
حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
الفلوس اللي كنت فاكرها بتتراكم في حساب أمي، راحت لعلاج طفل، ومصاريف دار، وأسر فقيرة، وست أرملة وابنها.
لكن ليه ما قالتليش؟
ليه خلتني أعيش سنة كاملة وأنا كارهها؟
بصيت لسعاد وسألتها: ـ طب ليه أمي ما طلبتش مني المساعدة؟ أنا كنت ممكن أبعثلها أكتر من خمسين ألف!
سعاد هزت راسها وقالت: ـ كانت خايفة عليك يا ابني. كانت عارفة إنك بتتعب في شغلك، وإنك لسه بتبني حياتك في الغربة. وكانت كل ما حد يقول لها تحكي لك، ترد وتقول: «علي ابني، ومش عايزاه يشيل هموم الدنيا وهو بعيد. ربنا يكرمه ويعوضه».
وبعدين بصتلي نظرة عمري ما هنساها.
ـ يوم ما إنت جيت ومعاك مراتك وأهلها، أمك كانت فرحانة من قلبها. كانت مجهزة البيت من قبلها بأيام، وغسلت الستائر بنفسها، ونضفت كل ركن، وحتى جابت مفرش جديد للسفرة من فلوس كانت محوشاها.
صرخت من غير ما أقصد: ـ أمال ليه قدمتلنا العيش البايت والجبنة القديمة؟!
سعاد سكتت.
نادية نزلت عينها.
وعبد الرحيم تنهد، وقال: ـ دي بقى الحكاية اللي أمك كانت بتخاف تعرفك بيها.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
عبد الرحيم قرب الكرسي وقال: ـ قبل زيارتك بيومين، أمك وقعت في البيت وهي بتنضف. راحت المستشفى، والدكتور طلب منها فحوصات وعلاج ومتابعة، وقال لها إنها محتاجة ترتاح، وإن فيه مصاريف لازم تتدبر. لكنها رفضت تروح لحد من جيرانها، ورفضت تكلمك، لأنها كانت عايزاك تيجي فرحان، مش شايل هم مرضها.
قالت نادية: ـ كانت عندها فلوس قليلة في البيت، وكانت مستنية مبلغ من جمعية خيرية كانت بتساعدها في إدارة التبرعات، لكن المبلغ اتأخر. وفي نفس الوقت، كانت دفعت آخر اللي معاها علشان تكمل علاج يوسف.
سألت وأنا مش مصدق: ـ يعني كانت محتاجة فلوس؟
عبد الرحيم رد: ـ كانت محتاجة فلوس للعلاج، ومحتاجة حد يقف جنبها، لكن أكتر حاجة كانت محتاجاها هي ابنها.
نزلت على الكرسي كأن رجلي ما بقتش شايلاني.
افتكرت يوم الغداء.
افتكرت وش أمي وهي بتحط الصينية قدامنا، وراسها مكسورة من الكسوف.
افتكرت إنها ما كانتش بتبص في عيني.
وأنا، بدل ما أسألها إذا كانت تعبانة، اتهمتها بالبخل.
بدل ما أقول لها: «مالك يا أمي؟ إنتِ كويسة؟»، قلت لها إني غلطان إني جيت مصر.
مديت إيدي لوشي، وفضلت أعيط.
لكن نادية لسه ما خلصتش كلامها.
قالت: ـ يا علي، فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أمك ما كانتش عايزة تديك إحساس إن الفلوس اللي بتبعتها ليها ضاعت. كانت بتكتب كل حاجة في كراسة، كل جنيه دخل وكل جنيه خرج، علشان لو سألتها في يوم تعرف تقول لك الفلوس راحت فين.
قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير في آخر المكتب، وطلعت كراسة بنية، أطرافها مهترئة.
ناولتهالي.
ـ دي كانت عندنا، لأنها طلبت مننا نحتفظ بيها أمانة.
فتحت الكراسة، ولقيت صفحات كاملة مكتوبة بخط أمي.
كل شهر كان مكتوب فيه المبلغ اللي وصلها مني، وتحته تقسيم واضح: مصاريف البيت، علاج، تبرعات، مساعدة فلان، دواء فلانة، مصاريف طفل.
وفي آخر كل صفحة، كانت كاتبة جملة صغيرة:
«ربنا يبارك في رزق علي، ويجعله سبب في فرحة قلب حد محتاج».
فضلت أقلب الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة الشهر اللي نزلت فيه مصر.
لقيت مكتوب:
«المبلغ اللي وصل من علي: خمسين ألف جنيه.
مصاريف البيت والعلاج: …
مساعدة دار الرحمة: …
علاج يوسف: …
مساعدة أم محمود في الإيجار: …
الباقي: تجهيز زيارة علي ومراته وأهلها».
وتحتها، بخط أصغر:
«نفسي أعمل لهم غدا حلو يليق بيهم، بس الفلوس اللي فضلت مش مكفية، والمبلغ اللي كنت مستنياه اتأخر. هتصرف بكرة إن شاء الله».
قعدت أقرأ الجملة دي مرارًا.
كانت أمي عايزة تكرم ضيوفي، لكن الظروف خذلتها.
وأنا خذلتها أكتر.
قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت سطرين مكتوبين بقلم مختلف، واضح إنهم اتكتبوا في وقت متأخر.
«علي زعل مني. يمكن كان عنده حق، ويمكن أنا ما عرفتش أوضح له. مش هعاتبه، ده ابني وحبيبي. بس نفسي أعرف هو أكل كويس بعد ما مشي؟ نفسي أتصل بيه وأقوله إني ما قصدتش أزعله، لكن خايفة يرد عليا بكلمة توجعني، فأكتفي إني أدعيله».
وقعت الكراسة من إيدي.
صرخت باسمها.
ـ يا أمي!
صرخة خرجت من أعمق مكان في قلبي، لكنها ما لقتش حد يرد عليها.
فضلت أبكي وأضرب على صدري، وعبد الرحيم واقف جنبي مش عارف يعمل إيه.
بعد وقت طويل، نادية قالت: ـ أمك قبل ما تتوفى بيومين، طلبت مننا نجيب لها تليفونها. كانت عايزة تسمع صوتك، حتى لو ما رديتش عليها.
رفعت راسي بسرعة.
ـ تليفونها فين؟!
قالت: ـ عندنا، مع حاجاتها.
جابت التليفون القديم، وكان شاشته مكسورة، والغطاء بتاعه متآكل من كتر الاستخدام.
مسكته بإيدي، وفتحته.
لقيت سجل المكالمات مليان أرقام حاولت تتصل بيها، وأغلبها رقمي القديم.
مكالمات فائتة.
رسائل ما اتفتحتش.
وكل مرة كانت بتحاول تتصل، كنت أنا في الناحية التانية من الدنيا، شايف اسمها، وبقفل التليفون من غير ما أسمع صوتها.
دخلت على الرسائل، ولقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل وفاتها بأسبوع.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل.
طلع صوتها ضعيف، متعب، لكنه كان صوتها اللي أعرفه من يوم ما اتولدت.
«ألو يا علي… يا حبيبي، لو سمعت الرسالة دي، ابقى طمني عليك. أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إني غلطت لما ما عرفتش أكرم ضيوفك زي ما كنت أتمنى. والله يا ابني ما كان قصدي أحرجك.
أنا كنت مجهزة حاجات كتير، بس حصلت ظروف، وربنا يعلم إني كنت نفسي أشوفك مبسوط.
يا علي، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة حاجة من الدنيا. أنا عايزة أسمع صوتك بس. حتى لو هتزعق لي، حتى لو هتقول لي إني غلطانة، أنا هسمعك وأقول لك حاضر.
بس ما تطولش الزعل يا ابني. العمر مش مضمون، وأنا بقيت أتعب بسرعة.
ربنا يحفظك ويحفظ مراتك، ويجعل أيامكم كلها خير.
بحبك يا علي… بحبك قوي».
انتهت الرسالة.
لكن أنا فضلت ماسك التليفون على ودني، مستنيها تكمل، مستنيها تقول أي كلمة تانية.
ما كنتش قادر أصدق إن آخر مرة سمعت فيها صوت أمي كانت من تسجيل قديم، وإن آخر مرة هي سمعت فيها صوتي كانت من سنة كاملة.
أنا اللي حرمت نفسي منها.
أنا اللي كنت أقدر أرفع التليفون وأسمعها في ثانية، لكن اخترت أعاقبها بالصمت.
خرجت من الدار وأنا مش شايف قدامي. عبد الرحيم حاول يركبني معاه، لكني طلبت منه يوصلني لبيت أمي.
لما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا، ودخلت.
البيت كان هادي بطريقة تخوف.
نفس الكنبة اللي كانت قاعدة عليها وهي بتكلمني.
نفس الصورة اللي فيها أبويا واقف جنبها يوم فرحهم.
نفس الكوباية اللي كانت بتحط فيها الشاي.
بس هي ما كانتش موجودة.
دخلت أوضتها، ولقيت سريرها متظبط، وعلى الكومود ورقة صغيرة، وتحتها مفتاح مربوط بخيط أحمر.
مسكت الورقة، ولقيت مكتوب:
«يا علي، لو رجعت البيت وملقتنيش، افتح الدرج اللي تحت الدولاب. فيه حاجة كنت مجهزاها لك من زمان».
نزلت على ركبتي قدام الدولاب، وفتحت الدرج.
كان فيه ملف كبير، ومجموعة إيصالات، ودفتر بنك، ومظروف عليه اسمي واسم مراتي.
فتحت الملف الأول.
كان فيه عقد شراء شقة صغيرة في مصر، في عمارة محترمة قريبة من البيت القديم، متسجلة باسم أمي، ومعاها أوراق بتوضح إنها كانت بتدفع أقساطها على مراحل.
في آخر الملف، لقيت ورقة من مكتب محاماة، مكتوب فيها إن الشقة هتنتقل ليا بعد استكمال الإجراءات القانونية.
بصيت للأوراق ودموعي بتنزل.
أمي كانت بتحوش علشان تفرحني.
كانت عايزة لما أرجع مصر، يبقى عندي مكان أرتاح فيه، وأقدر أقضي فيه إجازاتي معاها.
لكنها ما لحقتش.
فتحت دفتر البنك، واكتشفت إن فيه مبلغ متبقّي في حسابها، أقل بكتير من اللي كنت متخيله، لكنه كان مبلغ كبير بالنسبة لست عايشة ببساطة طول عمرها.
وكان فيه مستندات تثبت إنها تبرعت بجزء من مدخراتها لعلاج أطفال، وساعدت أسر محتاجة، وسددت ديون ناس كانت مهددة إن بيوتها تتخرب.
وفي آخر الملف، لقيت ظرف تاني.
جواه خطاب بخط أمي، أطول من كل الرسائل اللي شفتها.



