
«علي حبيبي،
أنا مش عارفة إنت هتقرأ كلامي ده وإنت زعلان مني ولا بعد ما تسامحني، لكني عايزاك تعرف إني عمري ما حبيت الفلوس أكتر منك.
أنا كنت بحب أشوفك ناجح، وكنت كل ما يوصلني منك مبلغ، أفرح وأحمد ربنا، وأقول إن تعبي ما راحش على الفاضي.
لكن يا ابني، لما الواحد يكبر، بيكتشف إن الفلوس مهما كانت كتير، مش هتقدر تشتري له كل حاجة. فيه حاجات ما ينفعش تتشترى، زي ضحكة طفل كان فاكر إنه مش هيلاقي علاج، أو أم كانت خايفة ابنها ينام من غير عشا، أو راجل كبير كان عاجز عن شراء الدوا لحفيده.
أنا ما كنتش ملاك، يا علي، وأنا مش بقول لك إني ما غلطتش. يمكن كان لازم أقول لك كل حاجة، ويمكن كان لازم أقبل مساعدتك بدل ما أحاول أتصرف لوحدي.
بس كنت خايفة إنك تشيل هم الناس دي كلها، وكنت عايزاك تعيش حياتك وتفرح بمراتك وتنجح في شغلك.
أما يوم ما جيت، فأنا عارفة إنك اتكسفت. وحقك تزعل لو كنت قصرت مع ضيوفك. لكن والله يا ابني، لو كنت أعرف إنك هتمشي وتسيبني سنة كاملة من غير ما أسمع صوتك، كنت رميت كل حاجة من إيدي، وقعدت جنبك، حتى لو ما كانش عندي غير كوباية شاي ولقمة عيش.
كنت هقول لك اقعد يا ابني، إنت وحشتني.
كنت هحكيلك إني بقيت بتعب، وإني ساعات بخاف أنام وما أصحاش، وإن البيت بقى واسع عليا من غيرك.
لكن خلاص، اللي حصل حصل، وربنا وحده يعلم إني سامحتك قبل ما تسألني السماح.
ولو فيه حاجة واحدة عايزاك تعملها بعدي، فهي إنك ما تحكمش على حد من لقمة أكل، ولا من هدوم قديمة، ولا من موقف واحد.
اسأل، وافهم، وارحم.
وإوعى يا علي تفتكر إنك لما تساعد حد، تبقى خسرت فلوسك. يمكن تكون خسرت مبلغ، لكنك كسبت دعوة من قلب مكسور.
وأهم حاجة، يا حبيبي، ما تعيشش عمرك ندمان. أنا أمك، وكنت بحبك، وهفضل أحبك طول ما فيه دعوة طالعة من قلبي ليك.
ربنا يرضى عنك، ويرزقك الذرية الصالحة، ويجعل بيتك مليان رحمة.
أمك اللي بتحبك، روحية».
ما قدرتش أكمل.
ضميت الورقة لصدري، وفضلت أعيط لحد ما صوتي راح.
كنت أتمنى لو أقدر أرجع يوم واحد بس، حتى لو دقيقة، وأقعد قدامها وأقول لها إني آسف.
لكن الزمن ما بيرجعش، واللي بيروح من الدنيا ما بيرجعش مهما كانت فلوسنا أو مكانتنا.
في اليوم التاني، روحت للمحامي اللي كان متابع أوراق أمي، وطلبت منه أعرف كل حاجة تخص حساباتها ومساعداتها.
قعدنا ساعات طويلة نراجع الأوراق، واكتشفت إن أمي كانت منظمة كل شيء بدقة شديدة. كانت بتسجل أسماء الأسر اللي بتساعدها، ومواعيد العلاج، والمبالغ اللي بتصرفها، وحتى أرقام الناس اللي كانت بتسأل عليهم.
وكان فيه ملف منفصل بعنوان: «أطفال محتاجين علاج».
في الملف ده، لقيت اسم يوسف، حفيد عبد الرحيم، ومعاه أسماء أطفال تانيين، بعضهم اتعالج بالفعل، وبعضهم لسه محتاج مساعدة.
المحامي قال لي: ـ والدتك كانت بتطلب مني أراجع بعض الأوراق من وقت للتاني، وكانت دايمًا تؤكد إن المساعدة تكون موثقة، علشان الفلوس توصل لمستحقيها.
سألته: ـ وهي كانت بتعمل كل ده لوحدها؟
قال: ـ كانت بتشارك ناس موثوق فيهم، وبتروح بنفسها أحيانًا، لكن عمرها ما كانت بتحب حد يتكلم عنها. كانت بتقول إن الخير اللي صاحبه يستنى عليه تصفيق، مش بيبقى خير خالص.
خرجت من عنده وأنا واخد قرار.
مش هقدر أرجع أمي، لكن أقدر أحافظ على الحاجة اللي كانت بتحبها.
كلمت مراتي، وحكيت لها كل شيء من البداية للنهاية. كنت خايف من رد فعلها، خصوصًا إنها كانت موجودة يوم الغداء، وشافت اللي حصل.
لكنها فضلت ساكتة لحد ما خلصت.
وبعدين قالت: ـ علي، أنا كنت مستغربة يومها، ومكنتش فاهمة ليه مامتك قدمت لنا الأكل ده. لكن عمري ما تخيلت إنك تقاطعها سنة كاملة علشان موقف واحد.
نزلت عيني في الأرض.
قالت بهدوء: ـ أنا مش بقول لك الكلام ده علشان ألومك، بس أمك كانت تستحق إنك تسألها. يمكن لو كنت سألتها يومها: «مالك يا أمي؟»، كانت الحكاية كلها اتغيرت.
قلت لها بصوت مكسور: ـ عارف. وأنا كل يوم هفتكر الكلام ده.
مدت إيدها ومسكت إيدي.
ـ طيب، خلينا نعمل حاجة تفضل صدقة ليها. مش علشان تمسح اللي حصل، لأن مفيش حاجة هترجع الوقت، لكن علشان الخير اللي كانت بتعمله ما يقفش.
في اللحظة دي، حسيت إن دي أول كلمة تريح قلبي من ساعة ما عرفت الحقيقة.
تاني يوم، رحت دار الرحمة، وقابلت نادية وعبد الرحيم، وقلت لهم إني عايز أكمل مساعدة الأطفال والأسر اللي كانت أمي بتساعدهم.
نادية بصتلي وقالت: ـ والدتك كانت بتتمنى إنك تعرف، لكن ما كانتش عايزاك تعمل ده من باب الذنب. كانت عايزاك تعمل الخير وإنت مقتنع بيه.
قلت لها: ـ أنا مقتنع يا أستاذة نادية. أنا بس نفسي أحافظ على حاجة من ريحة أمي.
بدأت أراجع الحالات واحدة واحدة، واتفقنا على نظام واضح للمساعدات، وفواتير العلاج، ومصاريف الأسر، علشان كل جنيه يروح لمكانه.
وخصصت مبلغ ثابت كل شهر للدار، ومبلغ تاني لعلاج الأطفال، ومبلغ للطوارئ للأسر اللي ظروفها صعبة.
لكن أكتر حاجة كنت حريص عليها، إني أروح بنفسي كل فترة، وأقعد مع الناس، وأسمع حكاياتهم، بدل ما أكتفي بتحويل الفلوس وأنا بعيد.
وفي أول زيارة ليا بعد ما بدأنا النظام الجديد، لقيت يوسف قاعد في الحديقة الصغيرة قدام الدار، بيلعب بكورة قديمة.
أول ما شافني، جري ناحيتي وقال: ـ إنت عمو علي؟
ابتسمت وأنا بنزل لمستواه.
ـ أيوه يا حبيبي.
قال ببراءة: ـ جدو عبد الرحيم قال لي إن جدتك كانت بتحبني، وإنها كانت بتدعيلي كل يوم.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت له: ـ جدتك كانت بتحب كل الأطفال يا يوسف.
بصلي وسألني: ـ هي هتيجي تزورنا تاني؟
ما عرفتش أرد عليه في الأول.
وبعدين مسحت على راسه وقلت: ـ هي مش هتقدر تيجي بنفسها، يا حبيبي، لكن إحنا هنكمل الخير اللي كانت بتعمله، وكل ما تساعد حد، افتكر إن فيه ست طيبة كانت بتتمنى تشوفك مبسوط.
الولد ابتسم ورجع يلعب، وأنا فضلت واقف أبصله.
كان نفسي أروح لأمي وأقول لها إن الخير اللي زرعتيه لسه بيكبر، وإن ابنك أخيرًا فهم إنتِ كنتِ بتعملي إيه.
بعدها بأيام، رجعت البيت القديم، وقررت ما أبيعهش أبدًا. رتبت أوضتها زي ما كانت، واحتفظت بصورتها وصورة أبويا على نفس الرف.
أما الشقة اللي كانت بتحوش علشانها، فاحتفظت بيها زي ما هي، لكن خصصتها مكان أستقبل فيه الأسر اللي بتحتاج مساعدة مؤقتة، لحد ما نلاقي لهم حل مناسب، بمشاركة ناس موثوق فيهم.
وكتبت على ورقة صغيرة وحطيتها في درج مكتبها:
«هنا كانت تعيش روحية، أم علي، ست ما كانتش تملك قصور ولا ثروة، لكنها سابت في قلوب الناس أثر أكبر من أي ثروة».
عدت شهور، وكل ما أنزل مصر، أزور قبرها، وأحكيلها عن الأطفال اللي اتعالجوا، وعن الأسر اللي قدرت تسدد إيجارها، وعن الناس اللي بقت تساعد غيرها بعدما وقفت على رجليها.
كنت بقعد قدام قبرها بالساعات، وأتكلم كأنها سامعاني.
أقول لها: ـ يا أمي، النهارده يوسف خلص مرحلة جديدة من العلاج. ـ يا أمي، فيه بنت صغيرة رجعت المدرسة بعد ما كانت هتسيبها علشان المصاريف. ـ يا أمي، الست اللي ساعدتيها زمان بقت بتشتغل، وبقت بتساعد جارتها اللي ظروفها صعبة.
وكل مرة كنت بقول لها: ـ سامحيني يا أمي.
كنت عارف إنها سامحتني قبل ما تموت، زي ما كتبت في رسالتها، لكن أنا كنت محتاج أتعلم أسامح نفسي، وده كان أصعب شيء.
وفي يوم، بعد حوالي سنة من وفاتها، كنت قاعد في دار الرحمة، لما نادية دخلت عليا ومعاها شاب في أواخر العشرينات.
قالت: ـ علي، ده محمود، ابن الحاجة سعاد اللي حكينا لك عنه.
الشاب قرب مني وسلم عليا، وقال: ـ أنا كنت عايز أقابلك من زمان. أمي حكت لي كل اللي الحاجة روحية عملته علشاني. أنا اتعلمت من اللي حصل، واشتغلت، وبقيت واقف على رجلي، والنهارده جاي أطلب منك تسمحلي أساعد في الدار.
ابتسمت، ومديت إيدي وصافحته.
ـ أهلا بيك يا محمود. أكتر حاجة كانت هتفرح أمي إن الخير اللي وصل لك يوصل لغيرك.
قعدنا نتكلم، وعرفت إنه بقى شغال في شركة أجهزة، وإنه بيخصص جزء من دخله لمساعدة الحالات اللي محتاجة.
قبل ما يمشي، قال لي: ـ تعرف يا أستاذ علي؟ أمك كانت بتقول لي دايمًا إن الإنسان ممكن يغلط، لكن المهم ما يفضلش أسير غلطه طول عمره.
الكلام دخل قلبي، لأن دي كانت نفس الفكرة اللي حاولت أتعلمها من رسالتها.
ومن يومها، فهمت إن الحفاظ على ذكرى أمي مش معناه إني أفضل أعذب نفسي طول عمري، لكن معناه إني أعيش بطريقة تخلي الخير اللي عملته يكمل.
ومع ذلك، كان فيه شيء واحد عمره ما فارقني.
آخر جملة قالتها لي أمي في المكالمة اللي قطعتها عنها قبل وفاتها بسنة، كانت:
«يا ابني، أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تفضل بخير».
وأنا، بدل ما أطمّنها، سبتها تستنى.
علشان كده، بقيت كل ما أشوف حد زعلان من أمه أو أبوه، أحاول أقول له من غير ما أتدخل في حياته:
لو زعلان من حد بتحبه، اسأل قبل ما تحكم. ولو تقدر تصلح، ما تستناش لبكرة. ساعات كلمة واحدة بتتأخر، وتفضل طول العمر تتمنى لو كنت قلتها.
وفي آخر كل شهر، أول ما يوصل موعد التحويل اللي كنت ببعت فيه الخمسين ألف جنيه لأمي، بخصص المبلغ اللي أقدر عليه لمساعدة الناس باسمها.
وبكتب في سجل التحويل:
«صدقة عن روح أمي، روحية».
وبعدها بروح أزورها، وأقعد جنب قبرها، وأقول لها:
«الفلوس اللي كنتِ بتخافي تصرفيها على نفسك، بقيت أنا بصرف جزء منها على الناس اللي كنتِ بتحبيهم.
والبيت اللي كنتِ بتحلمي أشوفه، بقي مكان للخير.
بس يا أمي، فيه حاجة واحدة لسه مش عارف أعملها…
مش عارف إزاي أرجع أسمع صوتك مرة واحدة بس، وأقول لك إني بحبك، وإني آسف، وإني لو رجع بيا الزمن، كنت هسيب الدنيا كلها وأقعد جنبك، حتى لو ما كانش على السفرة غير عيش بايت وجبنة قديمة».




