيد عن الذكريات.

لكن واضح إنه كان شايف إن الموضوع لسه ماخلصش.

ريم كانت واقفة جنبي، عينيها مثبتة على الشاشة.

قالت بصوت واطي:

“هو قال البيت القديم ليه؟ هو ناوي يعمل إيه يا نادية؟”

ماجاوبتهاش.

لأني في اللحظة دي شفت مجدي بيفتح باب إحدى الغرف، وبعدها نادى مها.

“تعالي شوفي أوضتك.”

مها دخلت، وبصت للشباك الكبير اللي بيطل على الحديقة الخلفية، وبعدها حطت إيديها على وسطها وقالت:

“دي هتبقى أوضتنا؟”

رد مجدي بثقة:

“طبعًا. أنا مش جاي هنا أقعد يومين وأمشي.”

حسيت ببرودة بتسري في ضهري.

هو مش داخل بيتي عشان يعمل مشكلة ويمشي.

هو جاي ينقل حياته كلها جواه.

وعلى حسابي أنا.

رفعت الموبايل ناحية ودني تاني، وسألت الظابط:

“حضرتك، لو هما دخلوا بمعلومات صحيحة عن الكالون، ده معناه إنهم يقدروا يدّعوا إن عندهم إذن؟”

رد بهدوء:

“إحنا هنثبت الوقائع الأول. إنتِ عندك مستندات الملكية؟”

“عندي نسخة إلكترونية من العقد، وعندي إيصالات التحويل، وكل ورق الشراء.”

“احتفظي بيهم، وماتمسحيش أي تسجيل من الكاميرات. وخليكي معانا على الخط لو حصل أي تطور.”

هزيت رأسي، رغم إنه ماكانش شايفني، وفتحت تطبيق الكاميرات من جديد.

في الوقت ده، عامل من عمال النقل دخل وهو شايل مرتبة كبيرة، ووقف عند مدخل الصالة.

سأل مجدي:

“يا أستاذ، الأوض دي كلها هنحط فيها العفش؟”

مجدي رد من غير ما يتردد:

“آه، كله يدخل. الأوضة اللي في آخر الطرقة خليها للمكتب، والكرتون اللي مكتوب عليه أوراق يتحط جوه الدولاب.”

العامل بص له باستغراب بسيط.

“تمام يا فندم، بس حضرتك متأكد إن كل حاجة متفق عليها؟ أصل البيت شكله لسه جديد، ومفيش فيه أي عفش.”

مجدي ضحك وقال:

“متفق عليها من زمان. إنت شغلك تنقل العفش وبس.”

الكلام ده خلاني أضغط على الموبايل لدرجة إن صوابعي وجعتني.

متفق عليها من زمان؟

مع مين؟

مين اللي اتفق معاه على بيتي؟

كنت أنا اللي اشتريته، وأنا اللي دفعت تمنه، وأنا اللي مضيت على أوراقه، وأنا اللي فضلت شهور بدور على مكان مناسب من غير ما أقول لمجدي أو لأي حد من عيلته حتى المدينة اللي اخترتها.

ومع ذلك، الراجل كان بيتكلم كأنه بينفذ خطة جاهزة.

بعد حوالي عشر دقايق، ظهرت عربية الشرطة على الكاميرا الخارجية.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

الضابط نزل من العربية، وراه زميله، واتجهوا ناحية الباب الرئيسي.

مجدي فتح لهم بنفسه.

وأول ما شافهم، ملامحه اتغيرت للحظة، لكنه رجع ابتسم بسرعة.

سمعته بيقول:

“خير يا حضرات؟ في حاجة؟”

الضابط رد:

“وصلنا بلاغ بوجود أشخاص داخل العقار من غير إذن المالكة. حضرتك مين؟”

مجدي رفع دقنه وقال:

“أنا صاحب البيت.”

حسيت إن الدنيا وقفت.

صاحب البيت؟

الضابط سأله:

“اسم حضرتك إيه؟”

“مجدي عبدالسلام.”

“ومستندات الملكية معاك؟”

مجدي سكت ثانية، وبعدها بص ناحية مها.

مها قربت منه وقالت:

“إحنا لسه ناقلين النهارده، والأوراق مع المحامي.”

الضابط قال:

“طيب، مين المالكة المسجلة للعقار؟”

مجدي رد بسرعة:

“مراتي.”

الضابط سأله:

“مراتك الحالية؟”

هنا حصل صمت غريب.

مها بصت لمجدي.

ومجدي بص لها.

وبعدين قال:

“أقصد طليقتي.”

الضابط ماعلّقش، لكنه طلب منهم يبعدوا عن المدخل لحد ما يتأكد من بيانات العقار.

أنا كنت بتابع كل كلمة، وكل ثانية بتمر كانت بتأكد لي إن فيه حاجة أكبر من مجرد محاولة استيلاء على بيت.

لأن مجدي، رغم كل اللي حصل بيننا، كان عارف كويس إن البيت ده مش بتاعه.

كان عارف إني اشتريت بيت جديد بعد الطلاق.

لكن ماكانش المفروض يعرف عنوانه.

والأغرب إنه كان داخل بثقة واحد معاه تصريح رسمي.

بعد دقائق، الظابط اتصل بيا من رقم تاني، وطلب مني أأكد بياناتي وأبعت نسخة من عقد الملكية على وسيلة التواصل اللي حددها.

عملت اللي طلبه، وبعدها رجعت أتابع الكاميرات.

مجدي كان واقف في المدخل، بيحاول يتكلم بهدوء، لكن إيده كانت بتتحرك بعصبية.

أما مها، فكانت واقفة وراه، ماسكة موبايلها، وبتتكلم مع حد بصوت واطي.

وفجأة، سمعتها بتقول:

“لأ، الشرطة وصلت فعلًا. أيوه، نادية بلغت.”

اتجمدت مكاني.

هي عارفة اسمي.

طبعًا عارفاه، دي مرات طليقي.

لكن نبرة صوتها ماكانتش نبرة واحدة اتفاجئت إن صاحبة البيت اتصلت بالشرطة.

كانت نبرة واحدة مستنية رد فعل معين، ولما حصل، بدأت تنفذ الخطوة اللي بعدها.

مها كملت:

“أنا مش هقدر أتكلم دلوقتي. هكلمك لما يمشوا.”

قفلت المكالمة، وبعدها رفعت عينيها ناحية الكاميرا الموجودة فوق باب المدخل.

فضلت باصة ليها ثواني.

وبعدين ابتسمت.

مش ابتسامة فرح.

ابتسامة خلتني أحس إنها عارفة إني بتفرج عليها.

ريم قربت مني وهمست:

“هي بتبص للكاميرا ليه بالشكل ده؟”

قلت لها:

“مش عارفة.”

لكن الحقيقة إن الخوف بدأ يتحول جوايا لغضب.

أنا مش هسمح لحد يحول بداية حياتي الجديدة لكابوس.

بعد حوالي عشرين دقيقة، الظابط رجع وقف قدام مجدي، وقال له كلام ماقدرتش أسمعه كله بسبب صوت عربية النقل.

لكن واضح إن مجدي ماعجبوش الكلام، لأنه رفع صوته فجأة.

“أنا بقول لحضرتك إن عندي إذن أدخل! إنتوا ليه مصممين تعاملوني كأني حرامي؟”

الظابط رد بصرامة:

“إحنا بنتحقق من البلاغ. لو عندك مستندات تثبت حقك، قدمها.”

مجدي أشار ناحية البيت وقال:

“كل حاجة جوا! عفشي وأوراقي وحاجتي الشخصية. أنا مش هسيب بيتي.”

ساعتها الظابط طلب منه يهدى، وبعدها سأله سؤالًا خلاني أقرب الموبايل من ودني.

“مين اللي ادالك العنوان؟”

مجدي سكت.

الظابط كرر السؤال.

“أنا بسألك مين اللي قال لك إن العقار ده بتاع طليقتك؟”

مجدي بص ناحية مها مرة تانية.

المرة دي، مها ما بصتش له.

فضلت باصة للأرض.

وبعد ثواني، مجدي قال:

“وصلني العنوان من حد أعرفه.”

الظابط سأله:

“مين؟”

مجدي رد:

“مش فاكر بالضبط.”

كنت هصرخ من مكاني.

مش فاكر؟

الراجل اللي حفظ الرقم السري للباب، وجاب عربية نقل كبيرة، وحمل عفش بيته، وحدد الغرف اللي هينقل فيها حاجته، مش فاكر مين اللي اداله العنوان؟

ريم شدت الكرسي وقعدت جنبي.

“نادية، لازم تعرفي مين اللي ورا الموضوع ده.”

بصيت لها وقلت:

“هعرف.”

كنت لسه مش عارفة إزاي، لكن لأول مرة من يوم طلاقي، حسيت إني مش مستعدة أعدي أي حاجة لمجرد إني عايزة أرتاح.

بعد وقت قصير، مجدي خرج من البيت ومعاه مها، وبدأوا يتكلموا مع الضابط بعيد عن الباب.

عامل النقل وقف جنب العربية، مش فاهم هو المفروض يكمل شغل ولا يرجع العفش.

وفي الآخر، الشرطة طلبت منهم وقف عملية النقل لحد ما تتضح الملكية والإذن بالدخول، وبدأوا يسجلوا بيانات الموجودين.

ماكانش ده نهاية الموضوع، لكنه كان أول مرة من سنين أشوف مجدي مش عارف يسيطر على الموقف بالكلام.

فضلت أتابع لحد ما عربية النقل اتحركت من قدام البيت، بعد ما اتحدد إيه اللي هيتعمل في العفش وفقًا لتعليمات الشرطة والإجراءات المطلوبة.

مجدي ومها ماكانوش راضيين يمشوا بسهولة.

لكنهم مشيوا.

وقبل ما مجدي يركب عربيته، وقف قدام الباب، وطلع موبايله، واتصل بحد.

المرة دي، الكاميرا كانت قريبة كفاية إني أسمع صوته.

“إنت قلت لي إن الموضوع مضمون!”

سكت يسمع الرد.

وبعدين قال بعصبية:

“لأ، الشرطة وصلت. وهي عرفت. إنت فاهم يعني إيه إنها عرفت؟”

سكت تاني.

وفجأة صوته وطي.

“أنا مش هقدر أرجع هناك دلوقتي. لازم نغير الخطة.”

قفل المكالمة، وركب عربيته.

فضلت باصة للشاشة بعد ما اختفى من الصورة.

لازم نغير الخطة.

يعني فيه خطة أصلًا.

مش مجرد خلاف على ملكية بيت.

مش مجرد طليق بيحاول يفرض نفسه على حياة طليقته.

فيه حد بيدير الموضوع من ورا الستار، ومجدي ومها بينفذوا اللي اتقال لهم.

والحد ده يعرف عني معلومات أكتر بكتير مما كنت متخيلة.

في نفس اليوم، بعد ما خلصت الإجراءات الأولية، قررت ما أرجعش بيتي لوحدي.

كنت لسه عند ريم في لويفيل، وهي أصرت إني أفضل معاها لحد ما نعرف إيه اللي حصل.

عملت لي قهوة، وحطتها قدامي، لكنها فضلت واقفة بتبص لي كأنها مستنية مني أقول حاجة.

قالت:

“إنتِ من ساعة ما حصل الموضوع وإنتِ ساكتة. بتفكري في إيه؟”

بصيت للقهوة.

“بفكر في الناس اللي عرفت إني اشتريت البيت.”

ريم قعدت قدامي.

“مين كانوا؟”

بدأت أعد على صوابعي.

“إنتِ. والمحامي بتاعي. والسمسارة اللي عرضت عليا البيت. والبنك. وشخص واحد بس من عيلتي كنت حكيت له إني أخيرًا لقيت المكان اللي بدور عليه.”

ريم رفعت عينيها.

“مين؟”

سكت لحظة.

وبعدين قلت:

“أختي الكبيرة، منى.”

ريم ما اتكلمتش فورًا.

منى كانت أختنا الكبيرة، أكبر مني بسبع سنين، وكانت أقرب واحدة ليا بعد وفاة ماما.

هي اللي وقفت جنبي في بداية الطلاق، وهي اللي كانت بتكلمني كل يوم تطمن عليا، وهي اللي كانت بتقولي إني أستحق أبدأ من جديد.

لما اشتريت البيت، ماقلتلهاش العنوان، لكن قلت لها إني لقيت بيت مناسب في ولاية تانية، وإن كل حاجة تقريبًا خلصت.

وكانت فرحانة ليا.

أو ده اللي كنت فاكره.

ريم قالت:

“إنتِ بتشكي في منى؟”

رديت بسرعة:

“مش عايزة أشك في حد. بس لازم أعرف.”

“منى أختنا يا نادية.”

“عارفة.”

“هي اللي كانت بتقف جنبك طول فترة الطلاق.”

“عارفة يا ريم.”

صوتي علي من غير ما أقصد.

سكتنا إحنا الاتنين.

وبعدين أخدت نفس طويل وقلت:

“أنا مش بتهمها. أنا بحاول أفهم إزاي مجدي عرف عنوان البيت، وعرف الرقم السري، وعرف إني مش موجودة. لازم يكون فيه مصدر للمعلومات دي.”

ريم مسكت إيدي.

“طيب، خلينا نمشي بالعقل. مين كان يعرف إنك هتكوني عندي النهارده؟”

السؤال ده كان أهم مما توقعت.

أنا كنت ناوية أروح عند ريم من يومين، عشان نقعد مع بعض ونختار بعض الحاجات اللي هشتريها للبيت.

لكن قبل ما أسافر، كلمت منى، وقلتلها إني هبات عند ريم يومين.

ماقلتلهاش العنوان الجديد، ولا قلت لها إني هسيب البيت فاضي.

لكنها كانت تعرف إني مسافرة.

حسيت إن رأسي بتوجعني.

فتحت سجل المكالمات، وبدأت أراجع آخر أسبوع.

مكالمة من منى يوم الخميس.

رسالة منها يوم الجمعة.

وبعدين رسالة صباح السبت، الساعة تسعة إلا ربع.

“وصلتي عند ريم؟ طمنيني عليكي لما تصحي.”

بصيت للساعة.

الإنذار ظهر الساعة عشرة وربع.

يعني قبلها بساعة ونص تقريبًا، منى كانت بتسألني إذا كنت وصلت.

ده طبيعي.

أخت بتطمن على أختها.

لكن لما جمعت التوقيتات في دماغي، لقيت إن فيه حاجة مش راكبة.

مجدي وصل بيتي في نفس اليوم اللي كنت فيه بعيدة عنه بأربع ساعات.

وعربية النقل كانت جاهزة.

والعفش كان متجهز.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى