روايات وقصص

يوم فرحي حكايات صافي هاني

متأكدة إني مش هتجوز زياد. أما موضوع الشركات، فكل حاجة هتمشي بالقانون. أنا مش هعاقب موظفين مالهمش ذنب، ومش هقفل محلات الناس بتاكل منها عيش عشان أغيظ فادية.
أبويا لف وشه لينا.
طب وإيه موضوع المحلات اللي قلتي هتتهد؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبي.
كنت غضبانة يا بابا. والمحلات مش هتتهد، ولا أنا هخرب رزق حد. فيه فرق بين إننا نوقف تصرفات غلط وبين إننا ننتقم من ناس مالهاش ذنب.
أبويا هز راسه برضا.
كده أنا اطمنت. إحنا عمرنا ما ربيناكي عشان تظلمي حد حتى لو ظلمك.
مديت إيدي ومسكت إيده.
عارفة يا بابا.
بعد دقائق، العربية دخلت شارع جانبي هادي في المعادي، ووقفت قدام فيلا صغيرة وسط حديقة واسعة.
دي ما كانتش الفيلا اللي الناس بتشوفها في المجلات، ولا قصر فيه بوابات ضخمة وحراس في كل حتة.
كانت بيت العيلة اللي عشنا فيه بعد ما شغلنا بدأ يكبر، واللي فضلت محتفظة فيه بغرفة أبويا وأمي زي ما هي، بنفس المكتبة القديمة، ونفس صورة جوازهم اللي كانت معلقة فوق التسريحة.
نزلنا، وأول ما دخلنا البيت، خالتي سعاد كانت مستنيانا.
كانت جاية تساعد أمي في تجهيز الفرح، لكنها أول ما شافت هدومها المبلولة جريت عليها.
يا نهار أبيض! إيه اللي حصل؟!
أمي حاولت تهديها.
مفيش يا سعاد، الموضوع خلص.
خلص إيه؟ إنتِ هدومك كلها مية!
بصتلي خالتي، وفهمت من وشي إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
لكن ما سألتنيش قدام أمي.
خدتها على أوضتها، وساعدتها تغير هدومها، وأنا طلعت أغير فستان الفرح اللي كان تقيل من كتر الدموع والعرق.
لما رجعت للصالة، كان أستاذ فؤاد قاعد مع أستاذة منى، مديرة المراجعة الداخلية، وعمرو، مدير العمليات في المجموعة.
قدامهم أكتر من ملف، ولابتوب مفتوح على شاشة فيها جداول طويلة.
قعدت قصادهم.
احكولي من الأول. أنا عايزة الصورة كاملة، من غير اختصار.
أستاذة منى فتحت أول ملف.
من حوالي تسعة شهور، الإدارة المالية رصدت اختلافات في تكاليف عدد من المشروعات التابعة لشركات رشدي. في البداية كانت اختلافات محدودة، وممكن يكون سببها سوء تنظيم أو تأخير في المستندات. لكن مع الوقت، لقينا فواتير مكررة، ومستخلصات أعمال اتصرفت رغم إن نسب التنفيذ الفعلية أقل من المسجل.
سألتها
يعني فيه شغل اتدفع تمنه مرتين؟
في بعض الحالات، فيه مبالغ اتصرفت على مستندات متشابهة، وفي حالات تانية فيه فرق كبير بين تكلفة المواد اللي اتسجلت في الدفاتر والأسعار اللي ظهرت في عروض الموردين.
عمرو فتح اللابتوب ووراني جدول.
دي مش كل العمليات، دي عينة من
المشروعات

اللي طلبنا مراجعتها. وفيه مشروعات تانية لسه بنجمع مستنداتها.
بصيت للأرقام.
كان فيه مشروع سكني في القاهرة الجديدة، ومجمع تجاري في مدينة نصر، ومخازن في العاشر من رمضان، ومشروع ترميم مبانٍ قديمة في وسط البلد.
مشروعات ضخمة، وورا كل رقم فيها ناس شغالة وبيوت مفتوحة.
سألت
مين المسؤول عن التوقيع على المستخلصات دي؟
أستاذة منى أشارت لأسماء مختلفة.
فيه توقيعات من إدارات تنفيذ، وإدارات مالية، وبعضها اتعتمد من مكتب نائب المدير التنفيذي. لكن لسه ما نقدرش ننسب المسؤولية لشخص بعينه قبل ما نكمل التحقيق.
وزياد؟
اسمه موجود في عدد من الموافقات الإدارية، لكن وجود توقيع أو اعتماد لوحده مش دليل كافي على ارتكاب مخالفة. لازم نراجع السياق، والصلاحيات، والمراسلات.
هزيت راسي.
كويس. أنا مش عايزة حد يتظلم. عايزة كل ورقة تتراجع، وكل شخص ياخد فرصته في الرد.
أستاذ فؤاد قال
فيه نقطة تانية مهمة. قبل أسبوعين، وصلتنا رسالة من موظف سابق في شركة رشدي للمقاولات. قال فيها إن فيه ضغط على بعض الموظفين عشان يعتمدوا مستخلصات قبل اكتمال الأعمال، وإنه احتفظ بنسخ من مراسلات داخلية.
الرسالة موجودة؟
أيوه. وقدمناها للمراجعة، لكن ما اتخذناش قرار بناءً عليها وحدها.
سكتُّ شوية، وبعدين سألت
وإيه علاقة كل ده بالفرح؟
أستاذ فؤاد قفل الملف.
من الناحية القانونية، مفيش علاقة مباشرة بين الواقعتين. التحقيقات بدأت قبل النهارده. لكن من الناحية الإدارية، كان فيه اجتماع مقرر الأسبوع الجاي لمناقشة استمرار زياد في منصبه. واللي حصل في القاعة خلانا نسرّع إجراءات حماية المستندات ومنع أي تغيير غير مصرح به في السجلات، وفقًا للصلاحيات المتاحة لنا.
بصيتله باهتمام.
يعني مش هنستخدم اللي حصل كذريعة عشان نطلع بنتيجة مسبقة.
بالضبط يا باشمهندسة.
أخذت نفسًا طويلًا.
كنت عارفة إن عيلة رشدي عندها شركات كبيرة، وعارفة إنهم بيدخلوا في مشروعات كتير، لكن ما كنتش عايزة أصدق إن حجم المشكلات ممكن يكون بالشكل ده.
ومع ذلك، ما كنتش هسمح لنفسي أخلط بين غضبي الشخصي وبين مسؤوليتي عن مجموعة فيها آلاف الموظفين.
قلت
من بكرة الصبح، عايزة لجنة مستقلة تراجع كل المشروعات محل الشك. ممنوع حذف أي مستند أو تغيير أي سجل. وممنوع اتخاذ أي إجراء ضد موظف لمجرد إنه اشتغل تحت إدارة زياد. والناس اللي ليها مستحقات واضحة لازم تاخدها في مواعيدها.
عمرو كتب الملاحظات.
حاضر.
كمان عايزة تقرير عن الموردين والمقاولين الصغيرين اللي مستحقاتهم متأخرة. لو فيه فلوس مستحقة فعلًا، ما ينفعش نعلق رزقهم عشان إحنا بنراجع الإدارة.
أستاذ فؤاد ابتسم.
ده قرار سليم.
قلتله
مش عايزة مجاملة يا أستاذ فؤاد. عايزة شغل.
ابتسم وقال
وده اللي هنعمله.
بعد ما خرجوا، فضلت قاعدة لوحدي شوية.
قدامي كانت صورة صغيرة لأبويا وهو واقف قدام ورشته القديمة في بولاق، لابس قميصه الأزرق، وإيده على كتف طفل صغير كان أنا.
افتكرت أيام ما كنت بروح معاه الورشة بعد المدرسة، وأقعد على كرسي خشب جنب المكتب، أعمل واجباتي وسط صوت المفكات والمطارق.
أبويا ما كانش غني، لكنه كان عمره ما مد إيده لحد، ولا اتأخر عن حد طلب مساعدته.
وأمي كانت بتخيط هدومها بنفسها ساعات، وتوفر من مصروف البيت عشان تشتريلي أدوات الرسم اللي كنت بحلم بيها.
هما اللي علّموني إن الفلوس وسيلة، مش قيمة الإنسان.
وإن اللي يملك كتير مش بالضرورة يبقى أحسن من اللي يملك قليل.
غمضت عيني، وحاولت أهدى.
لكن قبل ما أنام، موبايل أستاذ فؤاد بعتلي رسالة قصيرة.
وصل إخطار من الإدارة المالية لشركة رشدي بطلب مراجعة عاجلة لعدد من التحويلات القديمة. فيه اسم مورد بيتكرر في أكتر من مشروع، وهنتحقق من علاقته بباقي الأطراف.
قرأت الرسالة مرتين.
اسم المورد كان شركة صغيرة اسمها الصفوة لتوريدات البناء.
اسم عادي جدًا.
لكن الشركة دي ظهرت في ستة مشروعات مختلفة، وفي كل مرة كانت قيمة الفواتير أعلى من عروض موردين تانيين.
حطيت الموبايل على الترابيزة.
ما كنتش أعرف إن الاسم ده هيكون أول خيط في حكاية هتغير مستقبل شركات رشدي كلها.
الفصل التالت صباح مختلف في القاهرة
مع أول ضوء للشمس، كنت قاعدة في مكتبي في مقر شركة منصور القابضة في وسط البلد.
ما نمتش غير ساعتين، لكن ما كنتش حاسة بالتعب قد ما كنت حاسة إن قدامي شغل لازم يخلص.
دخلت السكرتيرة، نهى، ومعاها ملف جديد.
صباح الخير يا باشمهندسة.
صباح النور يا نهى.
حطت الملف قدامي.
أستاذ فؤاد وصل، واللجنة المستقلة بدأت الاجتماع. وفيه صحفيين واقفين تحت بيسألوا عن اللي حصل في الفرح.
تنهدت.
ما نديش تصريحات شخصية. أي استفسار عن التحقيقات يتحول للمستشار القانوني، وأي استفسار عن الفرح نقول إن المناسبة اتلغت، وإن الموضوع عائلي، وإننا مش هننشر تفاصيل تخص أهلنا.
نهى هزت راسها.
حاضر.
قبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
على فكرة، فيه ناس كتير بعتت رسائل دعم ليكي. وفيه ناس من موظفين شركات رشدي نفسهم بيقولوا إنهم متضايقين من طريقة الإدارة القديمة.
قلت لها
الدعم مش دليل، والشكوى مش حكم. أي حد عنده مستندات أو معلومات يقدمها للجنة بشكل رسمي، وحقه في السرية يتصان على قد ما القانون يسمح.
خرجت نهى، ودخل أستاذ فؤاد ومعاه أستاذة منى.
قعدنا نراجع المستندات واحدة واحدة.
كان فيه فاتورة بتوريد حديد لمشروع في القاهرة الجديدة، وفاتورة تانية لمواد عزل في مشروع بمدينة نصر، ومستخلصات لعمالة في مخازن العاشر من رمضان.
المشكلة ما كانتش في ورقة واحدة.
المشكلة كانت في نمط متكرر.
في كل مشروع، كان فيه مورد بيقدم عرض سعر أعلى من المتوسط، وبعدها يتم اعتماد العرض بسرعة، رغم وجود بدائل أقل تكلفة.
وفي بعض الحالات، كانت مستندات الاستلام بتقول إن المواد وصلت كاملة، بينما سجلات الموقع بتشير إلى إن جزءًا منها ما وصلش إلا بعد أسابيع.
قلت
عايزة نعرف إذا كان التأخير ناتج عن سوء تنظيم، ولا فيه تلاعب متعمد.
أستاذة منى قالت
ده اللي بنحاول نثبته. إحنا طلبنا سجلات المخازن، وكشوف الاستلام، ومراسلات الشراء. وفيه موظف مخازن سابق وافق يقابل اللجنة النهارده.
اسمه إيه؟
محمود عبدالسلام.
الاسم خلاني أرفع عيني.
محمود عبدالسلام؟ كان شغال في مخازن العاشر؟
أيوه.
افتكرت إني قابلته مرة في زيارة ميدانية من سنتين. كان راجل في أوائل الأربعينات، هادي، بيتكلم قليل، ودايمًا ماسك دفتر صغير يسجل فيه كل حاجة.
سألت
هو اللي بعت الرسالة؟
مش متأكدين. الرسالة وصلتنا من عنوان إلكتروني مش موثق، لكن محمود اتواصل مع اللجنة بعد ما عرف إن فيه مراجعة مستقلة.
تمام. خلي المقابلة تتسجل بمحضر رسمي، ومن غير ضغط عليه.
بعد ساعة، دخل محمود المكتب.
كان لابس قميصًا رماديًا بسيطًا، وبنطلونًا أسود، وشايل ملف بلاستيك قديم.
وقف عند الباب وقال
السلام عليكم.
ردينا عليه، وطلبنا منه يقعد.
كان واضح عليه التوتر.
قلتله
اتفضل يا أستاذ محمود. إحنا هنا عشان نسمع منك، مش عشان نتهمك. لو عندك معلومات أو مستندات، قول اللي تعرفه، وأي حاجة مش متأكد منها قول إنك مش متأكد.
فتح الملف، وطلع دفترًا صغيرًا.
أنا مش معايا حاجة تضر حد ظلم، يا باشمهندسة. أنا بس كنت عايز الشغل يمشي صح.
أستاذة منى قالت
اتفضل.
محمود فتح الدفتر على صفحة قديمة.
دي أرقام الشحنات اللي دخلت المخزن في شهر مارس. ودي الكميات اللي اتسجلت في الفواتير. أنا كنت مسؤول عن الاستلام، وكنت بكتب الكمية اللي وصلت فعلًا. لكن بعد كده لقيت في النظام كميات أكبر من اللي استلمناها.
سألته
مين اللي غير الأرقام؟
ما أقدرش أقول مين، لأني ما شفتش الشخص بعيني وهو بيغيرها. لكن عندي نسخ من تقارير الاستلام اللي سلمتها للإدارة، وبعدها لقيت تقارير تانية بأرقام مختلفة.
احتفظت بالنسخ ليه؟
بص للأرض لحظة.
عشان لما اعترضت، المدير قاللي إن ده مش شغلي، وإن دوري أستلم وأسكت. وبعدها اتخصم مني حافز، واتنقلت من المخزن لقسم تاني. ولما اعترضت، قالولي لو مش عاجبني الباب يفوت جمل.
سكت شوية، وبعدين أضاف
أنا عندي بنت في الجامعة، وولد في ثانوي. ما كنتش أقدر أسيب الشغل بسهولة. لكن لما اتنقلت، بدأت أجمع كل اللي عندي عشان لو في يوم حد سأل.
أستاذ فؤاد سأله

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى