روايات وقصص

حماتي وسلفتي 2 زهرة

ـ سلوى، استني.

وقفت، وبصيت لها.

كانت عينيها حمرا من العياط، وصوتها مختلف عن كل مرة.

ـ أنا عارفة إنك زعلانة مني، وعارفة إني جرحتك يوم الفرح. بس والله أنا ماكنتش أقصد أوصلك للإحساس ده.

كنت ممكن أرد عليها بكلام كتير، وأفكرها بكل مرة قللت مني فيها، وبكل مرة فضلت مروة عليا، وبكل يوم كنت بصحى فيه من بدري وأخلص شغل البيت كله لوحدي.

لكن اكتفيت إني أقول:

ـ يا حماتي، أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسهولة، لكن مش عايزة أعيش باقي عمري شايلة كره لحد. اللي حصل بينا محتاج يتصلح بالأفعال، مش بالكلام. وأول فعل لازم يحصل إن كل واحد يعترف بحقه وحق غيره.

هزت راسها ببطء، وماقالتش حاجة.

خرجت مع طه، ولما ركبنا العربية، فضل ساكت طول الطريق.

بعد شوية، قال لي:

ـ أنا آسف يا سلوى.

بصيت له.

ـ على إيه بالضبط يا طه؟

قال:

ـ على كل مرة كنت بشوفك بتتعبي وأسكت، وعلى كل مرة كنت بخاف أزعل أمي أكتر ما كنت بخاف إنك تكوني مكسورة. أنا كنت فاكر إن السكوت بيحافظ على البيت، لكن اكتشفت إن السكوت ساعات بيخلي الغلط يكبر.

ما رديتش بسرعة.

كنت محتاجة أشوف التغيير في تصرفاته، مش أكتفي باعتذار في يوم واحد.

قلت له:

ـ أنا هديك فرصة تثبت إنك فهمت، لكن لازم تعرف إن حياتنا من النهارده هتكون مختلفة. أنا مش هفضل مسؤولة عن كل شغل البيت، ومش هقبل أي إهانة تانية، ومش هسكت عن حقي عشان أرضي حد.

قال لي:

ـ موافق.

ولما وصلنا البيت، حصلت حاجة بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لي بداية جديدة.

طه دخل المطبخ، وشاف المواعين اللي كنت سايباها من يوم الفرح، وبدأ يغسلها من غير ما أطلب منه.

وقفت عند باب المطبخ وبصيت له.

قال لي وهو بيحاول ينظم المواعين على الرخامة:

ـ إيه؟ هو أنا مش بعرف أغسل مواعين ولا إيه؟

ضحكت لأول مرة من يومين.

ـ بتعرف، بس محتاج تدريب.

ضحك هو كمان، وللحظة حسيت إن البيت ممكن يرجع مكان هادي، بعيد عن ضغط العيلة.

لكن الموضوع المالي ماكانش انتهى.

بعد يومين، رحنا لمحامي، وقدمنا له كل الأوراق والإيصالات. راجع المستندات، وقال لنا إننا محتاجين نحدد بدقة المبالغ اللي اتدفعت، ومين دفعها، وإيه طبيعة الاتفاقات اللي حصلت.

أكد لنا إن أي تنازل لازم يكون برضا صاحبه، وإن الأفضل إن كل الأطراف تراجع موقفها القانوني قبل توقيع أي مستند جديد.

وبالفعل، اتعمل اجتماع تاني، المرة دي بحضور المحامي، واتراجع كل مبلغ وكل إيصال.

اتضح إن خالة طه استلمت الفلوس فعلًا بحسن نية، وإن جزءًا منها دخل في أقساط الشقة، لكن مفيش اتفاق مكتوب يثبت إن سلوى وافقت على التنازل عن حقها أو تحويل المبلغ لهدية.

أما الشقة، فكان لازم تتراجع ملكيتها والالتزامات المرتبطة بيها بشكل منفصل، لأن مجرد وجود اسم شخص في ورقة قديمة مش كفاية لوحده لحسم كل التفاصيل.

سامح أعلن إنه مستعد يشارك في تسوية المبالغ اللي ثبتت عليه أو على التركة، بشرط إن كل شيء يتوثق بشكل قانوني، وإن حق سلمى يتحدد بوضوح.

ومروة، بعد ما فهمت حقيقة الشقة، قالت إنها مش هتقبل تعتبرها هدية شخصية ليها، وإنها مستعدة تتعاون في أي إجراء قانوني يضمن حق سلمى.

أما حماتي، فكانت أصعب واحدة فيهم في البداية.

كانت شايفة إن اعترافها بالغلط معناه إنها خسرت مكانتها وسط أولادها، وإن كل اللي عملته طول السنين ضاع.

لكن المحامي وضح لها إن محاولة إخفاء المستندات أو الضغط على أي طرف للتنازل مش هتحل المشكلة، وإن الطريق الوحيد للخروج منها هو كشف الحسابات والتوصل لتسوية واضحة.

وبعد جلسات كتير، اتفقوا على خطة لسداد المبالغ المستحقة، مع توثيق نصيب سلمى وحقوق باقي الأطراف، بدل ما يفضل كل واحد بيتكلم عن رواية مختلفة.

أنا ماخدتش فلوسي كلها في يوم وليلة، لكن اتحدد جدول للسداد، واتوثق حقي، وبقيت عارفة كل دفعة هتيجي إمتى، ومين المسؤول عنها.

وده كان أهم بالنسبة لي من أي وعد شفهي.

بعد حوالي شهر، كنت قاعدة في البيت بجهز الغدا، لما جرس الباب رن.

فتحت، ولقيت حماتي واقفة لوحدها.

كانت لابسة عباية بسيطة، وماكانش معاها لا مروة ولا أي حد من العيلة.

قالت لي:

ـ ممكن أدخل يا سلوى؟

وسعت لها الطريق، ودخلت الصالة.

قعدت على الكنبة، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:

ـ أنا جيت عشان أعتذر لك.

قعدت قدامها، وسمعتها وهي بتكمل:

ـ أنا طول عمري كنت فاكرة إن الست اللي شكلها حلو ولبسها غالي هي اللي بتشرف أهلها، وكنت ببص لك على إنك أقل من مروة عشان لبسك بسيط. ماكنتش بفكر إنك بتوفري الفلوس عشان ولادك، وإنك بتتعبى عشان البيت كله. كنت باخد تعبك كأنه حاجة عادية، ولما لقيتك بتسكتي، افتكرت إن من حقي أقرر عنك.

سكتت لحظة، ومسحت دموعها.

ـ ويوم الفرح، أنا جرحتك قدام الناس، وده غلط مهما كانت أسبابي. أنا مش جاية أقول لك انسي اللي حصل، لأني عارفة إن الكلام ده سهل، لكن جاية أقول لك إني غلطت، وإنك ماكنتيش تستاهلي اللي عملته فيكي.

كنت سامعاها، لكني ماكنتش مستعدة أرجع كل حاجة زي الأول بمجرد اعتذار.

قلت لها:

ـ أنا قبلت اعتذارك يا حماتي، لكن لازم تعرفي إن الاحترام مش معناه إنك تعتذري مرة وخلاص. الاحترام إنك بعد كده ماتكرريش نفس التصرف، وإنك ماتحطيش مروة في مقارنة معايا، ولا تخليني مسؤولة عن كل حاجة لمجرد إني كنت بسكت.

هزت راسها وقالت:

ـ عندك حق.

وبعدين بصت حوالين الصالة وسألتني:

ـ طه فين؟

ـ في الشغل، وهييجي بعد شوية.

قامت من مكانها، وقبل ما تمشي، قالت:

ـ أنا مش هطلب منك ترجعي تساعديني في البيت زي الأول. لو احتجت حاجة هطلبها منك زي ما بطلبها من أي حد، وإنتِ حرة توافقي أو ترفضي حسب ظروفك.

الجملة دي كانت جديدة عليا.

مش لأنها عملت حاجة كبيرة، لكن لأنها لأول مرة اعترفت إن وقتي ومجهودي مش ملكها.

بعد ما مشيت، قعدت أفكر في كل اللي حصل من يوم الفرح لحد النهارده.

كنت فاكرة إن المفاجأة اللي هتخلي حماتي تندم لازم تكون حاجة كبيرة، أو موقف قدام الناس يرد لي اعتباري.

لكن الحقيقة إن أكبر تغيير حصل لما بطلت أتنازل عن نفسي عشان أرضي الجميع.

وبعد كام أسبوع، اتعملت مناسبة عائلية بسيطة بمناسبة نجاح سلمى في امتحانات الجامعة.

المرة دي، حماتي اتصلت بيا قبلها بيوم، وقالت:

ـ يا سلوى، إحنا عاملين غدا صغير لسلمى بكرة. لو حابة تيجي إنتِ والولاد، هنبقى مبسوطين.

ماقالتش لي تعالي بدري عشان تساعدي في المطبخ، ولا قالت لي البسي إيه، ولا قارنتني بمروة.

روحت المناسبة بعبايتي النظيفة وطرحتي البسيطة، ومعايا هدية صغيرة لسلمى.

لما وصلت، حماتي استقبلتني بنفسها، وسلمت عليا قدام الناس، وبعدها قالت لخالتها:

ـ سلوى وقفت جنبنا في وقت صعب، وإحنا لازم نحترم ده ونحفظ لها حقها.

مكنتش محتاجة تسمعني الكلام ده قدام الناس عشان أحس بقيمتي، لكن كنت سعيدة إن الحق بدأ يرجع لأصحابه.

سلمى جت سلمت عليا، وشكرتني على إني ما سكتش عن موضوع الفلوس، وقالت لي إن اللي حصل خلاها تفهم إن السؤال عن الحق مش عيب، وإن السكوت عن الغلط مش دايمًا بيحافظ على العيلة.

حضنتها، وقلت لها:

ـ أهم حاجة إنك تكملي تعليمك، وتبني حياتك على أساس واضح. الفلوس ممكن تتعوض، لكن الثقة لما بتتكسر بتحتاج وقت عشان ترجع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى