روايات وقصص

يوم فرحي حكايات صافي هاني

مشيت ناحيتهم، وخلعت الطرحة الطويلة من على راسي، وحطيتها على كتف أمي.
ماما، إنتِ كويسة؟
أمي مسكت وشي بإيديها المبلولة، وقالتلي بصوت مخنوق
أنا كويسة يا بنتي. إنتِ بس اهدي. مش عايزاكي تعملي حاجة تندمي عليها بعد كده.
بصيت في عينيها.
حتى في اللحظة دي، وهي لسه خارجة من المية، كانت خايفة عليا أكتر ما هي خايفة على نفسها.
أبويا كان ساكت، لكن عينه كانت مليانة وجع. مش وجع الزقة ولا وقوعه في المية، إنما وجع راجل شاف بنته واقفة وسط مئات الناس ومش لاقية جوزها اللي المفروض يحمي كرامتها.
قعدت على ركبي قدامهم.
أنا آسفة يا بابا.
أبويا هز راسه بسرعة.
آسفة على إيه يا بنتي؟
إني خليتكم تيجوا مكان زي ده وتستحملوا اللي حصل.
مسك إيدي وقال
إنتِ عمرك ما كنتي سبب في إهانتنا. اللي يهينك ويهين أهلك هو اللي المفروض يستحي من نفسه. وإحنا جايين نفرح بيكي، مش جايين ناخد شهادة من حد على قيمتنا.
الكلمتين دول وجعوني أكتر من كل اللي حصل.
قمت، ومسحت دموعي قبل ما تنزل.
الليلة دي ما كانش ينفع أعيط.
مش عشان أنا قوية ومش بتوجع، لكن عشان فيه لحظة في حياة كل إنسان بيبقى لازم يختار فيها بين إنه يفضل يبرر للناس أذاهم، وبين إنه يحط حد واضح ويقول كفاية.
واللحظة دي كانت لحظتي.
رجعت ناحية المسرح.
فادية كانت بتحاول تتكلم مع زياد بصوت واطي، لكنه كان بيبعد عنها وبيبصلي كل شوية.
رفعت الميكروفون وقلت
أنا اسمي حبيبة عادل منصور. عندي تلاتة وتلاتين سنة، ومهندسة معمارية، وبشتغل في الاستثمار وإدارة المشروعات من قبل ما أعرف زياد رشدي أصلًا. والنهارده كنت داخلة القاعة دي وأنا فاكرة إني داخلة أبدأ حياة جديدة مع إنسان بحبه، لكن اللي حصل خلاني أفهم إن فيه حاجات مينفعش تبدأ مهما كان تمنها.
واحد من المعازيم رفع موبايله أكتر عشان يصور.
بصيت ناحيته وقلت
اللي عايز يصور يصور، بس من فضلكم محدش يقرب من أهلي، ومحدش ينشر صورهم وهما بالشكل ده من غير إذنهم. كرامتهم مش مادة للتسلية.
ناس كتير نزلت موبايلاتها فعلًا، وبعضهم بص في الأرض من الإحراج.
كملت
أنا مش هتكلم عن الفلوس اللي معايا، ولا عن الشركات اللي باسمي، ولا عن أي أرقام. أنا هتكلم عن حاجة واحدة بس. الإنسان اللي بيهين حد أضعف منه، أو فاكر إن اللي قدامه أقل منه عشان هدومه أرخص أو بيته أصغر، الإنسان ده محتاج يراجع نفسه قبل ما يراجع حساباته في البنك.
فادية صرخت
إنتِ بتتكلمي عني أنا؟!
بصيتلها مباشرة.
أيوه، بتكلم عنك إنتِ.
إنتِ نسيتي نفسك يا بتاعة شبرا؟! إنتِ فاكرة نفسك بقيتي حاجة عشان لبستي فستان بكام مليون؟
زياد جري ناحيتي وحاول ياخد الميكروفون من إيدي.
حبيبة، كفاية بقى! الناس بتتفرج علينا!
سحبت الميكروفون بعيد عنه.
آه، الناس بتتفرج. ودي أول مرة في حياتك يهمك إن الناس تشوف اللي بيحصل، بدل ما يهمك اللي بيحصل فعلًا.
وشه احمر.
إنتِ عايزة تفضحينا؟
أنا مش محتاجة أفضح حد. اللي حصل من شوية كفاية.
أمي غلطت، خلاص! هتفضلي مكبرة الموضوع لحد إمتى؟
بصيتله باستغراب.
غلطت؟ هي زقت أبويا وأمي في حمام السباحة قدام الناس، وفضلت تضحك عليهم، وإنت واقف تتفرج. وإنت لسه بتقول غلطت؟
رد بعصبية
أمي ست كبيرة، وكانت متضايقة، وشربت شوية، ومش قصدها توصل الموضوع لكده.
ضحكت من غير فرحة.
هو كل مرة هتعمل حاجة مؤذية هنطلع لها عذر؟ لو شتمت، نقول كانت متضايقة. لو أهانت، نقول دي طريقتها. ولو مدت إيدها على أهلي، نقول شربت شوية؟
زياد سكت.
فادية قربت مني، وقالت بصوت مليان غضب
اسمعي يا حبيبة، أنا مش هسمحلك تبوظي فرحة ابني. الفرح هيتكمل، وهتعتذريلي قدام الناس، وكل واحد هيرجع مكانه.
بصيتلها من غير ما أرفع صوتي.
أنا مش هتجوز ابنك.
الكلمة وقعت في القاعة زي صوت حاجة اتكسرت.
واحدة من قريباتهم شهقت.
واحد من أصدقاء زياد قال
يا جماعة اهدوا، الموضوع ممكن يتحل.
لكن أنا كنت خلصت.
بصيت ناحية أستاذ فؤاد وقلت
اتفضل يا أستاذ فؤاد. بلغهم بالقرارات القانونية اللي اتاخدت النهارده، مش بالتهديدات اللي أنا قلتها من شوية وأنا غضبانة.
أستاذ فؤاد فتح الملف.
بناءً على قرار مجلس إدارة شركة النيل للتطوير والاستثمار، وبناءً على المستندات والتقارير المقدمة من إدارة المراجعة الداخلية والمراجع الخارجي، تم وقف الصلاحيات التنفيذية الممنوحة للسيد زياد رشدي مؤقتًا، لحين انتهاء التحقيقات في مجموعة من المعاملات المالية محل المراجعة.
زياد اتسمر مكانه.
فادية بصتله بسرعة.
إيه الكلام ده يا زياد؟
هو ما ردش.
أستاذ فؤاد كمل
كذلك تم إخطار الجهات المختصة بمستندات تتعلق بتصرفات مالية تحتاج إلى فحص قانوني، وتم تعليق بعض العمليات التجارية التي تتطلب مراجعة إضافية، وفقًا للإجراءات المنصوص عليها في العقود واللوائح المعمول بها.
فادية رفعت إيديها في وشه.
إنت بتقول إيه؟! إنتوا مين عشان توقفوا ابني؟ ده ابن صاحب المجموعة!
أستاذ فؤاد رد بهدوء
القرارات دي مش مرتبطة بقرابة حضرتك من أي حد، ولا بملكية العيلة القديمة. دي قرارات مؤسسية اتاخدت بناءً على مستندات، وليها مسار قانوني واضح.
زياد قرب منه.
مين اللي طلب منك تعمل كده؟
أستاذ فؤاد بصلي.
أنا رفعت إيدي وقلت
أنا.
وبعدها قلت الجملة اللي خلت فادية تمسك في ذراع ابنها بقوة
لأن المجموعة اللي إنت بتتكلم عنها، أنا رئيسة مجلس إدارتها، وصاحبة الحصة المسيطرة فيها من خلال شركة منصور القابضة.
زياد فضل باصصلي.
كأنه بيسمع لغة مش فاهمها.
إنتِ؟!
أيوه، أنا.
مستحيل!
ليه مستحيل؟ عشان أبويا عنده ورشة في بولاق؟ ولا عشان أمي بتشتري هدومها من وكالة البلح؟ ولا عشان إنتوا قررتوا من أول يوم إن الناس اللي عايشة ببساطة مينفعش يبقى عندها حاجة كبيرة؟
فادية هزت راسها بعنف.
كدابة! إنتِ كنتِ بتعملي تصاميم للمشروعات الخيرية اللي بنعملها!
أنا كنت بعمل تصاميم فعلًا، لكن مش عشان محتاجة شغلكم. أنا كنت بشتغل على مشروع إعادة تطوير المباني القديمة في القاهرة، وكنت بختبر قدرتكم على الالتزام بالعقود واحترام الشركاء. والمشروعات الخيرية اللي بتتكلمي عنها كانت ضمن اتفاق تعاون بين مؤسسات مختلفة، مش منّة منك عليا.
سكتُّ لحظة، وبعدها كملت
أنا ما خبيتش عنكم حقيقتي عشان أوقعكم، ولا عشان أنتقم من حد. أنا ببساطة ما كنتش شايفة إن ثروتي هي الحاجة اللي لازم تعرفوني بيها. كنت عايزة أعرف إذا كان زياد هيحبني ويحترمني وأنا بالنسباله حبيبة، مش اسم شركة ولا رقم في حساب.
زياد قرب مني خطوة، وصوته بدأ يتهز.
حبيبة، إنتِ فهماني غلط.
بصيتله.
لأ، أنا فهمتك صح أخيرًا.
أنا كنت متفاجئ من اللي حصل، ومكنتش عارف أتصرف.
أنا كنت واقفة قدامك وبقولك انطق. كنت محتاجة منك كلمة واحدة. كلمة توقف بيها الإهانة، أو حتى تمد إيدك تساعد أبويا وأمي يطلعوا من المية. لكن إنت اخترت تبص في كاسك.
أنا هصلح كل حاجة.
إزاي؟
سكت.
هتعمل إيه يا زياد؟ هترجع المية من على هدوم أمي؟ هترجع لأبويا اللحظة اللي شاف فيها نفسه عاجز قدام مئات الناس؟ هتخلي ضحك الناس اللي صورتهم يختفي من ودانهم؟
حط إيده على جبينه.
أرجوكي، مش قدام الناس.
قلتله بهدوء
إنت اللي اخترت تعمل كده قدام الناس، وأنا مش هخلي أهلي يشيلوا العار اللي إنتوا حاولتوا تحطوه عليهم.
في اللحظة دي، موبايل أستاذ فؤاد رن.
بص للشاشة، ورد بسرعة.
أيوه يا أستاذ سامح.
سمعناه بيقول كلمتين، وبعدها بص ناحية زياد.
تمام. ابعتوا الإخطار الرسمي على البريد المسجل، وخلي كل خطوة موثقة.
قفل المكالمة، وبصلي.
تم إخطار أعضاء مجلس الإدارة رسميًا. والجهات المختصة استلمت الملف الأولي، لكن لازم أوضح إن أي قرار نهائي بخصوص المسؤولية أو الأموال هيتوقف على نتيجة الفحص والإجراءات القانونية.
هزيت راسي.
وده المطلوب. محدش يتظلم، ومحدش ياخد حاجة مش من حقه.
فادية كانت بتبصلي كأنها بتشوفني لأول مرة.
يعني إنتِ كنتِ مخططة لكل ده من قبل الفرح؟
لأ. القرارات المالية كان ليها أسبابها ومراجعاتها قبل اللي حصل النهارده. إنما إلغاء الفرح ده قرار اتخذته من اللحظة اللي شوفتك فيها بتزقي أهلي، وشوفت ابنك واقف يتفرج.
هتندمي!
ممكن أندم على حاجات كتير في حياتي، لكن مش هاندَم إني منعت جوازة كنت هخسر فيها نفسي يوم ورا يوم.
وبعدها سلمت الميكروفون لمقدم الحفل، وطلبت منه يوقف الموسيقى ويبلغ العاملين إن الضيوف يقدروا يمشوا بهدوء، وإن أي مستحقات للقاعة والموردين هتتدفع حسب العقود.
ما كنتش عايزة حد بريء يخسر فلوسه بسبب اللي حصل.
ولا كنت عايزة الليلة تتحول لفوضى.
كنت عايزة أمشي.
أمسكت إيد أمي، وأبويا قام جنبنا، لكن قبل ما نوصل للباب، سمعنا صوت فادية ورايا.
حبيبة!
وقفت، لكن ما لفيتش.
قالت بصوت أعلى
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟!
لفيت ناحيتها.
أنا مش داخلة مسابقة معاكي يا مدام فادية. أنا بس قررت ما أبقاش ضحية ليكي تاني.
خرجنا من القاعة، وورا ضهرنا كانت ليلة الفرح اللي اتخطط لها شهور بتتفكك قطعة قطعة.
لكن اللي حصل في القاعة كان مجرد البداية.
لأن الليلة دي، لأول مرة، أسرار شركات رشدي بدأت تظهر للنور.
والحقيقة اللي كانت مستخبية في الملفات، كانت أكبر بكتير من مجرد خلاف بين عروسة وحماتها.
الفصل التاني الحقيقة اللي كانت مستخبية في الدفاتر
ركبنا العربية الرابعة من العربيات اللي وصلت القاعة، وكانت عربية عائلية واسعة، مش عربية ليموزين ولا عربية استعراض.
أمي كانت قاعدة جنبي، لابسة جاكيت من بتوع فريق التنظيم، وأبويا قاعد قدام، ساكت وباصص من الشباك.
السواق اتحرك بهدوء، وخرجنا من بوابة المكان المطل على النيل.
كنت شايفة أضواء القاهرة بتعدي من ورا الزجاج، لكن عقلي كان لسه عند حافة حمام السباحة.
كل ما أفتكر إيد فادية وهي بتزق أمي، أحس إن قلبي بيتقبض.
وكل ما أفتكر زياد وهو واقف، كنت أحس إن القرار اللي أخدته، مهما كان صعب، كان القرار الصح.
أمي حطت إيدها على ركبتي.
حبيبة.
بصيتلها.
نعم يا ماما؟
إنتِ متأكدة من اللي عملتيه؟
السؤال وجعني، لأن أمي عمرها ما كانت بتحب القرارات المتسرعة.
قلت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى