روايات وقصص

عمتي زهرة الربيع

“دي صور من الرسائل اللي ياسين احتفظ بيها. أنا مش هديها لك عشان تستخدميها ضده أو ضد إيمان. أنا عايزاكي تعرفي إن الحقيقة ما بتختفيش لمجرد إننا بنهرب منها.”

فتحت الظرف.

كانت فيه صور لبعض الرسائل اللي أنا بعثتها لياسين، واللي كنت بحاول فيها أقنعه إن إيمان مش بتحبه، وإنها وافقت عليه عشان وضعه المادي.

وفي رسالة، كنت كاتبة له:

“أنا لو كنت أعرف إنك بالشكل ده، ما كنتش سيبتك لها. أنا بس كنت خايفة أزعلها، لكن واضح إنها مش هتقدر تسعدك زيي.”

قرأت الجملة أكتر من مرة.

كنت فاكرة وقتها إني بقول كلام ذكي، وإنه هيخليني أكسبه.

لكن لما شفت الكلام مكتوب قدامي، حسيت إني مش عارفة البنت اللي كتبته.

رفعت عيني لعمتي، وقلت:

“هو احتفظ بكل ده ليه؟”

قالت:

“لأنه لما بدأ يشك، حب يتأكد من الحقيقة قبل ما ياخد قرار. لكنه ما استخدمش الرسائل عشان يهينك أو يفضحك، حتى في الخطوبة. هو اكتفى إنه يوضح سبب قراره.”

رجعت الصور للظرف.

ولأول مرة، ما كنتش عايزة ألوم ياسين على إنه عرف الحقيقة.

كنت عايزة ألوم نفسي على إني كنت مستعدة أقول أي حاجة عشان أكسب.

رجعت البيت في المساء، ولقيت إيمان قاعدة في الصالة بتقرأ كتابًا.

وقفت قدامها، وما عرفتش أبدأ منين.

هي رفعت عينيها وقالت:

“عايزة حاجة يا سهى؟”

قعدت على الكرسي المقابل لها.

قلت:

“أيوه. عايزة أتكلم معاكي.”

قفلت الكتاب، واستنت.

حاولت أتكلم، لكن صوتي اتخنق.

أخدت نفسًا عميقًا وقلت:

“أنا عارفة إنك مش مضطرة تسامحيني، ومش هطلب منك تنسي اللي حصل. لكن أنا عايزة أقول لك الحقيقة من غير ما أبرر لنفسي.”

إيمان فضلت ساكتة.

كملت:

“أنا لما عرفت إن ياسين مقتدر، حسيت إني ضيعت فرصة كبيرة. وبدل ما أعترف إني أنا اللي رفضته، أقنعت نفسي إنك أخدتيه مني. وبعدها كلمته، وقلت له كلام عنك مش حقيقي، عشان أخليه يختارني.”

دموعي نزلت، لكني كملت.

“أنا ما كنتش بحبه. أنا كنت عايزة أتجوزه عشان الفلوس والمكانة، وعشان أثبت لنفسي إني أقدر أكون أحسن منك. ولما وافق يتقدم لي، حسيت إني كسبت، وما فكرتش في وجعك.”

إيمان كانت باصة لي من غير ما تتكلم.

قلت:

“أنا آسفة يا إيمان. آسفة إني استخدمت علاقتك بيا عشان أوصل لحاجة أنا عايزاها. وآسفة إني خليتك تحسي إنك مش كفاية، مع إنك ما عملتيش أي حاجة غلط.”

إيمان نزلت عينيها، وفضلت ساكتة.

كنت مستنية إنها تعيط، أو تزعل، أو حتى تقول لي إنها مش هتسامحني أبدًا.

لكنها قالت بعد فترة:

“إنتِ عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟”

هزيت رأسي.

قالت:

“مش إنك كلمتي ياسين. ولا إنك حاولتي تتجوزيه. اللي وجعني إنك كنتِ عارفة إني فرحانة، وعارفة إني كنت مطمنة له، ومع ذلك قدرتي تقولي له إني مش عايزاه، وإنك إنتِ اللي تنازلتي عشاني.”

حطيت إيدي على وشي.

قالت:

“أنا طول عمري كنت ببص لك على إنك أختي الكبيرة، وإنك مهما اتضايقتي مني، هتفضلي في ضهري. لما قلتي لي أوافق عليه، أنا صدقتك. ما خطرش في بالي إنك ممكن تكوني بتضحكي عليا.”

قلت بصوت مكسور:

“أنا عارفة.”

إيمان كملت:

“أنا مش هقدر أقول لك إني سامحتك دلوقتي. مش عشان عايزة أعاقبك، لكن عشان الثقة لما بتتكسر بتحتاج وقت. أنا محتاجة أشوف إنك فعلًا اتغيرتي، مش بس ندمانة لأن ياسين اختارني.”

هزيت رأسي، وقلت:

“عندك حق.”

وبعدين قامت من مكانها.

افتكرت إنها هتمشي من غير ما تقول حاجة تانية، لكنها قربت مني، وحطيت إيدها على كتفي.

قالت:

“إنتِ أختي يا سهى، وأنا مش عايزة أخسرك. بس لازم نتعلم إننا ما نبقاش أعداء عشان الدنيا ادتنا حاجات مختلفة.”

ما قدرتش أتكلم.

حضنتها، وفضلت أعيط.

وهي ما حضنتنيش فورًا، لكنها بعد لحظات رفعت إيدها وربتت على ظهري بهدوء.

كان حضنًا قصيرًا، لكنه كان أول خطوة حقيقية في طريق طويل.

بعد مرور شهر، حصلت حاجة ما كنتش متوقعة.

إيمان وافقت إنها تقابل ياسين مرة تانية، لكن المرة دي كان القرار بعد تفكير طويل، وبعد ما اتكلمت مع ماما وعمتي.

ما أعلنتش موافقتها على الرجوع له، لكنها قالت إنها مستعدة تدي نفسها فرصة تعرفه من جديد، بعيد عن اللي حصل في البداية.

ياسين وافق على شروطها.

قال إنه مش هيحدد أي موعد للخطوبة أو الجواز إلا لما تكون مطمنة تمامًا، وإنه مش عايزها توافق بدافع الخوف من إنها تضيع فرصة تانية.

بدأوا يتكلموا في وجود الأسرة، ويتعرفوا على بعض من جديد، وكأنهم بيبدأوا من الصفر.

أما أنا، فكنت بحاول أرجع أرتب حياتي.

ما بقاش عندي أي تواصل مع ياسين، وما حاولتش أتدخل في قرارات إيمان.

بدأت أشتغل في مجال كنت بحبه من زمان، وكنت دايمًا بأجله بحجة إني عايزة أتجوز وأعيش حياة مريحة.

اكتشفت إن عندي قدرة على تنظيم الأعمال والتعامل مع الناس، وقدرت أحصل على وظيفة مناسبة في شركة صغيرة، وبدأت أعتمد على نفسي في مصاريفي.

في البداية، كان الموضوع صعبًا.

كنت برجع البيت تعبانة، وأحيانًا أحس إني أقل من البنات اللي حواليا، خصوصًا لما أشوف صور جوازاتهم وشققهم الجديدة وسفرهم.

لكن كل مرة كانت الفكرة دي تيجي في بالي، كنت أفتكر اللي حصل في ليلة الخطوبة.

أفتكر إزاي كنت واقفة بفستان غالي، وسط ناس كتير، ومع ذلك كنت حاسة إني أصغر واحدة في المكان.

وأفتكر إن المشكلة ما كانتش في الفستان، ولا في القاعة، ولا في إن ياسين سابني.

المشكلة كانت في إني ربطت قيمتي بحاجات ممكن تضيع في لحظة.

بعد ست شهور، اتحدد موعد كتب كتاب إيمان وياسين.

المرة دي، ما كانش فيه قاعة ضخمة، ولا استعراض للهدايا، ولا حفلة هدفها إن الناس تشوف مين كسب.

كانت قعدة عائلية بسيطة في بيتنا، بحضور الأهل والمقربين.

إيمان كانت لابسة فستانًا هاديًا، ووشها منور بفرحة مختلفة عن فرحة أول مرة.

كانت فرحة بنت أخدت وقتها، وفكرت، وسألت، وبعدها قررت بإرادتها.

ياسين دخل، وسلم على ماما، وقعد جنب أبوه.

ولما شافني، سلم عليا باحترام، من غير عتاب ولا شماتة.

أنا رديت السلام، وبعدها بصيت لإيمان.

كنت عايزة أفرح لها بصدق، من غير ما أقارن نفسي بيها.

ولما المأذون بدأ إجراءات كتب الكتاب، حسيت بدموعي بتنزل.

مش غيرة المرة دي.

كان إحساسًا غريبًا بين الندم والراحة.

ندم على اللي عملته، وراحة لأني أخيرًا بدأت أفهم إن سعادة أختي مش خسارة ليا.

بعد ما كتبوا الكتاب، ياسين بص لإيمان وقال لها:

“ربنا يجعلني عند حسن ظنك، ويعوضك عن أي وجع كنت سبب فيه.”

إيمان ابتسمت وقالت:

“المهم إننا نتعلم من اللي حصل، وما نكررهوش.”

وبعدين ماما قربت مني، ومسكت إيدي.

قالت بصوت واطي:

“شايفة يا سهى؟ ربنا رزق كل واحدة فيكم بطريق مختلف.”

بصيت لها وقلت:

“أنا كنت فاكرة إن رزقها هيبقى على حسابي.”

ماما ابتسمت بحزن وقالت:

“وده اللي تعبك يا بنتي.”

حضنتها، وفضلت واقفة جنبها، وأنا ببص لإيمان وهي بتضحك وسط أهلها.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الإنسان ممكن يضيع سنين من عمره وهو بيحاول يكسب سباق محدش طلب منه يدخله أصلًا.

بعد كتب الكتاب، بدأت إيمان تجهز شقتها مع ياسين.

كان بيحرص إنه يشاورها في كل تفصيلة، حتى الحاجات البسيطة زي لون الستائر وترتيب الأثاث.

وفي إحدى الزيارات، كنت معاها وهي بتختار بعض الحاجات للبيت.

مسكت فازة زجاجية جميلة، وقلت لها:

“دي حلوة أوي، هتليق على الصالة.”

ابتسمت وقالت:

“خلاص، نجيبها.”

بصيت لها باستغراب.

“مش هتسألي ياسين الأول؟”

ضحكت وقالت:

“هو قال لي اختاري اللي يعجبك، وإحنا هنظبط كل حاجة مع بعض.”

حسيت بحاجة من الحزن، لكني ما خليتهاش تسيطر عليا.

قلت لها:

“ربنا يسعدكم.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى