
— عايز ماما.
— ماما مش هنا يا حبيبي، تعالى اقعد معايا.
مدت إيدها تمسك إيده، لكنه رجع لورا بسرعة، وخبط ضهره في الحيطة.
وقتها لاحظت حاجة غريبة جدًا.
هبة ما حاولتش تقرب منه تاني، بالعكس، بصت حواليها كأنها بتتأكد إن مفيش حد شايفها، وبعدها دخلت أوضتها وقفلت الباب.
أنا كنت بتابع المشهد وأنا بقول لنفسي إن البنت دي أكيد مخبية حاجة.
لكن بعد حوالي عشر دقايق، الباب اتفتح، وخرجت هبة وهي شايلة شنطة صغيرة، ومشت ناحية باب الشقة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت لنفسي: أهي هتخرج، وأول ما تخرج هنعرف مين اللي هيقابلها.
لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتي.
هبة فتحت الباب، وبصت في الطرقة، وبعدها رجعت قفلت الباب من غير ما تخرج.
راحت عند طارق، وقعدت على ركبتيها قدامه، وقالت له:
— طارق، فاكر اللي اتفقنا عليه؟
طارق هز راسه.
قالت له:
— لو الشخص ده جه، هتعمل إيه؟
طارق بص لها بخوف، ورد:
— هنده لماما.
هبة مسكت إيده وقالت له بجدية:
— لأ، المرة دي لازم تسمعني. لازم نعرف الحقيقة، وعشان نعرفها، لازم تكون شجاع.
أنا هنا حسيت إن قلبي وقف.
إيه الحقيقة اللي هبة بتتكلم عنها؟ ومين الشخص اللي مستنياه؟
وفجأة، جرس الباب رن.
طارق نط من مكانه، وراح جري ناحية الباب، لكن هبة سبقته ووقفت قدامه.
سمعتها بتقول:
— استنى هنا يا طارق، أنا اللي هفتح.
فتحت الباب، ودخل راجل في أواخر الأربعينات، طويل، لابس قميص أزرق وبنطلون غامق، وشايل ملف بني كبير تحت دراعه.
أول ما الراجل دخل، هبة قفلت الباب وراه، وبصت له بقلق.
قال لها:
— عملتي اللي اتفقنا عليه؟
ردت:
— أيوه، بس الموضوع أصعب مما كنت متخيلة.
الراجل بص ناحية طارق، اللي كان واقف في نص الصالة، وبعدها نزل الملف من تحت دراعه وحطه على الترابيزة.
قال بصوت هادي:
— طارق، إزيك يا بطل؟
طارق فضل باصص له ثواني، وكأنه بيحاول يتأكد إن اللي شايفه حقيقي.
وبعدين حصلت الحاجة اللي خلت الموبايل يقع من إيدي.
طارق جري على الراجل، وارتمى في حضنه بكل قوته، وفضل يعيط ويقول:
— بابا! بابا رجع يا ماما!
أنا كنت قاعدة عند أختي، وببص للشاشة، ومش قادرة أتنفس.
بابا مين؟!
أبو طارق مات من سنين، وأنا بنفسي حضرت جنازته، ودفنته بإيدي، وفضلت أزور قبره كل جمعة.
إزاي ابني بيحضن راجل غريب وبيقول له بابا؟
إزاي الراجل ده عارفه، وليه طارق بيجري عليه بالشكل ده، وكأنه مستنيه من سنين؟
حاولت أقرّب الصورة بإصبعي، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مش قادرة أمسك الموبايل.
الراجل ضم طارق لصدره، ومسح دموعه، وقال له:
— وحشتني يا طارق، وحشتني أوي.
هبة كانت واقفة جنبهم وبتعيط في صمت.
وبعدين الراجل رفع راسه وبصلها وقال:
— لازم نخلص الموضوع النهارده، قبل ما أمك تعرف إننا وصلنا للحقيقة.
في اللحظة دي، حسيت بدوخة شديدة، والدنيا بدأت تلف بيا.
أختي سعاد كانت في المطبخ، وأنا كنت لوحدي في الصالة.
حاولت أقوم من الكرسي، لكن رجلي ما شالتنيش.
وقعت على الأرض، والموبايل وقع جنبي، والشاشة لسه مفتوحة على الكاميرا.
آخر حاجة شفتها قبل ما عيني تقفل، كانت الراجل وهو بيطلع ورقة من الملف، وبيحطها قدام هبة.
وسمعت صوته بيقول:
— لو الورقة دي طلعت صحيحة، يبقى كل اللي إحنا فاكرينه عن طارق غلط… وكل اللي أمك عملته فيه لازم يتراجع.
وبعدها فقدت الوعي.
المشهد الثاني: لما فتحت عيني، لقيت نفسي في المستشفى
لما فوقت، كنت في أوضة في المستشفى، وحواليّا أختي سعاد، وابنها محمود، وممرضة بتحاول تقيس ضغطي.
أول ما فتحت عيني، حاولت أتكلم، لكن لساني كان تقيل، وصوتي مش طالع.
سعاد مسكت إيدي وقالت:
— حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، خوفتيني عليكي!
بصيت لها، وأول كلمة خرجت مني كانت:
— طارق… طارق فين؟
قالت لي:
— طارق في البيت، وهبة معاه.
مسكت إيدها بقوة، وقلت لها:
— الراجل… الراجل اللي شوفته على الكاميرا… مين ده يا سعاد؟!
أختي بصت لي باستغراب.
— راجل مين؟ إنتِ وقعتي وإنتِ لوحدك، ومحمود جابك المستشفى.
صرخت فيها:
— لأ! أنا شوفته! شوفته بعيني! كان في بيتي وطارق حضنه وقال له بابا!
سعاد سكتت.
وبعدين بصت ناحية محمود، اللي كان واقف عند باب الأوضة، ولاحظت إن وشه اتغير.
قلت له:
— إنت تعرف حاجة يا محمود؟
رد بسرعة:
— لا يا خالتي، أنا معرفش حاجة.
لكن عينيه كانت بتقول عكس كلامه.
أنا أعرف محمود من يوم ما اتولد. أعرف لما يكون بيكدب، ولما يكون خايف، ولما يكون مخبي عني حاجة.
مسكت إيد أختي وقلت لها:
— عايزة تليفوني.
سعاد حاولت تهديني:
— استني لما الدكتور يطمن عليكي، وبعدين نبقى نشوف اللي حصل.
صرخت:
— تليفوني يا سعاد! ابني في بيتي مع ناس أنا مش عارفة هما مين، وأنا قاعدة هنا مش فاهمة حاجة!
محمود خرج من الأوضة، وبعد دقائق رجع بالموبايل.
فتحته بسرعة، ودخلت على تطبيق الكاميرا.
لكن التسجيل وقف عند اللحظة اللي الراجل حط فيها الورقة على الترابيزة.
حاولت أرجع التسجيل، لكن التطبيق كان بيحمّل ببطء.
فضلت أبص للشاشة وأنا بدعي ربنا إن اللي شوفته يكون مجرد سوء فهم.
لحد ما التسجيل اشتغل.
الراجل كان قاعد قدام هبة، وطارق قاعد جنبه، حاضن إيده.
هبة كانت بتقول:
— أنا مش عايزة أظلمه، بس لازم أقول لأمه الحقيقة.
الراجل رد:
— أم طارق لازم تعرف إن خوفها عليه هو اللي وصلنا لكل ده. هي فاكرة إنها بتحميه، لكنها ما سألتش نفسها هو عايز إيه.
هبة مسحت دموعها وقالت:
— أنا وافقت على الجواز عشان أهلي كانوا محتاجين الفلوس، وكنت فاكرة إن الموضوع هيبقى سهل. لكن لما شفت طارق مرعوب كل يوم، عرفت إني مش هقدر أكمل بالطريقة دي.
الراجل هز راسه وقال:
— وأنا مش هسمح إن حد يستغل طارق أو يقرر مستقبله من غير ما يسمع صوته.
أنا كنت بسمع الكلام، وكل كلمة بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
هبة كملت:
— بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أنا حامل فعلًا، لكن مش معنى كده إن طارق هو الأب. أنا عارفة إن أمه هتتهمني، وهتفتكر إني خنت ابنها، لكن الحقيقة لازم تظهر.
هنا حسيت إن نفسي اتقطع.




