عام

ام خطيبي

\- يا حسام، أنا هقول لك حاجة، تعالى خد حاجتك، إحنا مش هنكمل الخطوبة.
اتصدم من كلامها، وسكت لدرجة إن أمي نادت عليه في التليفون عشان تتأكد إنه لسه معاها.
\- ألو يا حسام، سامعني؟
رد أخيرًا بصوت متوتر:
\- إنتِ بتقولي إيه يا طنط؟! يعني إيه أجي أخد حاجتي؟ هو الموضوع وصل لكده؟!
\- أيوه يا ابني، وصل لكده، لأن بنتي مش هتدخل جوازة وهي من دلوقتي حاسة إنها لازم تتنازل عن كرامتها عشان تحافظ عليها. إحنا مش هنغصبها على حاجة، وهي قررت إنها مش عايزة تكمل.
\- طب وأنا مالي بكل ده؟! أنا ما خنتهاش، ولا عملت لها حاجة، دي مشكلة بينها وبين أمي، وأنا كنت بحاول أصلح بينهم!
أمي ردت بحزم:
\- إنت مالك لأنك خطيبها، ولأنها لجأت لك وهي متضايقة، وكان نفسها تلاقيك في ضهرها. لكنك بدل ما تطمنها، ضغطت عليها وهددتها بإنهاء الخطوبة. دلوقتي هي مش عايزة تكمل، وإحنا هنحترم قرارها.
قفل حسام المكالمة من غير ما يقول كلمة تانية.
بعد أقل من ساعة، اتصل بيا، والمرة دي رديت عليه.
كان صوته مليان غضب وصدمة، وقال لي:
\- إنتِ بجد موافقة على اللي أمك قالته؟ يعني بعد كل اللي بينا، هنسيب بعض عشان مشكلة بينك وبين أمي؟!
قلت له بهدوء:
\- يا حسام، إحنا مش هنسيب بعض عشان مشكلة واحدة، إحنا هنسيب بعض عشان الطريقة اللي اتعاملت بيها مع المشكلة دي. أنا لما لجأت لك، كنت محتاجة تحس بيا، مش تطلب مني أتنازل عشان تريح دماغك.
\- طب وأنا أعمل إيه؟ أمي ست كبيرة، ومش هقدر أقول لها ما تطلبيش من خطيبتي تساعدك!
\- محدش طلب منك تقول لها كده. كنت تقدر تفهمها إن المساعدة مش بالإجبار، وإن التهديد مش طريقة نتعامل بيها مع بعض. لكن إنت اخترت تضغط عليَّ، ولما رفضت، هددتني إنك تنهي الخطوبة.
\- أنا كنت متعصب يا بنتي، وما كنتش أقصد إننا نوصل لكده
\- وأنا كمان كنت بحبك، وما كنتش أتخيل إننا نوصل لكده. بس الحب مش معناه إني أقبل كل حاجة عشان ما أخسركش.
سكت لحظة، وبعدها قال بصوت أهدى:
\- طب خليني أجي لك وأتكلم مع بابا، وأنا هحاول أحل كل حاجة، وهخلي أمي ما تتكلمش معاكي في الموضوع ده تاني.
كنت أتمنى أسمع الكلام ده منه من أول يوم، لكن بعد ما وصلنا للنقطة دي، ما بقيتش عارفة إذا كنت هقدر أصدقه، ولا إذا كان بيحاول يصلح الأمور فعلًا عشان اقتنع بغلطه، ولا عشان اكتشف إن خطوبتنا ممكن تنتهي بجد.
قلت له:
\- يا حسام، أنا مش عايزة وعود وقت الزعل. أنا عايزة أبقى مطمنة إن اللي هتجوزني هيحترم حدودي، وإن أي خلاف بيني وبين أهله مش معناه إني هبقى لوحدي. ودلوقتي أنا مش قادرة أكمل.
فضل يحاول يقنعني، وقال إنه هييجي يتكلم مع أبويا، وإنه مش مستعد يخسرني، لكني أنهيت المكالمة وأنا عارفة إن القرار ده هيوجعني، حتى لو كنت مقتنعة إنه الصح.
تاني يوم، جه حسام البيت
قعد مع أبويا، وحاول يراضيه، وقال له إنه بيحبني وإنه مش عايز يخسرني، وإن اللي حصل كله سوء تفاهم وإنه مستعد يصلح الأمور.
أبويا سمعه باهتمام، وبعدها قال له:
\- يا حسام، أنا مش هقول لك إنك وحش، ولا هتهمك إنك ما بتحبش بنتي، لكن الجواز مش مجرد حب. الجواز مسؤولية ومواقف، وبنتي لما جت لك تشتكي من الضغط اللي اتعرضت له، إنت زودت عليها الضغط بدل ما تخفف عنها. وده اللي خلانا نقلق من المستقبل.
حسام رد بسرعة
\- أنا فاهم يا عمي، وغلطت لما اتعصبت، بس والله ما كان قصدي أضغط عليها. وأنا أوعدك إن الموضوع ده مش هيتكرر.
أبويا بص لي وقال:
\- القرار قرار بنتي، وأنا مش هاجبرها تكمل ولا هاجبرها تسيب.
كل العيون اتجهت ناحيتي، وحسام بص لي برجاء وقال:
\- أرجوكي، اديني فرصة أخيرة. إحنا تعبنا عشان نوصل للمرحلة دي، وأنا مش عايز أخسرك.
حسيت بغصة في حلقي، وافتكرت الأيام اللي كنت بستنى فيها مكالمته، وفرحتي لما كان يشكرني على تعبي مع أمه، وأحلامي اللي رسمتها لحياتنا بعد الجواز.
لكن افتكرت كمان المكالمة اللي هددتني فيها أمه، وسكوته لما طلبت منه يقف جنبي، وكلامه لما قال لي إن أمه طلبت يومين في الأسبوع يبقى أروح يومين.
قلت له:
\- أنا مش هقدر أكمل يا حسام. مش عشان مش بحبك، لكن عشان أنا مش مطمنة. أنا مش عايزة أدخل جواز وأنا من دلوقتي خايفة من الخلافات اللي ممكن تحصل، وخايفة إنك وقت الجد تطلب مني أتنازل عشان ترضي أمك.

حاول يتكلم، لكني كملت:

\- أنا مش بطلب منك تبعد عن أمك، ولا عمري هطلب منك كده. لكني عايزة شريك حياة يعرف إن ليَّ حقوق زي ما عليَّ واجبات، وإن مساعدتي لأهلك تكون من قلبي، مش تحت التهديد. ولو إنت مش قادر تفهم ده دلوقتي، يبقى الأحسن إننا ننهي الخطوبة بدل ما نتجوز ونكتشف إن المشكلة أكبر.

حسام فضل ساكت، وعينيه مليانة صدمة، وكأنه كان متخيل إن مجرد حضوره واعتذاره هيخلوني أرجع عن قراري.

وفي النهاية، جمع حاجته وقام.

قبل ما يمشي، بص لي وقال:

\- أتمنى ما تندميش على القرار ده.

رديت عليه والدموع في عيني:

\- وأنا كمان أتمنى لك الخير يا حسام.

خرج من البيت، ولما الباب اتقفل، دخلت أوضتي وعيطت. ما كانش سهل أبدًا إني أنهي خطوبة كنت بتمنى إنها تكمل، لكن كان أصعب عليَّ إني أعيش عمري كله وأنا خايفة أتكلم أو أرفض أو أقول إن حاجة وجعتني.

أما حماتي، فما عرفتش إن الخطوبة انتهت إلا بعد ما حسام رجع البيت وحكى لها اللي حصل.

في الأول، اتعصبت وقالت له:

\- يعني إيه فسختوا الخطوبة؟! هي البنت دي فاكرة نفسها مين عشان تسيبك بالشكل ده؟! ما هي اللي غلطت لما كانت بتيجي من ورا أهلها، وإنت كنت المفروض توقفها عند حدها!

حسام رد عليها بضيق:

\- يا أمي، خلاص بقى! أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني.

دخل أوضته وسابها، وهي فضلت تتكلم لوحدها وتلومني وتقول إن البنات بقوا ما يستحملوش حاجة.

لكن بعد أيام قليلة، بدأت تحس بالفرق.

كان البيت اللي اتعودت تلاقيه نضيف ومرتب، والأكل موجود في التلاجة، والهدوم متغسلة، والروائح الحلوة مالية المكان، بقى محتاج شغل كتير.

في البداية، حاولت تعمل الحاجات بنفسها، لكنها ما كانتش متعودة على إنها تتحمل كل الشغل ده بعد ما اتعودت إني أعمله عنها كل أسبوع.

كانت تقوم من مكانها عشان تحضر الأكل، فتفتكر إني كنت بجهز لها وجبات تكفيها أيام، وتفتح التلاجة فتلاقيها فاضية إلا من الحاجات البسيطة اللي كانت بتشتريها لنفسها.

ولما تتراكم الهدوم، تفتكر إني كنت باخدها وأغسلها وأرجعها لها متطبقة، ولما تلاقي التراب متجمع في الأركان، تفتكر إني كنت بمسح البيت كله وأعطره وأبخره قبل ما أمشي.

في الأول، كانت بتقول لنفسها إنها هتتعود، وإنها مش محتاجة حد يساعدها، لكن الأيام أثبتت لها إن اللي كنت بعمله مش حاجة بسيطة، وإنها كانت بتستفيد من وجودي أكتر مما كانت مستعدة تعترف.

بعد أسبوعين، اتصلت بحسام وقالت له:

\- يا ابني، هو إنت مش هتعمل حاجة؟ البيت بقى محتاج شغل، وأنا مش قادرة أقوم بكل حاجة لوحدي.

رد عليها بتعب:

\- يا أمي، ما أنا قلت لك قبل كده، لو محتاجة حد يساعدك ممكن نتفق مع واحدة تيجي تنظف لك البيت، لكن أنا مش هقدر أسيب شغلي كل يوم وأجيلك.

قالت بضيق:

\- يعني هنجيب واحدة غريبة تدخل بيتي وتلمس حاجتي؟! ما البنت كانت بتعمل كل حاجة بنفسها، وكانت عارفة أنا بحب إيه ومش بحب إيه.

سكتت فجأة، لأنها لأول مرة قالت الحقيقة من غير ما تقصد.

هي ما كانتش زعلانة لمجرد إني بطلت أروح، هي كانت زعلانة لأنها خسرت الراحة اللي اتعودت عليها، وخسرت شخصًا كان بيخدمها بمحبة من غير ما يطلب منها مقابل.

ومع مرور الأيام، بدأت تفكر في كلامي، وتفتكر إني ما كنتش يومًا برد عليها أو أرفض مساعدتها، وإن كل اللي حصل بدأ لما قررت تحوّل المساعدة لواجب مفروض عليَّ، وتستخدم خطوبتي من ابنها عشان تجبرني على تنفيذ اللي هي عايزاه.

لكن بدل ما تعترف بغلطها من البداية، فضلت فترة تقنع نفسها إنني أنا اللي خسرت، وإنني لو كنت صبرت شوية، كان ممكن أكون زوجة ابنها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى