
بعد المناسبة، وأنا راجعة مع طه والولاد، ابني الصغير سألني:
ـ ماما، هو إحنا المرة الجاية لما يبقى فيه فرح هنروح كلنا؟
ضحكت وبوست راسه.
ـ أيوه يا حبيبي، هنروح كلنا، ولو حد عنده سبب يمنعنا، هنتكلم ونفهم بعض، مش هنزعل بعض.
طه بص لي من قدام، وقال:
ـ وأهم حاجة محدش فينا يحس إنه أقل من التاني.
ابتسمت، لكني ماحسيتش إن كل المشاكل اختفت فجأة، ولا إن كل الناس اتغيرت في يوم وليلة.
الحياة مش بتمشي بالشكل ده.
كان لسه فيه مواقف محتاجة صبر، ولسه فيه حقوق بتتسدد على مراحل، ولسه الثقة بين أفراد العيلة محتاجة وقت.
لكن الفرق إن سلوى اللي كانت بتسكت على كل حاجة عشان المركب تمشي، بقت تعرف إن المركب مش المفروض تمشي على حساب شخص واحد.
وبعدها بكام شهر، حصل موقف صغير أكد لي إن التغيير كان حقيقي.
كنت عند حماتي في زيارة، ومروة كانت موجودة، ولما قامت تحضر الشاي، حماتي نادت عليها وقالت:
ـ يا مروة، هاتي الصينية، وبعدها اقعدي معانا. مش لازم واحدة بس اللي تفضل واقفة طول الوقت.
مروة بصت لي، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
وأنا ابتسمت لها.
مش لأن الماضي اتنسى، لكن لأن كل واحدة بدأت تفهم إن احترام الست مش في شكلها، ولا في سعر لبسها، ولا في قدرتها على خدمة الناس من غير ما تشتكي.
احترامها في إنها إنسانة لها مشاعر وحقوق، ومن حقها تتعامل بكرامة.
أما حماتي، فكانت كل ما تيجي مناسبة بعد كده، تحاول تخليني أقعد معاها بدل ما أفضل في المطبخ. وفي مرة، لما واحدة من قريباتها علقت على عبايتي وقالت إنها بسيطة، حماتي ردت قبل ما أتكلم:
ـ البساطة عمرها ما كانت عيب، والست تتقاس بأخلاقها ومواقفها، مش بسعر هدومها.
بصيت لها، وعرفت إنها افتكرت اليوم اللي وقفتني فيه عند الباب وقالت لي إنها بتتكسف مني.
يمكن ندمها مايمسحش كل الوجع اللي سببتهولي، لكن على الأقل بدأت تتحمل مسؤولية كلامها، وده كان بداية التصحيح.
أما الفلوس، ففضلت حقي، واتعاملت معاها من خلال الاتفاق المكتوب، من غير ما أضطر كل شهر أروح أطلبها أو أدخل في نقاش جديد.
وطه كمان بدأ يتغير في بيته. بقى يشارك في مسؤوليات الولاد، ويقف معايا لما حد يطلب مني حاجة فوق طاقتي، وبقى فاهم إن بر أمه مش معناه إنه يسيب مراته تتحمل كل شيء لوحدها.
وفي ليلة، بعد ما الولاد ناموا، كنت قاعدة جنبه في الصالة، فقال لي:
ـ فاكرة يوم الفرح؟
قلت له:
ـ أنساه إزاي؟
قال:
ـ أنا كل ما أفتكر إنك كنتِ واقفة لوحدك في البيت، وإنك كنتِ مستنية مني أسألك حتى إيه اللي حصل، بحس إني قصرت معاكي.
بصيت له وقلت:
ـ أهم حاجة عندي إنك اتعلمت. أنا مش عايزة أفضل أعيش في الماضي، لكن مش هنسى الدرس اللي اتعلمته منه.
سألني:
ـ وإيه الدرس؟
ابتسمت وقلت له:
ـ إن الطيبة مش معناها إن الواحد يسمح للناس تلغي وجوده. وإن احترام الكبير مش معناه إننا نقبل الظلم. وإن الست اللي بتضحي عشان بيتها لازم تفضل فاكرة إن ليها حق في الراحة والاحترام زي باقي الناس.
طه مسك إيدي وقال:
ـ عندك حق يا سلوى.
قمت أطفي نور الصالة، وقبل ما أدخل أوضتي، بصيت للمراية اللي كانت قدامي يوم الفرح.
نفس العباية تقريبًا، ونفس الطرحة البسيطة، لكن إحساسي بنفسي كان مختلف.
أنا مااحتجتش ألبس أغلى من مروة، ولا أعمل فضيحة لحماتي، ولا أرد الإهانة بإهانة أكبر.
كل اللي عملته إني بطلت أقبل إن حد يحدد قيمتي على مزاجه، وطلبت حقي بهدوء، ورفضت أمضي على حاجة مش مقتنعة بيها.
ومن يومها، فهمت إن أكبر مفاجأة ممكن تقدمها الست للي بيستهين بيها، مش إنها تنتقم منه، لكن إنها توقف التنازلات اللي خلتهم يفتكروا إن كرامتها شيء مضمون.
واللي اتعلمته من حكايتي إنك ممكن تسامحي، وممكن تدي فرصة جديدة، لكن عمرك ما تكوني مطالبة تتنازلي عن حقك عشان تثبتي إنك طيبة. لأن الطيبة الحقيقية عمرها ما كانت ضعف، والاحترام اللي بييجي بعد ما تطالبي بحقك مش منّة من حد، ده حقك من البداية.
عدت الأيام وبدأت سلوى تحس إن حياتها أخيرًا بقت أهدى، وإنها مش مضطرة كل يوم تثبت إنها تستحق الاحترام. طه بقى يساعدها في البيت من غير ما تستناه تطلب منه، وسلمى رجعت تركز في دراستها بعد ما اطمنت إن حق أمها محفوظ، وخالة طه بدأت تسدد الفلوس على قد ظروفها حسب الاتفاق اللي اتكتب قدام المحامي.
أما حماتها، فكانت أكتر واحدة اتغيرت. مبقتش تقارن سلوى بمروة، ولا تبص لملابسها البسيطة كأنها عيب، وبقت لما تشوفها بتشتغل في البيت تقوم تساعدها بدل ما تسيب كل حاجة عليها.
وفي يوم، كانت العيلة كلها متجمعة على الغدا، ومروة بتحكي عن فستان جديد اشترته لمناسبة قريبة، فقالت حماتها وهي بتبص لسلوى بابتسامة:
ـ على فكرة يا سلوى، أنا زمان كنت فاكرة إن قيمة الست في شكلها والناس بتبص لها إزاي، لكن إنتِ علمتيني إن الست قيمتها في أصلها ومواقفها، وإن اللي بيحافظ على كرامته مش محتاج يرفع صوته عشان الناس تحترمه.
سلوى ابتسمت بهدوء وقالت:
ـ كلنا بنغلط يا أمي، والمهم إننا نتعلم من غلطنا. أنا مش عايزة من حد غير المعاملة الطيبة، ولا عايزة أفضل فاكرة اللي حصل طول عمري.
مدت حماتها إيدها ومسكت إيد سلوى قدام الكل وقالت:
ـ وأنا مش عايزاكي تنسي عشان تسامحيني، أنا عايزاكي تنسي عشان قلبك يرتاح، لكن أنا لازم أفضل فاكرة غلطتي عشان ما أكررش نفس الوجع مع حد تاني.
سكتت العيلة لحظة، وبعدها طه بص لمراته وقال:
ـ أنا كمان اتعلمت إن السكوت وقت الظلم مش دايمًا حكمة، وإن الراجل مش بس مسؤول عن مصاريف بيته، ده مسؤول كمان إنه يحافظ على كرامة مراته، خصوصًا لما تكون بتتعب عشانه وعشان أهله.
سلوى بصت له بعينين مليانين امتنان، لأنها أخيرًا شافت التغيير في أفعاله مش في كلامه بس.
بعد الغدا، خرجت سلوى للبلكونة، ووقفت تتفرج على الشارع وهي بتفتكر اليوم اللي حماتها قالت لها فيه إنها بتتكسف منها، واليوم اللي قررت فيه إنها مش هتسمح لحد يقلل منها تاني.
افتكرت دموعها وهي لوحدها في البيت، وافتكرت الفلوس اللي كانت خايفة تضيع منها، والأهم افتكرت قد إيه كانت محتاجة حد يسمعها ويحس بيها.
لكنها فهمت إن استرداد الكرامة مش معناه الانتقام، وإن التسامح مش معناه التنازل عن الحقوق، وإن الإنسان ممكن يفتح صفحة جديدة من غير ما يمسح الحقيقة أو يسمح بتكرار الغلط.
دخل طه البلكونة ووقف جنبها، وبعد لحظة قال:
ـ سرحانة في إيه؟
ابتسمت سلوى وقالت:
ـ بفكر في قد إيه الإنسان ممكن يتوجع من أقرب الناس ليه، وقد إيه كلمة واحدة ممكن تكسر قلبه، وكلمة تانية ممكن تصلح حاجات كتير.
قال طه:
ـ وأنا بوعدك إنك مش هتحتاجي تحاربي لوحدك تاني.
ردت عليه بهدوء:
ـ مش عايزة وعود كبيرة يا طه، أنا عايزة أفعال صغيرة تستمر. عايزة بيتنا يبقى مكان أرتاح فيه، مش مكان أخاف فيه من زعل حد أو من كلمة تقلل مني.
هز راسه وقال:
ـ عندك حق، وده اللي هنعمله.
ومرت الشهور، واستمر سداد المبلغ المتفق عليه، وكل ورقة اتكتبت فضلت محفوظة، وكل حق رجع لصاحبه من غير خصام ولا تنازلات تحت ضغط. سلمى كملت دراستها وهي مطمنة، وخالة طه قدرت ترتب ظروفها، والعيلة كلها اتعلمت إن المحبة الحقيقية ما ينفعش تقوم على إخفاء الحقوق أو استغلال طيبة الناس.
وفي مناسبة عائلية تانية، كانت سلوى لابسة عبايتها البسيطة اللي بتحبها، وحماتها دخلت عليها وقالت:
ـ العباية دي لايقة عليكي أوي.
ضحكت سلوى وقالت:
ـ هي هي يا أمي، مفيش فيها أي جديد.
ردت حماتها:
ـ يمكن العباية هي هي، لكن أنا اللي بقيت أشوف الناس بقلبي بدل ما أحكم عليهم بعيني.
حضنتها سلوى، وحست إن الاعتذار الصادق مش كلمة بتتقال وخلاص، لكنه تغيير بيبان في المعاملة كل يوم.
ومن يومها، سلوى بطلت تحاول ترضي كل الناس على حساب نفسها، وبقت تساعد اللي تقدر عليه من غير ما تسمح لحد يستغلها، وتسامح من غير ما تتنازل عن حقها، وتحب من غير ما تنسى كرامتها.
لأن الطيبة مش ضعف، والتواضع مش قلة قيمة، واللبس البسيط عمره ما كان عيب، لكن العيب الحقيقي إن الإنسان يتكبر على غيره وينسى إن كلنا محتاجين رحمة ربنا.
وسلوى عرفت في النهاية إن أجمل انتصار مش إنها تشوف اللي ظلمها بيتعاقب، لكن إنها تقدر تكمل حياتها بقلب مرتاح، وكرامة محفوظة، وبيت اتعلم فيه كل واحد إن الاحترام مش منّة من حد، وإن حق الإنسان ما يسقطش لمجرد إنه اختار يسكت فترة.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



