كنت ببعت لامي كل شهر 50 الف جنيه ، ولما قولتلها ان اهل مراتي جاين يسلموا عليها جابتلهم عيش بايت وجبنه قديمه ، من وقتها مكلمتهاش نص كلمه بس لما ماتت عرفت الحقيقه الي كسرت ضهري وعرفت بتودي كل الفلوس دي فين !!!! أأبويا الله يرحمه مات وأنا لسه شاب صغير، ومن وقتها مبقاش ليا في الدنيا دي غير أمي، ست الكل "روحية". لما جالي عرض شغل بره البلد، فرصة عمر قلبت حياتي كلها، أول حاجة فكرت فيها هي أمي. عرضت عليها تيجي معايا تسافر ونبدأ حياة جديدة، خصوصاً إني مكنتش متخيل أبداً أسيبها لوحدها في البيت القديم وحدها واسافر. بس هي رفضت بإصرار غريب وقالتلي: "يا ابني، أنا اتجوزت في البيت ده، وربيتك فيه، ومش هسيب بيت جوزي وذكرياته لحد ما أموت. سافر انت ، وركز في مستقبلك، وأنا مرتاحة هنا". وفعلا سافرت و ربنا فتحها عليا بطريقة مكنتش أتخيلها. الشغل مشي، والدخل كبر، وبقيت عايش عيشة كويسة جداً. ومن أول ما دخلي اتحسن بقيت أبعت لها كل شهر خمسين ألف جنيه عشان تشتري كل اللي نفسها فيه أمي طول عمرها ست "بسيطة" بل وكنت من شدة حرصها اتهمها دايما بالبخل ، وكنت عارف انهامش هتصرف نص المبلغ اللي ببعته بس كنت اقول خليهم في حسابها عشان تطمن وتجيب اللي عايزاه". كنت أكلمها في التليفون أقول لها: "يا أمي اصرفي ومتستخسريش في نفسك حاجة، ولو عوزتي أكتر ابعتيلي فوراً". وكانت دايماً ترد عليا : "يا ابني ده كتير قوي، ربنا يباركلك ويحفظك". ومرت الايام و اتعرفت على واحدة أجنبية واتجوزتها بره. لما أمي عرفت زعلت أوي لان كان نفسها تحضر فرح ابنها الوحيد كلمتها وفهمتها ان كل حاجه جت فجأة وطيبت خاطرها ، وهي رغم زعلها باركتلي وسكتت زي عوايدها. عدت سنتين بحالهم، وخلال السنين دي كنت مشغول في حياتي وجوازي وشغلي، وكنت دايما اعتذر لها لإني مقصر في السؤال عنها وكنت دايما اسألها واطمن منها إن الفلوس اللي ببعتهالها مكفياها ومخلياها في أحسن حال لحد ما في يوم قررت إني أخيراً نازل في إجازة وهشوفها كلمتها وقلتلها: " يا أمي، أنا جاي ومعايا مراتي وأهلها.. طلبوا يجوا يزوروا مصر ويسلموا عليكي لأول مرة". أمي طارت من الفرحة، حسيت بصوتها بيترعش من اللهفة والشوق. نزلت من المطار ومعايا حمايا وحماتي ومراتي، وأنا طاير من السعادة، اني هشوف امي واحضنها واكل لقمه من اديها بعد زمن". وصلنا البيت، وأول ما دخلت، جريت عليا حضنتني بحب الدنيا كله، وبقت تبكي في حضني من كتر الشوق واللهفة. وبعدين سلمت على مراتي وأهلها بحفاوة. كل حاجه كانت تمام لحد ما جه معاد الغداء. دخلت المطبخ وخرجت بصينية، وحطتها على السفرا قدامنا.. وهنا كانت الصدمة. بصيت لقيت طبق واحد محطوط، وفيه جبنة قديمة ناشفة ومشرطة، وجنبها عيش بايت وناشف! الكل بصل لبعضه في ذهول تام. حمايا وحماتي فتحوا عيونهم باستغراب، مراتي بصتلي كأنها بتسألني إيه ده حاولوا يمدوا ايدهم، بس الجبن القديمة كانت مالحة ومقدروش ياكلوها، سابوا اللقمة وسكتوا تماماً من باب الذوق، بس الكسفة كانت ماليّة الوشوش. أنا حسيت باهانه كبيره إزاي؟! أمي اللي ببعتلها كل شهر خمسين ألف جنيه.. أمي اللي المفروض تدبح لنا خروف.. تحط عيش بايت وجبنة قديمة لضيوفي الأجانب اللي جايين من آخر الدنيا عشان يشوفوها ويسلموا على اهلي؟! حسيت إن دمي بيغلي واتكسفت كسفة عمر ما حد اتكسفها. قعدت دقايق باصص للطبق وباصص لها بصدمة، وهي كانت موطية راسها بكسوف وساكتة خالص معرفتش تنطق بكلمة. بعد ساعتين، مراتي وأهلها حسوا بالجو المشحون وقالوا إنهم لازم يمشوا. نزلتهم وركبتهم العربية، وطلبت منهم يستنوني دقايق، وطلعت على الشقة والشرار طالع من عيني. دخلت عليها وقفلت الباب ورايا، وصوت عصبيتي ملا البيت: إيه اللي عملتيه ده؟! إيه الغداء ده؟! إزاي تكسفيني كده قدام مراتي وأهلها؟! قالتلي بصوت مكسور وبحرج شديد: الموجود يا ابني.. مكنش فيه نصيب.. زعقت فيها بصوت عالي وأنا فاقد أعصابي: الموجود إزاي؟! هو أنا مقصر معاكي في مليم؟! مش ببعتلك كل شهر خمسين ألف جنيه؟ إزاي الفلوس دي كلها متكفيكيش؟! ليه مقولتليش إنك محتاجة أكتر من كده؟! ليه ساكتة؟ بصتلي بتردد وقالت وصوتها بيتنفض: لا.. مش عايزه أكتر.. وبعدين.. أنا ست كبيرة، وعلى قد حالي، وده اللي قدرت أعمله..والمصاريف الذياده ملهاش لزمه الكلمتين دول خنقوني اكتر حسيت إنها قاعده على حرصها القديم اللي كنت بسميه بخل وطمع زعلت منها بغباء وقلت لها بقسوة: انتي قصدتي تكسفيني وبس! انتي حبك للبخل والفلوس عاميك لدرجة إنك تبهدلي ابنك الوحيد قدام نسايبه! أنا غلطان إني جيت مصر أساساً! قلت كلمتي وسبتها ونزلت، وهي فضلت تنادي عليا في الشارع: "يا ابني.. استنى يا ابني"، بس أنا مردتش ولا حتى التفت ورايا. ومن اللحظة دي، قطعت علاقتي بيها نهائياً. رفضت أكلمها، رفضت ارد على مكالماتها، بل وصل بيا الجحود لدرجة إني شلت الشريحة اللي كانت بكلمني عليها أصلاً عشان مسمعش صوتها وعشان اعاقبها! وانغمست في شغلي، ونسيتها، وعشت حياتي بره وسط النجاحات والفلوس، وكأنها مبقتش موجودة في دنيتي. لحد ما عدت سنة بحالها.. سنة كاملة بدون حتى كلمة سلام. وفي يوم، جالي اتصال مفاجئ من واحد صاحبي مكلمنيش من سنين، وبصوت حزين قال لي: البقاء لله يا علي.. أمك اتوفيت.. انزل عشان تلحق الجنازة. نزلت مصر بسىعه وقلبي بيتقطع، بس للأسف، لما وصلت كانت الدفنة خلصت وخلص كل حاجة. طلعت جري على المقابر، وقعدت عند قبرها وقولت بوجع: ليه يا أمي.. ليه عملتي بينا كل البعد ده.. عشان بخلك وحبك للفلوس؟! ليه حرمتيني منك ومن رضاكي؟! وأنا قاعد مهموم ، بقيت باصص للقبر ومش مصدق إنها راحت.. حسيت بحد بيقرب مني. رفعت عيني، لقيت راجل كبير في السن، أول مرة في حياتي أشوفه وقف قدامي، وبصلي نظرة غريبة وقال لي بهدوء :البقاء لله يا علي؟ وفي اللحظة دي، اكتشفت الحقيقة اللي كسرت ضهري للأبد.. عرفت امي عملت كده ليه وكانت بتودي الفلوس فين وياريتني مت قبل ما اعرف !!! ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي. عالم السطور 👉🏻 مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك ❤❤❤ زهرة_الربيع كنت ببعت لامي كل شهر 50 الف جنيه ، ولما قولتلها ان اهل مراتي جاين يسلموا عليها جابتلهم عيش بايت وجبنه قديمه ، من وقتها مكلمتهاش نص كلمه بس لما ماتت عرفت الحقيقه الي كسرت ضهري وعرفت بتودي كل الفلوس دي فين !!!! وقفت قدام الراجل الكبير وأنا مش قادر أرفع عيني من على قبر أمي. كان لابس جلابية رمادي، وفي إيده عصاية خشب قديمة، ووشه مليان تجاعيد، لكن أكتر حاجة شدتني كانت نظرة عينيه. نظرة واحد شايل كلام كتير، ومستني اللحظة اللي يطلعه فيها. قال لي بصوت هادي: ـ إنت علي ابن الحاجة روحية؟ بصيتله باستغراب وقلت: ـ أيوه، حضرتك تعرف أمي؟ هز راسه وقال: ـ أعرفها أكتر ما تتخيل يا ابني. وأعرف إنها ماتت وهي مستنياك تيجي، حتى لو عارفة إنك مش هتيجي. حسيت إن حد غرز سكينة في قلبي، بس كبريائي لسه كان مسيطر عليا، فقلت بحدة: ـ معلش يا حاج، أنا مش ناقص كلام. أمي ماتت وربنا يرحمها، وكل واحد راح لحاله. الراجل بص للقبر، وبعدها رجع بصلي وقال: ـ حتى وهي في قبرها لسه بتظلمها؟ اتنفضت مكاني وقلت: ـ أظلمها إزاي؟! أنا كنت ببعتلها خمسين ألف جنيه كل شهر! خمسين ألف يا حاج! وكنت فاكر إنها عايشة أحسن عيشة. لكن لما نزلت أنا ومراتي وأهلها، قدمتلنا عيش بايت وجبنة قديمة، وكسفتني قدام الناس. ومن يومها ما كلمتهاش. أول ما سمع كلامي، نزل راسه وسكت شوية، وبعدين قال: ـ طيب يا علي، إنت عمرك سألت أمك الفلوس دي كانت بتروح فين؟ قلتله باستهزاء: ـ كانت بتخبّيها طبعًا. دي طول عمرها بتحب الفلوس وبتخاف تصرف منها جنيه. حتى الأكل كانت بتستخسره على نفسها. الراجل رفع عينه ليا، وقال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي. ـ أمك يا علي ما كانتش بتستخسر الأكل على نفسها علشان تحوش الفلوس. أمك كانت بتشتري أكل على قدها، وتعيش على القليل، علشان في ناس تانية كانت بتموت من الجوع. فضلت باصصله وأنا مش فاهم. كمل كلامه: ـ بس دي مش كل الحكاية. إنت فاكر إن أمك كانت بتصرف الفلوس اللي بتبعتها كلها على نفسها أو بتحوشها في البنك؟ تعالى معايا، وأنا هوريك بنفسك الفلوس كانت بتروح فين. قمت من مكاني، ونفضت التراب عن هدومي، ومشيت وراه وأنا مش عارف أنا رايح على فين. ركبنا عربيته القديمة، وكانت واقفة على أول الشارع، وانطلق بين شوارع البلد لحد ما وصلنا لمنطقة شعبية بعيدة عن وسط المدينة. بيوت قديمة، وشوارع ضيقة، وأطفال بيلعبوا قدام الأبواب، وستات قاعدين على عتبات البيوت. العربية وقفت قدام بيت صغير بابه خشب قديم، والدهان واقع من عليه. الراجل نزل، وخبط على الباب. فتحت لنا ست في أواخر الثلاثينات، وأول ما شافت الراجل الكبير قالت: ـ يا عم عبد الرحيم، خير؟ حضرتك جاي بدري النهارده. عبد الرحيم بص ناحيتي وقال: ـ ده علي، ابن الحاجة روحية الله يرحمها. أول ما الست سمعت اسم أمي، حطت إيدها على بقها، وعينيها اتملت دموع. ـ إنت علي؟ ابن الحاجة روحية؟ هزيت راسي. قربت مني وقالت: ـ يا ابني، أمك دي كانت أم لينا كلنا. ربنا يرحمها ويغفرلها. الجملة ضايقتني، مش علشان وحشة، لكن علشان ما كنتش فاهمها. أمي كانت ست بسيطة، محدش يعرفها غير جيرانها، إزاي بقت أم للناس دي كلها؟ دخلنا البيت، لقيت بنت صغيرة قاعدة على كرسي، ورجلها متجبسة، وولد أصغر منها نايم على كنبة قديمة. الست جابت لنا كراسي، وقعدت قدامنا. قالت وهي بتبصلي: ـ أمك كانت بتجيلنا كل أسبوع تقريبًا. كانت بتجيب أكل للعيال، وتساعدني في مصاريف علاج بنتي. ولما كنت أرفض، كانت تقول لي: الفلوس دي مش بتاعتي، دي أمانة عندي. حسيت إن نفسي اتسحب مني. ـ أمانة إيه؟! عبد الرحيم رد بهدوء: ـ الفلوس اللي كنت بتبعتها لها. حسيت إن وداني بتزن، وقمت من مكاني بعصبية. ـ مستحيل! أمي كانت بتصرف فلوسي على ناس غريبة وتسيب نفسها؟! الست قامت وجابت علبة صفيح صغيرة من فوق دولاب قديم. فتحتها، وطلعت منها ورقة مطوية بعناية، شكلها قديم وممسوكة كتير. مدتهالي وقالت: ـ دي وصية الحاجة روحية لينا. قالت لو حصلها حاجة، واللي يسأل عنها ابنها، نسلمه الورقة دي بإيدينا. مسكت الورقة، وإيدي كانت بتترعش. فتحتها، ولقيت خط أمي اللي أعرفه من وأنا صغير. «يا علي يا حبيبي، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مش موجودة في الدنيا، ويمكن تكون زعلان مني، ويمكن تكون فاكر إني بخيلة أو إني ما عرفتش أفرح بيك. أنا عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك تعبت في شغلك علشان تريحني، وكنت كل ما تبعتلي الفلوس أقول لنفسي: ابني ربنا كرمه، ولازم أكون قد الأمانة اللي في إيدي. بس يا ابني، فيه حاجات كتير ما عرفتش أقولها لك في التليفون، وحاجات كنت بخاف أحكيها لك علشان ما تشيلش هم حد غير نفسك. أنا عايزاك تعرف الحقيقة من غير ما تزعل من حد، ولا تظلم حد زي ما أنا يمكن ظلمتك بسكوتي». وقفت القراءة. إزاي أمي كتبت الكلام ده؟ وإيه اللي كانت مخبياه عني؟ بصيت لعبد الرحيم وقلت: ـ فين باقي الحقيقة يا حاج؟ قال: ـ باقي الحقيقة في مكان لازم تشوفه بنفسك. خرجنا من البيت، وركبنا العربية تاني. طول الطريق كنت ساكت، وببص من الشباك، وكل شوية أفتكر أمي وهي واقفة على باب البيت يوم ما سبتها، بتنادي عليا وأنا نازل. «يا ابني.. استنى يا ابني». غمضت عيني بقوة، لكن صوتها ما سابنيش. بعد حوالي نص ساعة، العربية وقفت قدام مبنى قديم مكوّن من دورين، عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها: «دار الرحمة لرعاية الأطفال». نزلت وأنا مستغرب، وعبد الرحيم قال: ـ المكان ده كان بيت قديم، وأمك كانت بتجيله من سنين. ادخل يا علي. دخلت وراه، ولقيت ست كبيرة في السن قاعدة على مكتب صغير، بتراجع أوراق، وأول ما شافت عبد الرحيم قامت وسلمت عليه. قال لها: ـ أستاذة نادية، ده علي ابن الحاجة روحية. الست سابت الورق من إيديها، وبصتلي بحنان غريب. ـ يا ابني، أخيرًا جيت. الكلمة دي لوحدها خلت قلبي ينقبض. أخيرًا جيت؟ يعني الناس دي كلها كانت مستنياني؟ قعدت قدامها، فقالت: ـ أمك كانت بتساعد الدار دي من أكتر من عشر سنين. في الأول كانت بتجيب هدوم وأكل، وبعد ما إنت سافرت وبدأت تبعت لها الفلوس، كانت بتتكفل بمصاريف أطفال ما عندهمش حد يصرف عليهم. بصيتلها بذهول. ـ عشر سنين؟! أنا بقالي بره سنتين بس! هزت راسها وقالت: ـ قبل ما تسافر، كانت بتبيع حاجات من دهبها القديم، وتساعد على قد ما تقدر. وبعد سفرك، لما بقيت تبعتلها المبلغ الكبير، قالت لنا إن ربنا وسّع عليها من خلال ابنها، وإنها مش عايزة الفضل ده يقف عندها. سألتها بصوت مبحوح: ـ يعني هي كانت بتدي الخمسين ألف كلهم للدار؟ قالت: ـ مش كلهم. كانت بتقسمهم بين الدار وبين أسر فقيرة تعرفهم بنفسها. كانت بتحتفظ بجزء لمصاريفها وفواتير البيت، وجزء كانت بتحطه في حسابها علشان لو احتاجت علاج أو حصل لها ظرف. سكتت لحظة، وبعدين أضافت: ـ لكن آخر سنة، حصلت مشكلة كبيرة خلتها تتصرف بطريقة مختلفة. قربت منها وأنا حاسس إن قلبي بيدق بعنف. ـ مشكلة إيه؟ بصت لعبد الرحيم، وكأنها بتستأذنه إنها تكمل. هو هز راسه وقال: ـ لازم يعرف. فتحت درج مكتبها، وطلعت ملف بني قديم، حطته قدامي. ـ قبل وفاتها بشهور، أمك عرفت إن واحدة من الأسر اللي بتساعدها عندها طفل محتاج عملية كبيرة. الأب متوفي، والأم كانت بتشتغل باليومية، والطفل كان محتاج علاج مستمر ومتابعة ومصاريف كتير. أمك قررت إنها تتحمل كل اللي تقدر عليه. فتحت الملف، ولقيت إيصالات مستشفى وتحاليل وفواتير أدوية، كلها بأسماء مختلفة. لكن اسم واحد شدني. «يوسف محمود عبد الرحيم». بصيت لعبد الرحيم، لقيته منزل عينه في الأرض. سألته: ـ مين يوسف؟ اتنهد وقال: ـ حفيدي يا ابني. سكت لحظة، وبعدين كمل: ـ ابني مات من أربع سنين، وساب وراه ولد صغير. أمه اتجوزت وسافرت، والولد فضل معايا. أنا راجل على قد حالي، وكنت بحاول أعالجه من مرض في القلب، لكن المصاريف كانت أكبر مني. يوم ما أمك عرفت، ما اكتفتش إنها تساعدني في العلاج، دي فضلت ورايا لحد ما وافقت أروح بيه لمستشفى متخصص. بصيت للملف، ولقيت إيصالات بمبالغ كبيرة، بعضها باسمي بشكل غير مباشر، وبعضها مكتوب عليه اسم أمي. عبد الرحيم كمل: ـ أمك كانت بتقول لي: «عبد الرحيم، ده رزق ربنا بعته للولد. ما تحرمهوش من العلاج علشان كرامتك». ساعتها حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري. أمي كانت بتدي فلوسي لناس محتاجة، وبتخبي عني، وأنا كنت فاكر إنها بخيلة! لكن اللي جاي كان أقسى. نادية فتحت درج تاني، وطلعت ظرف أبيض، عليه اسمي بخط أمي. ـ ده كان معاها يوم ما دخلت المستشفى آخر مرة. كانت موصيانا ما نفتحوش إلا لما تيجي بنفسك. مسكت الظرف، وفتحته ببطء. جواه صورة قديمة ليا وأنا طفل، واقف جنب أمي قدام البيت القديم، وورقة مكتوب فيها: «يا علي، لو وصلت للمكان ده، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها، ودي يمكن أصعب حاجة عليا إني أقولها لك. أنا ما كنتش بصرف كل الفلوس على الناس وبس. كنت بحوش علشانك إنت كمان». وقفت عند الجملة دي. علشاني أنا؟! قلبت الورقة، ولقيت باقي الكلام. «من يوم ما سافرت، وأنا عارفة إنك نفسك تشتري بيت في مصر، بيت يكون ليك ولعيالك لما ترجع. وكنت كل ما تكلمني وتقول لي إنك هتنزل إجازة، أقول لنفسي: يا رب ألحق أفرحه قبل ما أموت. كنت بحوش جزء من الفلوس في حساب باسمي، وكنت ناوية أحطه باسمك لما ترجع. لكن لما عرفت إنك اتجوزت، فرحتلك وزعلت في نفس الوقت، لأن نفسي كنت أشوفك عريس قدام عيني، وأفرح بيك وأزغردلك. وبعدين لما قلت لي إنك جاي ومعاك مراتك وأهلها، فضلت أيام مش عارفة أنام من الفرحة. لكن قبلها بأسبوع، حصلت حاجة ما عرفتش أحكيهالك». حسيت إن إيدي اتجمدت. قريت السطر اللي بعده. «الفلوس اللي كنت بحوشها اتصرفت في حاجة ما كانش ينفع أسيبها». رفعت عيني وقلت: ـ إيه الحاجة دي؟! نادية قالت: ـ أمك كانت رافضة تحكي لحد، حتى لينا. لكن قبل وفاتها بكام يوم، طلبت مننا نساعدها نوصل لك الحقيقة. وبعدين قامت وخرجت من المكتب، ورجعت بعد دقائق ومعاها ست في أواخر الأربعينات، وشها شاحب وعينيها مليانة دموع. أول ما شافتني، قالت: ـ إنت علي؟ هزيت راسي. قربت مني، وقعدت على الكرسي اللي قدامي، وفضلت تبصلي كأنها بتحاول تتأكد من ملامحي. ـ أنا اسمي سعاد، وكنت ساكنة في الشقة اللي جنب أمك من سنين. قلت لها: ـ خير يا حاجة؟ مسحت دموعها وقالت: ـ أمك باعت دهبها، وصرفت من الفلوس اللي كانت محوشاها، علشان تنقذ ابني من السجن. اتسمرت مكاني. ـ إزاي؟! سعاد حطت إيديها على وشها وبدأت تعيط. ـ ابني كان شغال مع ناس في تجارة الأجهزة، وشريكه ورطه في ديون وأوراق ما كانش فاهم عواقبها. لما الشريك اختفى، ابني بقى مطلوب منه مبلغ كبير، ولو ما سدّدوش، كان هيدخل السجن. أنا ست أرملة، ما عنديش حد غيره، وروحت لأمك أستلف منها مبلغ صغير علشان أخلص له محامي. سكتت، وبعدها كملت: ـ أمك ما اكتفتش إنها تديني اللي طلبته. لما عرفت حجم المشكلة، باعت دهبها، وسحبت جزء من الفلوس اللي كانت محوشاها، وساعدتني أسدد الدين بعد ما المحامي راجع الأوراق واتأكد من المبلغ المطلوب. كانت بتقول لي: «ابنك غلطان لو غلط، بس ما ينفعش يضيع مستقبله كله قبل ما ياخد فرصة يصلح غلطه». حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. الفلوس اللي كنت فاكرها بتتراكم في حساب أمي، راحت لعلاج طفل، ومصاريف دار، وأسر فقيرة، وست أرملة وابنها. لكن ليه ما قالتليش؟ ليه خلتني أعيش سنة كاملة وأنا كارهها؟ بصيت لسعاد وسألتها: ـ طب ليه أمي ما طلبتش مني المساعدة؟ أنا كنت ممكن أبعثلها أكتر من خمسين ألف! سعاد هزت راسها وقالت: ـ كانت خايفة عليك يا ابني. كانت عارفة إنك بتتعب في شغلك، وإنك لسه بتبني حياتك في الغربة. وكانت كل ما حد يقول لها تحكي لك، ترد وتقول: «علي ابني، ومش عايزاه يشيل هموم الدنيا وهو بعيد. ربنا يكرمه ويعوضه». وبعدين بصتلي نظرة عمري ما هنساها. ـ يوم ما إنت جيت ومعاك مراتك وأهلها، أمك كانت فرحانة من قلبها. كانت مجهزة البيت من قبلها بأيام، وغسلت الستائر بنفسها، ونضفت كل ركن، وحتى جابت مفرش جديد للسفرة من فلوس كانت محوشاها. صرخت من غير ما أقصد: ـ أمال ليه قدمتلنا العيش البايت والجبنة القديمة؟! سعاد سكتت. نادية نزلت عينها. وعبد الرحيم تنهد، وقال: ـ دي بقى الحكاية اللي أمك كانت بتخاف تعرفك بيها. حسيت إني مش قادر أتنفس. عبد الرحيم قرب الكرسي وقال: ـ قبل زيارتك بيومين، أمك وقعت في البيت وهي بتنضف. راحت المستشفى، والدكتور طلب منها فحوصات وعلاج ومتابعة، وقال لها إنها محتاجة ترتاح، وإن فيه مصاريف لازم تتدبر. لكنها رفضت تروح لحد من جيرانها، ورفضت تكلمك، لأنها كانت عايزاك تيجي فرحان، مش شايل هم مرضها. قالت نادية: ـ كانت عندها فلوس قليلة في البيت، وكانت مستنية مبلغ من جمعية خيرية كانت بتساعدها في إدارة التبرعات، لكن المبلغ اتأخر. وفي نفس الوقت، كانت دفعت آخر اللي معاها علشان تكمل علاج يوسف. سألت وأنا مش مصدق: ـ يعني كانت محتاجة فلوس؟ عبد الرحيم رد: ـ كانت محتاجة فلوس للعلاج، ومحتاجة حد يقف جنبها، لكن أكتر حاجة كانت محتاجاها هي ابنها. نزلت على الكرسي كأن رجلي ما بقتش شايلاني. افتكرت يوم الغداء. افتكرت وش أمي وهي بتحط الصينية قدامنا، وراسها مكسورة من الكسوف. افتكرت إنها ما كانتش بتبص في عيني. وأنا، بدل ما أسألها إذا كانت تعبانة، اتهمتها بالبخل. بدل ما أقول لها: «مالك يا أمي؟ إنتِ كويسة؟»، قلت لها إني غلطان إني جيت مصر. مديت إيدي لوشي، وفضلت أعيط. لكن نادية لسه ما خلصتش كلامها. قالت: ـ يا علي، فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أمك ما كانتش عايزة تديك إحساس إن الفلوس اللي بتبعتها ليها ضاعت. كانت بتكتب كل حاجة في كراسة، كل جنيه دخل وكل جنيه خرج، علشان لو سألتها في يوم تعرف تقول لك الفلوس راحت فين. قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير في آخر المكتب، وطلعت كراسة بنية، أطرافها مهترئة. ناولتهالي. ـ دي كانت عندنا، لأنها طلبت مننا نحتفظ بيها أمانة. فتحت الكراسة، ولقيت صفحات كاملة مكتوبة بخط أمي. كل شهر كان مكتوب فيه المبلغ اللي وصلها مني، وتحته تقسيم واضح: مصاريف البيت، علاج، تبرعات، مساعدة فلان، دواء فلانة، مصاريف طفل. وفي آخر كل صفحة، كانت كاتبة جملة صغيرة: «ربنا يبارك في رزق علي، ويجعله سبب في فرحة قلب حد محتاج». فضلت أقلب الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة الشهر اللي نزلت فيه مصر. لقيت مكتوب: «المبلغ اللي وصل من علي: خمسين ألف جنيه. مصاريف البيت والعلاج: ... مساعدة دار الرحمة: ... علاج يوسف: ... مساعدة أم محمود في الإيجار: ... الباقي: تجهيز زيارة علي ومراته وأهلها». وتحتها، بخط أصغر: «نفسي أعمل لهم غدا حلو يليق بيهم، بس الفلوس اللي فضلت مش مكفية، والمبلغ اللي كنت مستنياه اتأخر. هتصرف بكرة إن شاء الله». قعدت أقرأ الجملة دي مرارًا. كانت أمي عايزة تكرم ضيوفي، لكن الظروف خذلتها. وأنا خذلتها أكتر. قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت سطرين مكتوبين بقلم مختلف، واضح إنهم اتكتبوا في وقت متأخر. «علي زعل مني. يمكن كان عنده حق، ويمكن أنا ما عرفتش أوضح له. مش هعاتبه، ده ابني وحبيبي. بس نفسي أعرف هو أكل كويس بعد ما مشي؟ نفسي أتصل بيه وأقوله إني ما قصدتش أزعله، لكن خايفة يرد عليا بكلمة توجعني، فأكتفي إني أدعيله». وقعت الكراسة من إيدي. صرخت باسمها. ـ يا أمي! صرخة خرجت من أعمق مكان في قلبي، لكنها ما لقتش حد يرد عليها. فضلت أبكي وأضرب على صدري، وعبد الرحيم واقف جنبي مش عارف يعمل إيه. بعد وقت طويل، نادية قالت: ـ أمك قبل ما تتوفى بيومين، طلبت مننا نجيب لها تليفونها. كانت عايزة تسمع صوتك، حتى لو ما رديتش عليها. رفعت راسي بسرعة. ـ تليفونها فين؟! قالت: ـ عندنا، مع حاجاتها. جابت التليفون القديم، وكان شاشته مكسورة، والغطاء بتاعه متآكل من كتر الاستخدام. مسكته بإيدي، وفتحته. لقيت سجل المكالمات مليان أرقام حاولت تتصل بيها، وأغلبها رقمي القديم. مكالمات فائتة. رسائل ما اتفتحتش. وكل مرة كانت بتحاول تتصل، كنت أنا في الناحية التانية من الدنيا، شايف اسمها، وبقفل التليفون من غير ما أسمع صوتها. دخلت على الرسائل، ولقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل وفاتها بأسبوع. إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل. طلع صوتها ضعيف، متعب، لكنه كان صوتها اللي أعرفه من يوم ما اتولدت. «ألو يا علي... يا حبيبي، لو سمعت الرسالة دي، ابقى طمني عليك. أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إني غلطت لما ما عرفتش أكرم ضيوفك زي ما كنت أتمنى. والله يا ابني ما كان قصدي أحرجك. أنا كنت مجهزة حاجات كتير، بس حصلت ظروف، وربنا يعلم إني كنت نفسي أشوفك مبسوط. يا علي، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة حاجة من الدنيا. أنا عايزة أسمع صوتك بس. حتى لو هتزعق لي، حتى لو هتقول لي إني غلطانة، أنا هسمعك وأقول لك حاضر. بس ما تطولش الزعل يا ابني. العمر مش مضمون، وأنا بقيت أتعب بسرعة. ربنا يحفظك ويحفظ مراتك، ويجعل أيامكم كلها خير. بحبك يا علي... بحبك قوي». انتهت الرسالة. لكن أنا فضلت ماسك التليفون على ودني، مستنيها تكمل، مستنيها تقول أي كلمة تانية. ما كنتش قادر أصدق إن آخر مرة سمعت فيها صوت أمي كانت من تسجيل قديم، وإن آخر مرة هي سمعت فيها صوتي كانت من سنة كاملة. أنا اللي حرمت نفسي منها. أنا اللي كنت أقدر أرفع التليفون وأسمعها في ثانية، لكن اخترت أعاقبها بالصمت. خرجت من الدار وأنا مش شايف قدامي. عبد الرحيم حاول يركبني معاه، لكني طلبت منه يوصلني لبيت أمي. لما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا، ودخلت. البيت كان هادي بطريقة تخوف. نفس الكنبة اللي كانت قاعدة عليها وهي بتكلمني. نفس الصورة اللي فيها أبويا واقف جنبها يوم فرحهم. نفس الكوباية اللي كانت بتحط فيها الشاي. بس هي ما كانتش موجودة. دخلت أوضتها، ولقيت سريرها متظبط، وعلى الكومود ورقة صغيرة، وتحتها مفتاح مربوط بخيط أحمر. مسكت الورقة، ولقيت مكتوب: «يا علي، لو رجعت البيت وملقتنيش، افتح الدرج اللي تحت الدولاب. فيه حاجة كنت مجهزاها لك من زمان». نزلت على ركبتي قدام الدولاب، وفتحت الدرج. كان فيه ملف كبير، ومجموعة إيصالات، ودفتر بنك، ومظروف عليه اسمي واسم مراتي. فتحت الملف الأول. كان فيه عقد شراء شقة صغيرة في مصر، في عمارة محترمة قريبة من البيت القديم، متسجلة باسم أمي، ومعاها أوراق بتوضح إنها كانت بتدفع أقساطها على مراحل. في آخر الملف، لقيت ورقة من مكتب محاماة، مكتوب فيها إن الشقة هتنتقل ليا بعد استكمال الإجراءات القانونية. بصيت للأوراق ودموعي بتنزل. أمي كانت بتحوش علشان تفرحني. كانت عايزة لما أرجع مصر، يبقى عندي مكان أرتاح فيه، وأقدر أقضي فيه إجازاتي معاها. لكنها ما لحقتش. فتحت دفتر البنك، واكتشفت إن فيه مبلغ متبقّي في حسابها، أقل بكتير من اللي كنت متخيله، لكنه كان مبلغ كبير بالنسبة لست عايشة ببساطة طول عمرها. وكان فيه مستندات تثبت إنها تبرعت بجزء من مدخراتها لعلاج أطفال، وساعدت أسر محتاجة، وسددت ديون ناس كانت مهددة إن بيوتها تتخرب. وفي آخر الملف، لقيت ظرف تاني. جواه خطاب بخط أمي، أطول من كل الرسائل اللي شفتها. «علي حبيبي، أنا مش عارفة إنت هتقرأ كلامي ده وإنت زعلان مني ولا بعد ما تسامحني، لكني عايزاك تعرف إني عمري ما حبيت الفلوس أكتر منك. أنا كنت بحب أشوفك ناجح، وكنت كل ما يوصلني منك مبلغ، أفرح وأحمد ربنا، وأقول إن تعبي ما راحش على الفاضي. لكن يا ابني، لما الواحد يكبر، بيكتشف إن الفلوس مهما كانت كتير، مش هتقدر تشتري له كل حاجة. فيه حاجات ما ينفعش تتشترى، زي ضحكة طفل كان فاكر إنه مش هيلاقي علاج، أو أم كانت خايفة ابنها ينام من غير عشا، أو راجل كبير كان عاجز عن شراء الدوا لحفيده. أنا ما كنتش ملاك، يا علي، وأنا مش بقول لك إني ما غلطتش. يمكن كان لازم أقول لك كل حاجة، ويمكن كان لازم أقبل مساعدتك بدل ما أحاول أتصرف لوحدي. بس كنت خايفة إنك تشيل هم الناس دي كلها، وكنت عايزاك تعيش حياتك وتفرح بمراتك وتنجح في شغلك. أما يوم ما جيت، فأنا عارفة إنك اتكسفت. وحقك تزعل لو كنت قصرت مع ضيوفك. لكن والله يا ابني، لو كنت أعرف إنك هتمشي وتسيبني سنة كاملة من غير ما أسمع صوتك، كنت رميت كل حاجة من إيدي، وقعدت جنبك، حتى لو ما كانش عندي غير كوباية شاي ولقمة عيش. كنت هقول لك اقعد يا ابني، إنت وحشتني. كنت هحكيلك إني بقيت بتعب، وإني ساعات بخاف أنام وما أصحاش، وإن البيت بقى واسع عليا من غيرك. لكن خلاص، اللي حصل حصل، وربنا وحده يعلم إني سامحتك قبل ما تسألني السماح. ولو فيه حاجة واحدة عايزاك تعملها بعدي، فهي إنك ما تحكمش على حد من لقمة أكل، ولا من هدوم قديمة، ولا من موقف واحد. اسأل، وافهم، وارحم. وإوعى يا علي تفتكر إنك لما تساعد حد، تبقى خسرت فلوسك. يمكن تكون خسرت مبلغ، لكنك كسبت دعوة من قلب مكسور. وأهم حاجة، يا حبيبي، ما تعيشش عمرك ندمان. أنا أمك، وكنت بحبك، وهفضل أحبك طول ما فيه دعوة طالعة من قلبي ليك. ربنا يرضى عنك، ويرزقك الذرية الصالحة، ويجعل بيتك مليان رحمة. أمك اللي بتحبك، روحية». ما قدرتش أكمل. ضميت الورقة لصدري، وفضلت أعيط لحد ما صوتي راح. كنت أتمنى لو أقدر أرجع يوم واحد بس، حتى لو دقيقة، وأقعد قدامها وأقول لها إني آسف. لكن الزمن ما بيرجعش، واللي بيروح من الدنيا ما بيرجعش مهما كانت فلوسنا أو مكانتنا. في اليوم التاني، روحت للمحامي اللي كان متابع أوراق أمي، وطلبت منه أعرف كل حاجة تخص حساباتها ومساعداتها. قعدنا ساعات طويلة نراجع الأوراق، واكتشفت إن أمي كانت منظمة كل شيء بدقة شديدة. كانت بتسجل أسماء الأسر اللي بتساعدها، ومواعيد العلاج، والمبالغ اللي بتصرفها، وحتى أرقام الناس اللي كانت بتسأل عليهم. وكان فيه ملف منفصل بعنوان: «أطفال محتاجين علاج». في الملف ده، لقيت اسم يوسف، حفيد عبد الرحيم، ومعاه أسماء أطفال تانيين، بعضهم اتعالج بالفعل، وبعضهم لسه محتاج مساعدة. المحامي قال لي: ـ والدتك كانت بتطلب مني أراجع بعض الأوراق من وقت للتاني، وكانت دايمًا تؤكد إن المساعدة تكون موثقة، علشان الفلوس توصل لمستحقيها. سألته: ـ وهي كانت بتعمل كل ده لوحدها؟ قال: ـ كانت بتشارك ناس موثوق فيهم، وبتروح بنفسها أحيانًا، لكن عمرها ما كانت بتحب حد يتكلم عنها. كانت بتقول إن الخير اللي صاحبه يستنى عليه تصفيق، مش بيبقى خير خالص. خرجت من عنده وأنا واخد قرار. مش هقدر أرجع أمي، لكن أقدر أحافظ على الحاجة اللي كانت بتحبها. كلمت مراتي، وحكيت لها كل شيء من البداية للنهاية. كنت خايف من رد فعلها، خصوصًا إنها كانت موجودة يوم الغداء، وشافت اللي حصل. لكنها فضلت ساكتة لحد ما خلصت. وبعدين قالت: ـ علي، أنا كنت مستغربة يومها، ومكنتش فاهمة ليه مامتك قدمت لنا الأكل ده. لكن عمري ما تخيلت إنك تقاطعها سنة كاملة علشان موقف واحد. نزلت عيني في الأرض. قالت بهدوء: ـ أنا مش بقول لك الكلام ده علشان ألومك، بس أمك كانت تستحق إنك تسألها. يمكن لو كنت سألتها يومها: «مالك يا أمي؟»، كانت الحكاية كلها اتغيرت. قلت لها بصوت مكسور: ـ عارف. وأنا كل يوم هفتكر الكلام ده. مدت إيدها ومسكت إيدي. ـ طيب، خلينا نعمل حاجة تفضل صدقة ليها. مش علشان تمسح اللي حصل، لأن مفيش حاجة هترجع الوقت، لكن علشان الخير اللي كانت بتعمله ما يقفش. في اللحظة دي، حسيت إن دي أول كلمة تريح قلبي من ساعة ما عرفت الحقيقة. تاني يوم، رحت دار الرحمة، وقابلت نادية وعبد الرحيم، وقلت لهم إني عايز أكمل مساعدة الأطفال والأسر اللي كانت أمي بتساعدهم. نادية بصتلي وقالت: ـ والدتك كانت بتتمنى إنك تعرف، لكن ما كانتش عايزاك تعمل ده من باب الذنب. كانت عايزاك تعمل الخير وإنت مقتنع بيه. قلت لها: ـ أنا مقتنع يا أستاذة نادية. أنا بس نفسي أحافظ على حاجة من ريحة أمي. بدأت أراجع الحالات واحدة واحدة، واتفقنا على نظام واضح للمساعدات، وفواتير العلاج، ومصاريف الأسر، علشان كل جنيه يروح لمكانه. وخصصت مبلغ ثابت كل شهر للدار، ومبلغ تاني لعلاج الأطفال، ومبلغ للطوارئ للأسر اللي ظروفها صعبة. لكن أكتر حاجة كنت حريص عليها، إني أروح بنفسي كل فترة، وأقعد مع الناس، وأسمع حكاياتهم، بدل ما أكتفي بتحويل الفلوس وأنا بعيد. وفي أول زيارة ليا بعد ما بدأنا النظام الجديد، لقيت يوسف قاعد في الحديقة الصغيرة قدام الدار، بيلعب بكورة قديمة. أول ما شافني، جري ناحيتي وقال: ـ إنت عمو علي؟ ابتسمت وأنا بنزل لمستواه. ـ أيوه يا حبيبي. قال ببراءة: ـ جدو عبد الرحيم قال لي إن جدتك كانت بتحبني، وإنها كانت بتدعيلي كل يوم. حسيت بغصة في حلقي. قلت له: ـ جدتك كانت بتحب كل الأطفال يا يوسف. بصلي وسألني: ـ هي هتيجي تزورنا تاني؟ ما عرفتش أرد عليه في الأول. وبعدين مسحت على راسه وقلت: ـ هي مش هتقدر تيجي بنفسها، يا حبيبي، لكن إحنا هنكمل الخير اللي كانت بتعمله، وكل ما تساعد حد، افتكر إن فيه ست طيبة كانت بتتمنى تشوفك مبسوط. الولد ابتسم ورجع يلعب، وأنا فضلت واقف أبصله. كان نفسي أروح لأمي وأقول لها إن الخير اللي زرعتيه لسه بيكبر، وإن ابنك أخيرًا فهم إنتِ كنتِ بتعملي إيه. بعدها بأيام، رجعت البيت القديم، وقررت ما أبيعهش أبدًا. رتبت أوضتها زي ما كانت، واحتفظت بصورتها وصورة أبويا على نفس الرف. أما الشقة اللي كانت بتحوش علشانها، فاحتفظت بيها زي ما هي، لكن خصصتها مكان أستقبل فيه الأسر اللي بتحتاج مساعدة مؤقتة، لحد ما نلاقي لهم حل مناسب، بمشاركة ناس موثوق فيهم. وكتبت على ورقة صغيرة وحطيتها في درج مكتبها: «هنا كانت تعيش روحية، أم علي، ست ما كانتش تملك قصور ولا ثروة، لكنها سابت في قلوب الناس أثر أكبر من أي ثروة». عدت شهور، وكل ما أنزل مصر، أزور قبرها، وأحكيلها عن الأطفال اللي اتعالجوا، وعن الأسر اللي قدرت تسدد إيجارها، وعن الناس اللي بقت تساعد غيرها بعدما وقفت على رجليها. كنت بقعد قدام قبرها بالساعات، وأتكلم كأنها سامعاني. أقول لها: ـ يا أمي، النهارده يوسف خلص مرحلة جديدة من العلاج. ـ يا أمي، فيه بنت صغيرة رجعت المدرسة بعد ما كانت هتسيبها علشان المصاريف. ـ يا أمي، الست اللي ساعدتيها زمان بقت بتشتغل، وبقت بتساعد جارتها اللي ظروفها صعبة. وكل مرة كنت بقول لها: ـ سامحيني يا أمي. كنت عارف إنها سامحتني قبل ما تموت، زي ما كتبت في رسالتها، لكن أنا كنت محتاج أتعلم أسامح نفسي، وده كان أصعب شيء. وفي يوم، بعد حوالي سنة من وفاتها، كنت قاعد في دار الرحمة، لما نادية دخلت عليا ومعاها شاب في أواخر العشرينات. قالت: ـ علي، ده محمود، ابن الحاجة سعاد اللي حكينا لك عنه. الشاب قرب مني وسلم عليا، وقال: ـ أنا كنت عايز أقابلك من زمان. أمي حكت لي كل اللي الحاجة روحية عملته علشاني. أنا اتعلمت من اللي حصل، واشتغلت، وبقيت واقف على رجلي، والنهارده جاي أطلب منك تسمحلي أساعد في الدار. ابتسمت، ومديت إيدي وصافحته. ـ أهلا بيك يا محمود. أكتر حاجة كانت هتفرح أمي إن الخير اللي وصل لك يوصل لغيرك. قعدنا نتكلم، وعرفت إنه بقى شغال في شركة أجهزة، وإنه بيخصص جزء من دخله لمساعدة الحالات اللي محتاجة. قبل ما يمشي، قال لي: ـ تعرف يا أستاذ علي؟ أمك كانت بتقول لي دايمًا إن الإنسان ممكن يغلط، لكن المهم ما يفضلش أسير غلطه طول عمره. الكلام دخل قلبي، لأن دي كانت نفس الفكرة اللي حاولت أتعلمها من رسالتها. ومن يومها، فهمت إن الحفاظ على ذكرى أمي مش معناه إني أفضل أعذب نفسي طول عمري، لكن معناه إني أعيش بطريقة تخلي الخير اللي عملته يكمل. ومع ذلك، كان فيه شيء واحد عمره ما فارقني. آخر جملة قالتها لي أمي في المكالمة اللي قطعتها عنها قبل وفاتها بسنة، كانت: «يا ابني، أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تفضل بخير». وأنا، بدل ما أطمّنها، سبتها تستنى. علشان كده، بقيت كل ما أشوف حد زعلان من أمه أو أبوه، أحاول أقول له من غير ما أتدخل في حياته: لو زعلان من حد بتحبه، اسأل قبل ما تحكم. ولو تقدر تصلح، ما تستناش لبكرة. ساعات كلمة واحدة بتتأخر، وتفضل طول العمر تتمنى لو كنت قلتها. وفي آخر كل شهر، أول ما يوصل موعد التحويل اللي كنت ببعت فيه الخمسين ألف جنيه لأمي، بخصص المبلغ اللي أقدر عليه لمساعدة الناس باسمها. وبكتب في سجل التحويل: «صدقة عن روح أمي، روحية». وبعدها بروح أزورها، وأقعد جنب قبرها، وأقول لها: «الفلوس اللي كنتِ بتخافي تصرفيها على نفسك، بقيت أنا بصرف جزء منها على الناس اللي كنتِ بتحبيهم. والبيت اللي كنتِ بتحلمي أشوفه، بقي مكان للخير. بس يا أمي، فيه حاجة واحدة لسه مش عارف أعملها... مش عارف إزاي أرجع أسمع صوتك مرة واحدة بس، وأقول لك إني بحبك، وإني آسف، وإني لو رجع بيا الزمن، كنت هسيب الدنيا كلها وأقعد جنبك، حتى لو ما كانش على السفرة غير عيش بايت وجبنة قديمة». وسكت. لأن مهما كانت الدنيا واسعة، ومهما كانت الفلوس كتير، فيه باب واحد لما بيتقفل بالموت، ما بيقدرش يفتحه ندم ولا ثروة ولا نجاح. باب حضن الأم. ويا ريتني كنت فهمت ده قبل ما أمي تمشي.